أمن الممرات البحرية.. هل أصبح التحدي الأكبر في الشرق الأوسط؟

كتبت/ منار حجاج
لم تعد الممرات البحرية في الشرق الأوسط مجرد طرق لعبور السفن ونقل البضائع، بل تحولت إلى إحدى أبرز بؤر الصراع الجيوسياسي.
ومع تصاعد التوترات العسكرية واتساع نطاق التهديدات التي طالت مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، وبينما تعتمد التجارة العالمية على هذه الممرات الحيوية، تفرض التطورات المتسارعة تحديات متزايدة أمام أمن الملاحة.
وترفع تكلفة النقل والتأمين، وتلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان أمن الممرات البحرية أصبح بالفعل التحدي الأكبر في الشرق الأوسط.
الممرات في قلب الصراع
وفي هذا السياق، يقول أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، إن الممرات البحرية تقع في قلب الصراع، نتيجة وجود أنظمة سياسية، من بينها النظام الإيراني الذي يتحكم في مضيق هرمز، وأيضًا جماعة الحوثي التي تهدد الملاحة في مضيق باب المندب وخليج عدن، وبالتأكيد في منطقة البحر الأحمر بالكامل.
مضيفًا أن هناك أيضًا كيانات أخرى مرتبطة بالمحور الإيراني (محور المقاومة) تهدد الملاحة في الخليج العربي ومناطق أخرى، مثل بحر العرب.
الجغرافيا تصنع النفوذ
ويوضح أحمد سلطان، أن كل ذلك وضع أمن الممرات البحرية أمام تحدٍّ كبير، وفرض واقعًا جديدًا ليس ملاحيًا فقط، بل جيوسياسيًا أيضًا، وبالتالي أصبحت الممرات هي المحور الرئيس للصراع.
لأن الموقع الجغرافي لمنطقة الشرق الأوسط جعلها في منتصف العالم، وجعلها تتحكم في خطوط الملاحة البحرية التي تؤثر في العالم، وليس في المنطقة فقط، فمضيق هرمز يمر عبره نحو 20% من نفط العالم، ونسبة مماثلة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
ويتابع سلطان، أن مضيق باب المندب وقناة السويس مرتبطان ببعضهما بعضًا، وتُعد قناة السويس ممرًا حيويًا للتجارة العالمية، إذ لا يمكن الانتقال من المحيط الهندي والبحر الأحمر إلى البحر المتوسط إلا عبر هذا الطريق.
صراع سيادة ونفوذ
ويرى الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، أن هذا الأمر جعل هذه الممرات محورًا للصراع، وهو في جوهره صراع سيادة ونفوذ في المنطقة، كما أنه يأتي ضمن صراعات القوى المتوسطة لإعادة تشكيل النظام الدولي.
مشيرًا إلى أن ما يحدث في هذه البقعة الجغرافية المهمة يؤثر في النظام الدولي، ولطالما لعبت القوى المتوسطة دورًا في إعادة تشكيله، لذلك فإن الصراع الحالي هو صراع على النفوذ والمكانة والمستقبل، ولهذه الأسباب أصبحت الممرات البحرية محور الصراع في المنطقة.
فاتورة التهديدات البحرية
ويضيف الباحث أنه مع التطورات الأخيرة ارتفعت تكلفة التأمين على الشحنات، وأصبحت التهديدات أكبر وأكثر تعقيدًا، وباتت مسألة توفير الحماية بالوسائل التقليدية غير ممكنة، في ظل استهداف العديد من السفن والناقلات، وهي تكلفة لا تستطيع الدول ولا شركات النقل البحري تحملها.
ويتابع سلطان أن تكلفة النقل والتأمين على السفن ترتفع، كما يتم الإبلاغ في العديد من الحالات عن عدم إتمام المرور عبر مضيق هرمز وخليج عدن وباب المندب نتيجة الضربات والصراع، وهو ما يهدد الأمن البحري بشكل واضح، ويعيد تشكيل معادلة الأمن البحري ككل.
ويواصل الباحث، إن العالم يقف اليوم أمام أكثر من تحالف بحري، منها عملية “حارس الازدهار” في خليج عدن، إلى جانب تحالفات قوة المهام الدولية وغيرها.
لكن الحقيقة أن مستوى نجاحها لا يزال محدودًا، لأن هذه التحالفات أُنشئت للتعامل مع نوعية تقليدية من التهديدات، بينما أصبحت التهديدات منذ عام 2023 أكثر تعقيدًا وتضاعفت.
ويضيف سلطان، أن جماعة الحوثي أعلنت فرض حصار بحري على الموانئ الإسرائيلية، واستهدفت العديد من السفن في مضيق باب المندب وبحر العرب وغيرها، لكنها من الناحية العسكرية البحتة ليست قادرة على فرض حصار كامل.
موضحًا أن شركات النقل البحري وشركات التأمين لن تجازف بالمرور في ظل وجود أي تهديد، حتى وإن كان متوسط الخطورة، وبالتالي دفع ذلك كثيرًا من الشركات إلى تعليق رحلاتها.
هل فشلت التحالفات؟
ويعتقد أحمد سلطان، أن التحالفات البحرية الدولية أصبحت، عمليًا غير قادرة على تأمين الملاحة، رغم أن الهدف الأساسي من إنشائها هو حماية المرور في الممرات الملاحية الدولية ونقاط الاختناق البحري.
وأن هذه الدول ليست راغبة في الدخول في معركة طويلة ضد جماعة مثل الحوثيين أو ضد النظام الإيراني، وهو ما ظهر في إحجام عدد من الدول الأوروبية عن تقديم دعم عسكري مباشر للولايات المتحدة في حملتها.
ويرى سلطان، أن تهديد الملاحة البحرية كان وسيظل وسيلة للضغط السياسي والعسكري، وأن استهداف الممرات الملاحية له ارتدادات عالمية، لا تقتصر على الجانب السياسي والعسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، بما قد يؤدي إلى حالة من الركود الاقتصادي.
وأن الاقتصاد العالمي لا يستطيع تحمل هذه الصدمات لفترات طويلة، وفي هذه الحالة يصبح تهديد الملاحة البحرية سلاحًا استراتيجيًا قد يسهم في تحقيق الهدف النهائي، وهو إجبار الولايات المتحدة وإسرائيل على إعادة النظر في حملتهما العسكرية ضد إيران.
واقع جديد بعد الحرب
مشيرًا إلى أن أمن الممرات البحرية بعد الحرب لن يكون كما كان قبلها، إذ سيفرض واقعًا جيوسياسيًا جديدًا، موضحًا أن الإيرانيين يميلون حاليًا إلى فرض رسوم على المرور عبر مضيق هرمز، ورغم أنها قد لا تكون كبيرة، فإنها ستكون مؤثرة، وربما تُطرح تحت مسمى رسوم خدمات، وهو ما يرسخ واقعًا جيوسياسيًا جديدًا.
ويتابع الباحث، إذا استمرت الضربات الحالية، فقد يظل مضيق هرمز مغلقًا، وقد يُعاد فتحه وفق ترتيبات جديدة أو من خلال مذكرة تفاهم، لكن إيران ستسعى إلى فرض رسوم على المرور.
باب المندب.. الخطر مستمر
أما بشأن مضيق باب المندب، فيرى أن مستوى التهديد أقل، لكنه لا يزال قائمًا، خاصة إذا اتجهت الأمور نحو توسيع العمليات العسكرية، رغم أنه يستبعد العودة إلى الحملة الرئيسية التي كانت قائمة قبل هدنة أبريل، لكنه يؤكد أن الاحتمال يظل واردًا، فالحرب أمُّ المفاجآت.
ويختتم سلطان، أنه لا يمكن استبعاد سيناريو التصعيد الشامل، إذ قد يصبح إغلاق مضيق باب المندب احتمالًا قائمًا، خاصة أن الحوثيين طالبوا بذلك من قبل، بينما كانت إيران ترى تأجيل هذه الخطوة، إلا أنها قد تصبح مطروحة في أي لحظة.
وان قناة السويس قد تفقد أكثر من نصف إيراداتها إذا وقع تصعيد عسكري وأُغلق مضيق باب المندب، وهو ما ستكون له تداعيات مباشرة على الاقتصاد المصري والاقتصاد العالمي.



