صعود اليوان في باكستان.. كيف يعيد تشكيل التجارة مع الصين ويقلّص هيمنة الدولار؟
كتبت: مريم حسن

لعقود طويلة، اعتمدت باكستان في تجارتها حتى مع الصين اعتمادًا كبيرًا على الدولار الأمريكي، مما جعلها عرضة لأزمات نقص العملة وصدمات أسعار الصرف.
الآن، بدأ هذا النمط يتغير تدريجيًا، إذ يكسب اليوان الصيني (الرنمينبي) أرضًا متصاعدة في التجارة الثنائية كوسيلة عملية لتخفيف الضغوط، وتخفيض التكاليف، وتحسين الاستقرار الاقتصادي.
مسيرة صعود اليوان
ارتفعت حصة الواردات الباكستانية من الصين المسعّرة باليوان من 5.6% عام 2016 إلى 19.1% عام 2025، وبلغت ما يقارب 25% في عام 2026.
وعلى صعيد التسويات التجارية، قفزت حصة التجارة الباكستانية-الصينية المسوّاة باليوان من 2% فقط عام 2018 إلى ما يزيد على 14% عام 2023، في مؤشر يعكس تصاعد أحجام التجارة والدعم السياسي المتعمّد لتعزيز التسوية المباشرة بالعملتين.
وعلى المستوى الدولي، تشير بيانات تسوية الرنمينبي عبر الحدود إلى أن تدفقات التسوية الفصلية باليوان تسلّقت إلى نحو 4.8 تريليون يوان بنهاية عام 2025، مما يبرز الدور المتنامي للعملة في التجارة العالمية.

كيف يعمل النظام الجديد؟
١. البنية التحتية المصرفية
يسّر البنك المركزي الباكستاني هذا التحوّل من خلال تفعيل ترتيبات مقاصة اليوان عبر بنوك صينية ودولية، ما يتيح للشركات المحلية تسوية المدفوعات مباشرةً بالعملة الصينية دون الحاجة إلى الدولار.
٢. اتفاقية المبادلة العملية
يبلغ حجم اتفاقية المبادلة الثنائية للعملة بين البلدين 30 مليار يوان صيني، وهو ما يوفر سيولة كافية لدعم التجارة المباشرة بالعملتين دون المرور بالدولار.
٣. سندات الباندا
أصدرت باكستان أول سنداتها من نوع “باندا بوندز” بقيمة 250 مليون دولار، وهي سندات مقوّمة باليوان تُطرح في السوق الصينية، مما يمثّل خطوة نوعية في تعميق الاندماج المالي بين البلدين.
لماذا يصب هذا التحوّل في مصلحة باكستان؟
أولًا — تخفيف الضغط على الاحتياطيات الأجنبية: يساعد تسوية جزء من التجارة مع الصين باليوان على تقليل الطلب على الدولار، ما يعزز استقرار الروبية ويخفف من تقلبات سعر الصرف.
ثانيًا — إلغاء التحويل المزدوج: كان المستوردون يتحملون سابقًا تكلفة تحويل العملة مرتين (روبية → دولار → يوان). الآن أصبح الدفع مباشرًا باليوان، مما يقلل التكاليف ويزيد من وضوح التسعير.
ثالثًا — دعم مشاريع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC): يساهم استخدام اليوان في تقليل مخاطر تقلب العملات وتحسين إدارة التمويل بين البلدين في المشاريع المشتركة طويلة الأجل.
اتجهت باكستان في بعض صفقاتها الأخيرة إلى استخدام اليوان في تمويل واردات استراتيجية مثل النفط، في تحول عن الاعتماد التقليدي على الدولار.
كما تسعى لتكرار هذا النموذج في تعاملاتها مع دول أخرى مثل روسيا وإيران عبر اتفاقيات عملة ثنائية مشابهة.
التخلي عن الدولار
تشير بيانات دولية إلى تراجع تدريجي في حصة الدولار داخل الاحتياطيات العالمية، مع ازدياد توجه العديد من الدول إلى تنويع عملاتها في التجارة الدولية.
كما اتفقت بعض الاقتصادات الكبرى، مثل البرازيل والصين، على استخدام عملاتهما المحلية في التجارة الثنائية، فيما أعلن تجمع بريكس عن توجهه لتعزيز استخدام العملات الوطنية في المدفوعات العابرة للحدود.
التحديات والمحاذير
رغم هذا الاتجاه المتصاعد، يبقى التحول تدريجيًا وليس جذريًا.
لا يزال الدولار يمثل العمود الفقري للنظام المالي العالمي، نظرًا لسيولته العالية واعتماده في سلاسل التوريد الدولية. كما أن بعض الالتزامات المالية في مشاريع كبرى ما زالت مرتبطة بالدولار، مما يحد من سرعة التحول الكامل.
تعمل الصين وباكستان على بناء منظومة مالية ثنائية تعتمد بشكل متزايد على اليوان، دون السعي إلى إلغاء الدولار بالكامل. ومع وصول نسبة التسوية باليوان إلى مستويات مرتفعة، يبدو أن هذا الاتجاه في توسع مستمر، خاصة مع نمو المشاريع المشتركة وزيادة التكامل الاقتصادي بين البلدين.



