مقالات

حرب البنية التحتية: ماذا لو استهدفت إيران كابلات الإنترنت في الخليج؟

تقدير موقف-أحمد محمد باحث في الشأن الإيراني

في عصر يعتمد فيه كل شيء تقريبًا على الاتصال الرقمي، تتحول كابلات الألياف الضوئية البحرية إلى شرايين حياة للاقتصاد والمجتمع والأمن. يتساءل كثيرون: ماذا لو استهدفت إيران كابلات الإنترنت في قاع الخليج العربي في سياق توتر جيوسياسي حاد؟ ولكن قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن نتعرف على بعد الإحداثيات المهمة في هذا النطاق:

-تعبر كابلات الإنترنت البحرية (FALCON، GBI، TGN-Gulf) قاع مضيق هرمز.

-وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، يبلغ عرض المضيق 21 ميلًا بحريًا، ويبلغ نطاق المياه الإقليمية لكل من إيران وعمان 12 ميلًا بحريًا؛ وبالتالي تعتبر جميع مياه المضيق “بحرًا إقليميًا” لإيران.

-تحمل هذه الكابلات يوميًا أكثر من 10 تريليونات دولار من المعاملات المالية العالمية. ويؤدي تعطيلها إلى خسائر يومية تتراوح بين 100 و 500 مليون دولار لاقتصاد المنطقة والعالم.

-الاعتقاد السائد هو أن ستارلينك، بأكثر من 9400 قمر صناعي في المدار الأرضي المنخفض، مكتفية ذاتيًا تمامًا عن البنية التحتية الأرضية. لكن كشف تحليلًا لوسائل الإعلام المتخصصة في الأمن الداخلي الأمريكي (HSToday) أن إغلاق مضيق هرمز منذ أبريل 2026 قد شل سلسلة توريد المعدات الحيوية لهذه الشبكة. فقد تعطلت عملية توريد الهيليوم وغازات التبريد وأشباه الموصلات الخاصة، والتي تمر جميعها عبر هذا المضيق.

-تتكون كل محطة أرضية لستارلينك (Gateway) من هوائيات بقطر 1.4 متر ومعدات تزن عدة أطنان، ولا تصل إلى الشرق الأوسط وأفريقيا إلا عن طريق البحر وعبر مضيق هرمز. ومع إغلاق المضيق، لا تصل معدات جديدة ولا قطع غيار. والأدهى من ذلك، إذا تم قطع الكابلات البحرية (التي تحمل 97% من الإنترنت في العالم)، فسوف يتحقق سيناريو “لا توجد كابلات ولا أقمار صناعية”.

-تستخدم ستارلينك أيضًا روابط ليزرية بين الأقمار الصناعية، ولكن في الأزمة الأخيرة، لم تكن قدرتها كافية لنقل حجم البيانات الهائل، ووصل التأخير إلى 300 مللي ثانية.

-تجني مصر سنويًا ما بين 250 و 400 مليون دولار فقط من عبور الكابلات البحرية.

على حد ما أشارت وكالة تسنيم في تقريرٍ لها؛ هناك ثلاث خطوات عملية لإيران لتحقيق الدخل من كابلات الإنترنت في مضيق هرمز على النحو التالي:

1- الحصول على ترخيص سنوي من إيران لعبور الكابلات (على غرار النموذج المصري والسنغافوري).

2- إلزام الشركات الدولية (جوجل، مايكروسوفت، ميتا، أمازون) بالامتثال لقوانين الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

3- احتكار صيانة وإصلاح الكابلات من قبل الشركات الإيرانية (على غرار النموذج الروسي).

لماذا الكابلات البحرية حساسة؟

-تحمل أكثر من 95% من حركة البيانات الدولية بين الدول.

-بنيتها موزعة لكنها متركزة عبر نقاط اختناق ومسارات محدودة.

-تعقيد إصلاحها مرتفع، إذ يتطلب سفنًا متخصصة ونوافذ طقس مناسبة وتصاريح ملاحية.

سلم التأثير بحسب عدد الكابلات المتضررة

تُظهر السيناريوهات التالية كيف يمكن لعدد محدود من الانقطاعات إحداث موجات صدمة عابرة للحدود.

قطع كابل واحد:

-تباطؤ ملحوظ للإنترنت على مستوى المنطقة.

-تحويل تلقائي للمسارات عبر كابلات بديلة، مع ازدياد الكمون وفقدان سعة.

قطع ثلاثة كابلات:

-انقطاعات متقطعة وخسارة اتصال نسبي في دول الخليج.

-ازدحام حاد في نقاط العبور الإقليمية ومخاطر تدهور خدمات الاتصالات الصوتية والمرئية.

قطع خمس كابلات:

-اضطراب شامل في الخدمات المصرفية عبر الإنترنت والحوسبة السحابية والمعاملات المالية والتجارة الإلكترونية.

-تأثير واسع على سلاسل الإمداد الرقمية، وخدمات التتبع، وأنظمة حجوزات السفر والشحن.

قطع سبعة كابلات:

-تأثير فوري على وضع الخليج كمركز للتجارة الرقمية.

-نزوح لحركة البيانات إلى مسارات بديلة بعيدة عبر البحر الأحمر أو آسيا الوسطى، مع تكاليف ووقت أكبر.

قيمة المخاطر الاقتصادية والزمن اللازم للإصلاح

-تُقدَّر قيمة الاقتصاد الرقمي في الخليج بأكثر من $1.8 تريليون سنويًا.

-قد يستغرق إصلاح كل كابل مقطوع أسابيع، رهنًا بحالة البحر وتوفّر سفن الإصلاح وإصدار الأذونات.

في حال تصعيد عسكري، قد تُغلق المنطقة أمام سفن الإصلاح، ما يمدِّد الانقطاعات ويعمِّق الخسائر.

التداعيات الأمنية والجيوسياسية

-ارتفاع مخاطر الهجمات السيبرانية المتزامنة لاستغلال فترات الانقطاع.

-تصعيد دبلوماسي وإجراءات مضادة، بما في ذلك عقوبات وتحركات بحرية لحماية المسارات.

احتمالات استهداف متبادل للبنى التحتية الحساسة خارج المنطقة، مما يوسّع نطاق الصراع.

خطط التخفيف والاستجابة

-التنويع الجغرافي للمسارات: تعزيز الربط عبر البحر الأحمر، والممرات البرية نحو العراق والأردن وتركيا حيثما أمكن قانونيًا.

-زيادة السعة الاحتياطية واتفاقيات العبور بين المشغلين لتفعيل التحويل التلقائي.

-الاستثمار في محطات إنزال مزدوجة ومراكز تبادل إنترنت (IXPs) محلية لتقليل الاعتماد على المسارات الدولية.

-اعتماد التخزين والتجهيز الطرفي (edge) وتقنيات التخزين المؤقت لخفض الاعتماد على المسافات البعيدة.

-تدريبات مشتركة مع شركات الكابلات وسلطات الموانئ على بروتوكولات إصلاح سريعة.

-إنشاء أطر أمنية وقانونية لحماية الكابلات، بما يشمل مناطق استبعاد بحرية ومراقبة مستمرة بالطائرات المُسيّرة والسونار.

سيناريوهات العمليات خلال الانقطاع

الخدمات المالية:

-تفعيل قنوات SWIFT بديلة عبر مسارات قارية، وتحديد أولويات التراسل للمدفوعات عالية الأهمية.

الحوسبة السحابية:

-نقل أحمال العمل إلى مناطق أقرب جغرافيًا، واستخدام نسخ بيانات محلية القراءة.

الخدمات الحيوية:

-قنوات اتصالات احتياطية (أقمار صناعية، موجات ميكروية)، ونُظُم هوية وطنية تعمل دون اتصال.

الشركات والمستهلكون:

-سياسات استخدام منصف لإدارة السعة، وتعطيل مؤقت للفيديو عالي الدقة، وتفضيل النص والبيانات المختصرة.

خلاصة تنفيذية

تعتمد المنطقة على شبكة كابلات حساسة تُعد هدفًا مغريًا في النزاعات. وكلما زاد عدد الكابلات المتضررة، قفز التأثير من تباطؤ مزعج إلى صدمة اقتصادية وأمنية شاملة. الاستعداد المسبق عبر تنويع المسارات، وبناء سعة احتياطية، ووضع بروتوكولات إصلاح محمية قانونيًا وأمنيًا، هو الفارق بين اضطراب عابر وانهيار مؤقت واسع النطاق.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى