
في رحلتنا المستمرة حول تعزيز أسس الحوكمة والتحول الرقمي، نصل اليوم إلى “العدو الخفي” الذي ينخر في جسد المؤسسات ويفرغ مبادئ الشفافية والمساءلة من مضمونها: مراكز النفوذ أو ما يُعرف بـ “الشلل المؤسسي”.
عندما تتشكل “مراكز قوى” موازية للهيكل التنظيمي الرسمي، فإننا لا نتحدث فقط عن سوء إدارة، بل عن حالة من “الاختطاف الإداري”.
أولاً: أضرار مراكز النفوذ (الشلل) على المؤسسة:
١. “تآكل الثقة”: يُصبح الولاء للشخص أو “الشلة” بدلاً من المؤسسة، مما يقتل روح الانتماء المؤسسي وروح الانتماء لمبادئ وقيم العمل المتعارف عليها.
٢. “عرقلة التحول الرقمي”: لأن التحول الرقمي يعني “الشفافية” و”البيانات المفتوحة”، وهما العدو الأول لمراكز النفوذ التي تعيش على “حجب المعلومات” وعرقلة تدفق المعلومات بصورة تسمح بالتطور المؤسسي والاستفادة من الكفاءات.
٣. “تهميش الكفاءات”: تسود حالة من الإحباط بين الموظفين الموهوبين، مما يؤدي إلى تسرب العقول للخارج او انعزالهم داخل المؤسسات، ويبقى فقط أصحاب الولاء الضيق.
٤. “شخصنة القرارات”: تُتخذ القرارات بناءً على المصالح الشخصية لا بناءً على معايير الأداء (KPIs) أو مصلحة المؤسسة العليا. ويظهر ذلك في التعيينات والترقيات ومهمات العمل للخارج واللجان الوهمية. وهنا تدفع المؤسسات وفرص استدامتها ثمناً غالياً.
ثانياً: مهم جدا نعرف سمات القيادات التي تسمح بنمو “مراكز النفوذ”:
عادةً ما تنمو هذه الشلل في بيئة توفر لها الغطاء، وتتسم القيادة في هذه المؤسسات بـ:
– “القائد “المنعزل”: الذي يعتمد على مصدر واحد للمعلومات (حلقة ضيقة وغالبا تتسم بالفساد الإداري) ويحجب نفسه عن الواقع الفعلي للمؤسسة.
– “القيادة الهشة (Weak Leadership)”: التي تخشى المواجهة، وتستخدم سياسة “فرق تسد” كوسيلة للبقاء، مما يسمح للصراعات بين مراكز النفوذ بالاستمرار.
– “القيادة التي تفتقر للرؤية”: عندما تغيب الرؤية الواضحة والأهداف الاستراتيجية، تملأ “الشلل” هذا الفراغ بأجنداتها الخاصة وتلبية مصالحها الشخصية.
– وأخيراً القيادة الأسيرة هي نمط إداري يفتقر للاستقلالية، حيث يتم اختطاف سلطة اتخاذ القرار فيها لصالح مراكز قوى غير رسمية أو دوائر نفوذ ضيقة، مما يؤدي إلى تعطيل مبادئ الحوكمة والشفافية وتغليب المصالح الشخصية على أهداف المؤسسة الاستراتيجية.
الخلاصة:
الحوكمة ليست مجرد إجراءات وقوانين، بل هي “ثقافة” تبدأ بكسر احتكار المعلومة لصالح مراكز النفاذ. والتحول الرقمي هو أقوى أدواتنا اليوم لفكك هذه المراكز، لأنه يجعل “المساءلة” آلية، و”الشفافية” واقعاً لا يمكن تجاوزه.
المؤسسة الناجحة هي التي يكون فيها “النظام” الذي يؤسس لقياس الأداء وتمكين الكفاءات هو القائد الفعلي، لا “الأشخاص” وشخصنتهم لمقاعدهم.
شاركوني تجاربكم.. كيف يمكن للمؤسسات أن تتحرر من هيمنة مراكز النفوذ وتعزز قيم الحوكمة الحقيقية؟
نبذة عن الكاتبة:
رشا شكر، كاتبة وإعلامية مصرية تمتلك خبرة مهنية تمتد لأكثر من 25 عامًا في مجال الإعلام والاتصال المؤسسي داخل مصر وخارجها. متخصصة في الحوكمة والتحول الرقمي، وسفيرة للذكاء الاصطناعي، وتهتم بتوظيف التكنولوجيا والابتكار في تطوير المؤسسات وتعزيز كفاءة الأداء.
تجمع في مسيرتها بين الخبرة الإعلامية والرؤية الاستراتيجية، كما تمتلك خبرة عملية في مجال الإعلام الرقمي وتواصل دراستها المتخصصة فيه بالجامعة الأمريكية، وتسعى من خلال كتاباتها إلى تقديم رؤى ملهمة حول القيادة والتغيير والتحول في العصر الرقمي.



