تقارير

هل تقود الخسائر الروسية اليومية إلى تغيير مسار الحرب؟.. تحليل يشرح استراتيجية أوكرانيا

مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس، تتواصل المعارك دون مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية سياسية، بينما تتبنى كييف استراتيجية عسكرية تقوم على استنزاف القوات الروسية وإيقاع أكبر عدد ممكن من الخسائر البشرية، في محاولة لإضعاف قدرة موسكو على مواصلة العمليات العسكرية.

وفي تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية، يرى الصحفي والمحلل الدفاعي ستافروس أطلمازوغلو، وهو محارب سابق في الجيش اليوناني ومتخصص في شؤون العمليات العسكرية والأمن القومي، أن أوكرانيا استعادت تدريجياً خلال الأشهر الأخيرة زمام المبادرة العملياتية، وأصبحت أكثر قدرة على التأثير في وتيرة القتال.

استراتيجية أوكرانية تقوم على استنزاف القوات الروسية

بحسب التحليل، تعتمد القيادة العسكرية الأوكرانية على استراتيجية مباشرة تقوم على إلحاق أكبر عدد ممكن من القتلى والجرحى في صفوف القوات الروسية، بهدف تقليص قدرة الكرملين على تعويض خسائره البشرية وإجباره في نهاية المطاف على تقليص عملياته العسكرية.

ونقل التقرير عن القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، الجنرال أوليكسندر سيرسكي، قوله في مقابلة مع صحيفة “تايمز” البريطانية إن الجيش الأوكراني وضع هدفاً يتمثل في تكبيد روسيا أكثر من ألف قتيل أو جريح يومياً.

وقال سيرسكي: “الحرب منافسة مستمرة، وهدفنا الرئيسي هو ضمان أن يخسر العدو كل يوم أكثر من ألف جندي بين قتيل وجريح”، معتبراً أن استمرار هذا المعدل لفترة طويلة قد يؤدي إلى إنهاك الجيش الروسي وتقويض قدرة موسكو على مواصلة الحرب.

خسائر بشرية ضخمة منذ 2022

ويشير التحليل إلى أن البيانات التي تنشرها هيئة الأركان الأوكرانية، والتي يقول إنها تحظى بدعم من تقديرات بعض الجيوش وأجهزة الاستخبارات الغربية، تفيد بأن روسيا فقدت منذ فبراير/شباط 2022 أكثر من 1.4 مليون عسكري بين قتيل وجريح، بينهم نحو 450 ألف قتيل.

في المقابل، يوضح التقرير أن الخسائر الأوكرانية أقل وضوحاً بسبب محدودية البيانات الرسمية، إلا أن التقديرات المتداولة تشير إلى فقدان نحو 500 ألف عسكري، بينهم ما يقارب 150 ألف قتيل.

ويرى التحليل أن الطائرات المسيّرة الأوكرانية أصبحت أحد أبرز العوامل التي ساهمت في زيادة خسائر القوات الروسية خلال المرحلة الأخيرة من الحرب.

هل تكفي الخسائر البشرية لحسم الحروب؟

ويطرح التقرير تساؤلاً حول ما إذا كان التركيز على عدد قتلى وجرحى الخصم يمثل مؤشراً كافياً لتحقيق النصر، مستعرضاً تجارب تاريخية يرى أنها أظهرت محدودية هذا النهج.

ويستشهد المحلل بحرب فيتنام، حيث اعتمد الجيش الأمريكي على أعداد قتلى قوات فيتنام الشمالية و”الفيت كونغ” كمؤشر على النجاح، إلا أن ذلك لم يترجم إلى انتصار عسكري أو سياسي.

كما يقارن الوضع بالحرب التي شهدتها روديسيا، المعروفة حالياً بزيمبابوي، خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عندما حققت القوات الحكومية تفوقاً كبيراً في أعداد قتلى المتمردين، لكن الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية أدت في النهاية إلى تغيير المشهد السياسي، رغم التفوق العسكري.

لماذا تختلف الحرب في أوكرانيا؟

ويرى أطلمازوغلو أن الحالة الأوكرانية تختلف عن تلك التجارب من ناحيتين أساسيتين.

الأولى أن الحرب في أوكرانيا تدور بين جيشين نظاميين حديثين، بخلاف حروب العصابات التي شهدتها فيتنام وروديسيا، ما يجعل تعويض الخسائر البشرية أكثر تعقيداً وكلفة بالنسبة لروسيا.

أما الثانية، فتتمثل في طبيعة الصراع، إذ يعتبر التحليل أن القوات الأوكرانية تدافع عن أراضيها، بينما تخوض روسيا حرباً خارج حدودها، وهو ما ينعكس على دوافع القتال وكلفة استمرار العمليات بالنسبة لموسكو.

ويشير التقرير إلى أن تجنيد الجنود الروس يتطلب حوافز مالية كبيرة، إضافة إلى تحمل الدولة تكاليف علاج المصابين وتعويض أسر القتلى، وهو ما يزيد الأعباء الاقتصادية مع استمرار الحرب.

تحديات متزايدة أمام التجنيد الروسي

ويلفت التحليل إلى أن روسيا اتجهت خلال الفترة الأخيرة إلى توسيع عمليات التجنيد، بما في ذلك استقطاب متطوعين من دول إفريقية، وفي بعض الحالات عبر عروض عمل غير عسكرية، إلى جانب زيادة مشاركة النساء في بعض الأدوار القتالية.

ويرى المحلل أن هذه الخطوات قد تعكس صعوبة متزايدة في تحقيق أهداف التجنيد التي وضعتها موسكو، محذراً من أن اللجوء مستقبلاً إلى تعبئة أوسع داخل المدن الكبرى قد يثير ردود فعل سياسية واجتماعية لا يرغب الكرملين في مواجهتها.

هل تحقق كييف هدفها؟

ويخلص التقرير إلى أن استراتيجية أوكرانيا القائمة على استنزاف القوات الروسية قد تتحول إلى عامل مؤثر على المدى الطويل إذا استمرت معدلات الخسائر المرتفعة، معتبراً أن الضغط المتواصل على القدرات البشرية الروسية قد يشكل أحد أهم عناصر الحرب الحالية.

ويجدر التنويه إلى أن هذا التحليل يعبر عن رؤية كاتبه المنشورة في مجلة “ناشونال إنتريست”، بينما يصعب التحقق بشكل مستقل من الأرقام المتعلقة بخسائر طرفي الحرب، نظراً لاستمرار النزاع واعتماد كل طرف على بياناته العسكرية الخاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى