تقارير

كيف نزعت استقالة جون كينت “اليقين الاستخباراتي” عن حرب إيران؟

كتبت:هدير الصاوي

في خضم التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط، تلقت إدارة الرئيس دونالد ترامب ضربة سياسية وأمنية من “نيران صديقة” هزت أركان البيت الأبيض؛ حيث أعلن جون كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب وأحد أكثر الوجوه إخلاصاً لمشروع “أمريكا أولاً”، استقالته من منصبه احتجاجاً على الحرب الجارية ضد إيران.

هذه الاستقالة لا تمثل مجرد مغادرة لمسؤول رفيع، بل تعد انشقاقاً جوهرياً في الدائرة الأمنية الضيقة المحسوبة على الرئيس، وتكشف عن تصدع عميق في الرواية الرسمية التي بُنيت عليها المواجهة العسكرية الحالية.

رجل “المهام الصعبة” يختار المواجهة

جون كينت ليس غريباً على معارك ترامب السياسية أو العسكرية؛ فالرجل الذي خدم 20 عاماً في صفوف النخبة بالجيش الأمريكي (الرينجرز والقوات الخاصة)، ونفذ 11 انتشاراً قتالياً، كان دائماً في صفوف الدفاع الأولى عن الرئيس، سواء في الجدل حول انتخابات 2020 أو أحداث السادس من يناير. كما أن مأساة مقتل زوجته “شانون كينت”، المتخصصة في الاستخبارات البحرية، بتفجير انتحاري في سوريا عام 2019، جعلت منه رمزاً حياً للتضحية في سبيل الأمن القومي الأمريكي.

إلا أن كينت قرر هذه المرة كسر حاجز الصمت، مصرحاً بأنه “لا يستطيع من منطلق الضمير” تأييد حرب يراها تفتقر إلى التبرير الأخلاقي والاستراتيجي. وفي رسالة شديدة اللهجة، وجه كينت انتقاداً مباشراً لترامب، مذكراً إياه بأن حروب الشرق الأوسط ليست سوى “فخ استنزف أرواح الأمريكيين وبدد ثروات البلاد”، وهي ذات السردية التي صعد بها ترامب إلى السلطة قبل سنوات.

الطعن في “التهديد الوشيك”

تكمن الخطورة الاستراتيجية لاستقالة كينت في موقعه الحساس؛ فبصفته مديراً للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، هو المسؤول الأول عن دمج وتقييم المعلومات الاستخباراتية ورفعها لصناع القرار. وعندما يخرج شاغل هذا المنصب ليقول إن “إيران لم تكن تمثل تهديداً وشيكاً”، فهو لا يطلق رأياً سياسياً عابراً، بل يوجه طعنة نافذة في “الأساس الاستخباراتي” الذي استخدمته الإدارة لتبرير القوة العسكرية قانونياً أمام الكونغرس والمجتمع الدولي.

ويرى مراقبون أن كينت بفعله هذا، نزع “الغطاء الاستخباري” عن الحرب، ملمحاً إلى أن القرار كان مدفوعاً بضغوط سياسية ولوبيات نفوذ، وعلى رأسها اللوبي الإسرائيلي، بدلاً من حقائق ميدانية تهدد العمق الأمريكي.

تصدع في هوية “ماجا” (MAGA)

تكشف هذه الاستقالة عن انقسام هوية تيار “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”؛ حيث يتواجه حالياً جناحان داخل المعسكر الترامبي:

الجناح الانكفائي: الذي يمثله كينت (ويلتقي مع شخصيات مثل تولسي غابارد)، وهو التيار الذي يرى أن التورط في حروب خارجية هو “خيانة” لمبادئ الحفاظ على أرواح وموارد الأميركيين.

الجناح الصقوري: الذي يدفع باتجاه الحسم العسكري المباشر، خاصة في الملف الإيراني، بدعم من اليمين التقليدي والمناصرين لإسرائيل.

مفارقة التسييس واليقين الأخلاقي

من المفارقات الحادة في هذه القضية أن كينت، الذي واجه اتهامات سابقة من الديمقراطيين بتسييس الاستخبارات لصالح ترمب، يخرج اليوم محتجاً على ما يراه “تسييساً دموياً” لملف إيران. ورغم أن استقالته قد لا توقف الآلة العسكرية الحرب في المدى القريب، إلا أنها خلقت “ثقباً” في جدار التماسك الاستخباراتي، وقد تشجع مسؤولين آخرين على “الاعتراض الصامت” أو التسريب.

وتبرز قيمة استقالة كينت، في كونها لا تكمن في سقوط السياسة، بل في أنها سلبت من إدارة ترامب “اليقين الأخلاقي” أمام الرأي العام، ومنحت خصوم الحرب في واشنطن “شاهداً ملكاً” من قلب المنظومة، مما يضع شرعية الحرب ضد طهران في مهب الريح السياسية والقانونية.

استقالة كينت.. كعقدة قانونية

وتعد تحولاً قانونياً خطيراً يتجاوز البعد السياسي. ففي القانون الدولي والأمريكي (بموجب المادة الثانية من الدستور)، يستمد الرئيس سلطة شن ضربات عسكرية استباقية دون رجوع للكونغرس من مبدأ “الدفاع عن النفس ضد تهديد وشيك”. وبما أن كينت هو المسؤول الأول عن “دمج وتقييم” هذه التهديدات، فإن إنكاره لوجود “خطر وشيك” يفرغ القرار العسكري من سنده القانوني.

أولاً: تقويض “قانون سلطات الحرب” (War Powers Resolution 1973)

يلزم هذا القانون الرئيس بتقديم تقرير للكونغرس خلال 48 ساعة من بدء العمليات العسكرية، موضحاً الظروف التي استدعت التدخل.

وتكشف تداعيات استقالة كينت، في استخدام خصوم الحرب في الكونغرس شهادة كينت للطعن في صحة التقرير الرئاسي. إذا أقر المسؤول الاستخباراتي الأول بأن “المعلومات لم تشر لتهديد وشيك”، فإن لجوء ترامب للقوة قد يُفسر قانونياً على أنه “تجاوز للدستور” واغتصاب لسلطة الكونغرس في إعلان الحرب.

ثانياً: مراجعة “تفويض استخدام القوة العسكرية” (AUMF)

تعتمد الإدارات الأمريكية غالباً على تفويضات قديمة (مثل تفويض 2001 أو 2002) لشرعنة العمليات ضد التنظيمات الإرهابية.

ويبرز الأثر القانوني في تصنيف كينت للحرب بأنها “غير مبررة” وتخدم مصالح أطراف خارجية (إسرائيل)، بأنه يسقط حجة “مكافحة الإرهاب” التي قد تتذرع بها الإدارة. هذا يفتح الباب أمام قضايا مرفوعة من أعضاء الكونغرس لتقييد التمويل العسكري (Power of the Purse) بناءً على انعدام الصلة بين الأهداف المعلنة والواقع الاستخباراتي.

ثالثاً: المسؤولية الجنائية الدولية والمعايير القانونية

يوجد مبدأ الضرورة والتناسب في القانون الدولي، حيث يشترط قانون “نحو الحرب” (Jus ad bellum) وجود ضرورة قصوى. شهادة مسؤول بحجم كينت توفر “دليلاً داخلياً” يمكن استخدامه أمام المحاكم الدولية أو الهيئات الرقابية لإثبات أن الحرب كانت “عدواناً” وليست دفاعاً شرعياً، مما يضع القادة العسكريين والسياسيين تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

رابعاً: الطعن في “نزاهة التقييمات”

بموجب قانون إصلاح الاستخبارات ومنع الإرهاب لعام 2004، يجب أن تكون التقييمات مستقلة وغير مسيسة.

فاستقالة كينت تفتح الطريق أمام المفتش العام لمجتمع الاستخبارات (ICIG) لفتح تحقيق حول ما إذا كانت إدارة ترمب قد مارست ضغوطاً لتزييف الحقائق أو “تطويع” المعلومات الاستخباراتية لتناسب قرار الحرب. أي نتيجة تثبت ذلك قد تؤدي إلى إجراءات عزل أو استدعاءات إجبارية للمسؤولين في البيت الأبيض.

تعد استقالة جون كينت “لغم قانوني” وضع في طريق الإدارة. لقد نزع كينت عن البيت الأبيض “حصانة اليقين الاستخباراتي”، مما يحول الحرب من “مهمة وطنية للدفاع عن النفس” إلى “مغامرة عسكرية مشكوك في دستوريتها”.

كما يُتوقع أن يشكل الكونغرس لجنة تحقيق مشتركة لاستجواب كينت تحت القسم، وهو ما قد يؤدي إلى استصدار قرار ملزم لوقف العمليات العسكرية أو تقييد صلاحيات الرئيس في التصرف بالأموال المخصصة للعمليات في إيران.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى