الهروب إلى طهران.. كيف تحولت مونيكا ويت من ضابطة استخبارات أمريكية إلى واحدة من أخطر الجواسيس لصالح إيران؟

أعاد Federal Bureau of Investigation (FBI) فتح ملف الضابطة الأمريكية السابقة مونيكا ويت، في خطوة تعكس استمرار اهتمام واشنطن بإحدى أخطر قضايا التجسس في تاريخها الحديث. وأعلن المكتب عن مكافأة تصل إلى 200 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى القبض عليها أو تقديمها للمحاكمة، بعدما ظلت فارّة منذ أكثر من عقد داخل إيران.
من هي مونيكا ويت؟
ولدت مونيكا ويت عام 1979 في مدينة El Paso بولاية Texas، وهو العام نفسه الذي شهد قيام الثورة الإسلامية في إيران. وبعد حياة شخصية مضطربة، التحقت بالقوات الجوية الأمريكية وهي في الثامنة عشرة من عمرها.
داخل المؤسسة العسكرية، برزت ويت كضابطة ذات قدرات استثنائية. أتقنت اللغة الفارسية، وحصلت على تصاريح أمنية شديدة السرية، ما أتاح لها الاطلاع على معلومات حساسة للغاية تتعلق بعمليات التجسس الأمريكية، وأسماء عملاء سريين، وتقنيات مراقبة الاتصالات.
كما شاركت في مهام استخباراتية في السعوديه والعراق خلال سنوات “الحرب على الإرهاب”، وحصلت على عدد من الأوسمة العسكرية تقديرًا لكفاءتها.
بداية التحول الفكري
رغم نجاحها المهني، تركت تجارب الحرب آثارًا نفسية وفكرية عميقة عليها. وخلال دراستها لاحقًا في George Washington University، تحدث زملاؤها عن تغير واضح في مواقفها، حيث أصبحت تنتقد السياسة الخارجية الأمريكية، وتبدي تعاطفًا متزايدًا مع الخطاب الإيراني.
كما اعتنقت الإسلام، وبدأت ترتدي الحجاب، وعبّرت أكثر من مرة عن رغبتها في توظيف خبرتها الاستخباراتية ضد ما وصفته بـ”الشر”، في إشارة إلى الولايات المتحدة.
مؤتمر في طهران غيّر مسار حياتها
في عام 2012، تلقت دعوة للمشاركة في مؤتمر “هوليوودية” الذي نظمته مؤسسة “نيو هورايزن” في Tehran. وتتهم واشنطن هذه المؤسسة بالارتباط بـ Islamic Revolutionary Guard Corps.
وخلال تلك الزيارة، التقت ويت بأشخاص يشتبه في انتمائهم إلى أجهزة الاستخبارات الإيرانية، وبدأت تناقش معهم فكرة مغادرة الولايات المتحدة بشكل نهائي.
وفي هذه المرحلة، لعبت الإعلامية الأمريكية الإيرانية الأصل Marzieh Hashemi دورًا محوريًا، إذ تقول السلطات الأمريكية إنها كانت الوسيط الذي قرّب ويت من المسؤولين الإيرانيين.
“أنا عائدة إلى الوطن”
بعد أشهر من المحاولات للحصول على تأشيرة، وصلت مونيكا ويت إلى إيران في أغسطس 2013. وقبل مغادرتها الولايات المتحدة، أرسلت رسالة إلى أحد المسؤولين الإيرانيين قالت فيها: “أنا أغادر… عائدة إلى الوطن”.
ومنذ تلك اللحظة اختفت عن الأنظار داخل الولايات المتحدة، بينما تشير التحقيقات إلى أن السلطات الإيرانية وفرت لها سكناً ومعدات تقنية، وبدأت العمل معها مباشرة.
ما الذي قدمته لإيران؟
وفقًا للاتهامات الأمريكية، نقلت ويت إلى إيران كنزًا استخباراتيًا بالغ الأهمية، شمل:
أسماء ضباط وعملاء أمريكيين يعملون سرًا في الخارج.
أساليب وتقنيات مراقبة الاتصالات.
معلومات حول برامج دفاعية واستخباراتية حساسة.
بيانات ساعدت إيران في تعقب زملائها السابقين.
وترى واشنطن أن هذه المعلومات ربما عرّضت حياة عدد من الأمريكيين وعائلاتهم للخطر.
توجيه الاتهام رسميًا
في عام 2019، أعلنت وزارة العدل الأمريكية توجيه تهم إلى مونيكا ويت، شملت:
التآمر للتجسس.
نقل معلومات دفاعية إلى حكومة أجنبية.
كشف هويات عناصر استخبارات أمريكيين.
لكنها كانت قد أصبحت بالفعل داخل إيران، وتعيش – بحسب تقديرات أمريكية – تحت حماية رسمية، مستخدمة أسماء مستعارة مثل “فاطمة الزهراء” و”نرجس ويت”.
قيمة استراتيجية لطهران
مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، عاد اسم مونيكا ويت إلى الواجهة. ويعتقد خبراء أمنيون أن معرفتها العميقة ببنية الاستخبارات الأمريكية وأساليب عملها منح إيران أفضلية في مجالات:
التجسس المضاد.
الأمن السيبراني.
تحليل أساليب جمع المعلومات الأمريكية.
استجواب وفهم سلوك العسكريين الأمريكيين.
ورغم أن بعض المسؤولين يرون أن قيمة المعلومات التي نقلتها قد تراجعت مع مرور الوقت، فإنها لا تزال تُعد واحدة من أخطر حالات الانشقاق الاستخباراتي في العقود الأخيرة.
سلاح استخباراتي في حرب الظل
قصة مونيكا ويت تمثل كابوسًا للأجهزة الأمنية الأمريكية؛ ضابطة مدربة ومطلعة على أسرار بالغة الحساسية، قررت الانشقاق واللجوء إلى خصم استراتيجي للولايات المتحدة.
ولهذا، لا تزال واشنطن تسعى إلى القبض عليها، معتبرة أن المعلومات التي قدمتها لطهران قد يكون لها أثر طويل الأمد في الصراع الخفي بين البلدين.



