لماذا لا تستطيع أمريكا التخلي عن أوروبا؟

رغم تحول الاهتمام الأمريكي تدريجياً نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة النفوذ الصيني، يؤكد محللان أمريكيان أن أوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) سيظلان حجر الزاوية في الأمن القومي الأمريكي، وأن أي استراتيجية أمريكية لردع الصين وروسيا لا يمكن أن تنجح دون الحفاظ على التحالف عبر الأطلسي وتعزيزه.
وفي تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست، يرى الباحثان لوك كوفي، الزميل الأول في معهد هدسون، ودانيال كوتشيس، الزميل الأول في مركز أوروبا وأوراسيا بالمعهد نفسه، أن أهمية أوروبا بالنسبة للولايات المتحدة لم تتراجع، بل أصبحت أكثر ارتباطاً بالتحديات الجيوسياسية التي تواجهها واشنطن في عام 2026، وعلى رأسها المنافسة مع الصين والحرب في أوكرانيا.
وجاء التحليل بالتزامن مع احتفالات الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 للاستقلال، ليؤكد أن واشنطن أمضت ما يقرب من ثلث عمرها الحديث وهي مرتبطة رسمياً بحلفائها في حلف شمال الأطلسي، بموجب معاهدة تلزم جميع الأعضاء بالدفاع المشترك.
ويضم حلف الناتو حالياً 32 دولة، بينها 30 دولة أوروبية، إلى جانب الولايات المتحدة وكندا، وشكل على مدى 77 عاماً أحد أهم ركائز القوة الأمريكية ونفوذها العالمي.
أوروبا لا تزال شريكاً لا غنى عنه
يرى الباحثان أن التساؤلات المتزايدة حول قدرة الولايات المتحدة على مواصلة انخراطها العسكري والسياسي في أوروبا بسبب تركيزها على الصين، لا تعكس الواقع الاستراتيجي.
ويؤكدان أن أوروبا ما زالت تمثل أهمية حيوية للمصالح الأمريكية كما كانت خلال الحرب الباردة، معتبرين أن الحفاظ على تحالف قوي عبر الأطلسي سيضمن استمرار قيادة الدول الغربية للنظام الدولي بدلاً من انتقال النفرة إلى أنظمة سلطوية.
وأشار التحليل إلى أن أكبر ميزة استراتيجية تمتلكها الولايات المتحدة مقارنة بالصين تتمثل في شبكة تحالفاتها الدولية، موضحاً أن “الولايات المتحدة لديها حلفاء حقيقيون، بينما تمتلك الصين دولاً تدور في فلكها”.
الاقتصاد يعزز أهمية أوروبا
اقتصادياً، يلفت التحليل إلى أن أوروبا لا تزال الشريك الاقتصادي الأكبر للولايات المتحدة، رغم النمو المتسارع للأسواق الآسيوية.
ويشير إلى أن أمريكا الشمالية وأوروبا تمثلان معاً نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، كما تعد القارة الأوروبية واحدة من أكبر الأسواق للصادرات الأمريكية.
وبحسب بيانات غرفة التجارة الأمريكية، فإن 48 ولاية أمريكية من أصل 50 تصدر إلى أوروبا أكثر مما تصدر إلى الصين، فيما تبلغ صادرات الولايات المتحدة من السلع إلى أوروبا أربعة أضعاف صادراتها إلى السوق الصينية.
كما تعد أوروبا أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر داخل الولايات المتحدة، إذ تمثل الشركات الأوروبية نحو 56% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بقيمة تتجاوز 3.5 تريليون دولار.
ويضيف التحليل أن الدول الأوروبية تمتلك أيضاً كميات من سندات الخزانة الأمريكية تفوق ما تمتلكه الصين، فيما تستحوذ بريطانيا وحدها على أكثر من 44% من حجم السندات الأمريكية التي تمتلكها بكين.
القواعد العسكرية تمنح واشنطن مرونة عالمية
ويرى الباحثان أن أهمية أوروبا لا تقتصر على الاقتصاد، بل تمتد إلى البعد العسكري، حيث توفر القواعد الأمريكية المنتشرة في القارة الأوروبية مرونة استراتيجية يصعب تعويضها في أي منطقة أخرى.
وأوضحا أن وجود عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في أوروبا لا يهدف فقط إلى حماية الحلفاء الأوروبيين، بل يمنح واشنطن قدرة كبيرة على نشر قواتها وإدارة عملياتها العسكرية حول العالم.
وأشار التحليل إلى أن العمليات العسكرية الأمريكية الأخيرة ضد إيران أظهرت أهمية شبكة القواعد الأوروبية، رغم رفض بعض الدول، مثل إسبانيا، السماح باستخدام أجوائها أو قواعدها، وهو ما اعتبره الباحثان استثناءً وليس القاعدة.
كما استشهد التحليل بحادثة اضطرار ثلاث قاذفات أمريكية من طراز “بي-1 بي لانسر” إلى الهبوط في قاعدة رامشتاين الجوية بألمانيا خلال مارس الماضي بسبب سوء الأحوال الجوية، معتبراً أن الواقعة أبرزت المرونة العملياتية التي توفرها القواعد الأمريكية المنتشرة في أوروبا.
وأضاف أن الولايات المتحدة تواصل أيضاً تعزيز وجودها العسكري في قاعدة لاجيس فيلد بالبرتغال، خاصة في مجال الحرب المضادة للغواصات.
أوكرانيا عنصر أساسي في الأمن الأوروبي
ويرى التحليل أن أوكرانيا ستكون لاعباً رئيسياً في منظومة الأمن الأوروبي خلال السنوات المقبلة، في ظل الخبرة القتالية الكبيرة التي اكتسبتها قواتها المسلحة منذ بدء الحرب مع روسيا في فبراير/شباط 2022.
كما أشار إلى أن الصناعات الدفاعية الأوكرانية أصبحت تتمتع بقدرات ابتكارية متقدمة، الأمر الذي دفع شركات الصناعات العسكرية الأمريكية إلى إقامة شراكات متزايدة مع نظيراتها الأوكرانية.
ولفت الباحثان إلى أن الدور المستقبلي لأوكرانيا لن يقتصر على أوروبا، بل سيمتد إلى مناطق أخرى ترتبط بالمصالح الأمنية الأمريكية، ومنها الشرق الأوسط، حيث ساهمت كييف، بحسب التحليل، في مساعدة دول الخليج والقوات الأمريكية على تطوير قدراتها لمواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة الإيرانية.
مواجهة الصين تبدأ من أوروبا
وأكد التحليل أن أهمية أوروبا ستزداد أيضاً في حال اندلاع أي مواجهة عسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، خاصة في بحر الصين الجنوبي.
وأوضح أن الاعتماد على خطوط الإمداد عبر المحيط الهادئ وحدها سيكون مخاطرة كبيرة، بينما تمنح القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا خيارات لوجستية ومسارات بديلة لإعادة الإمداد ودعم العمليات العسكرية في آسيا.
وأضاف أن التوسع السريع في القدرات الصناعية الدفاعية الأوروبية يمثل عاملاً مهماً في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد العسكرية الأمريكية، ويمنح واشنطن قدرة أكبر على زيادة إنتاج المعدات الدفاعية بوتيرة أسرع.
الناتو استثمار في مستقبل القوة الأمريكية
واختتم الباحثان تحليلهما بالتأكيد على أن الأمن عبر الأطلسي يمثل جزءاً أساسياً من الأمن القومي الأمريكي، وأن الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والعسكرية تجعل أوروبا شريكاً لا غنى عنه للولايات المتحدة.
ويرى التحليل أن تعزيز قدرات حلف شمال الأطلسي وإعادة تنشيطه لا يمثلان عودة إلى سياسات الماضي، بل استثماراً استراتيجياً يحافظ على المكانة الدولية للولايات المتحدة ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات التي تفرضها كل من الصين وروسيا خلال العقود المقبلة.



