تقارير

بين طموحات بكين وخبرات طهران.. هل تتحول منظمة “شنغهاي” إلى حلف عسكري موازٍ؟

كتبت: هدير البحيري

في وقت تتصاعد فيه حدة الاستقطاب الدولي، لم تعد اجتماعات “منظمة شنغهاي للتعاون” مجرد منصة للتنسيق الدبلوماسي، بل تحولت إلى ساحة لرسم ملامح نظام أمني جديد يسعى لكسر الهيمنة الغربية.

فمن قلب قيرغيزستان، أرسل وزير الدفاع الصيني، دونغ جون، رسالة بالغة الدلالة؛ مفادها أن بكين لا تكتفي بموقعها الاقتصادي، بل تدفع بقوة نحو “تعميق التعاون الدفاعي” لبناء كتلة أكثر حيوية وقدرة على “الدفاع عن الإنصاف الدولي”، وهو مصطلح تتبناه بكين غالبًا لمواجهة النفوذ الأمريكي وحلف شمال الأطلسي (الناتو).

هذا الاندفاع الصيني يجد له صدىً عمليًا في أروقة المنظمة؛ حيث كشفت النقاشات عن تحول تدريجي من الخطابات البروتوكولية إلى “التعاون العملي” الميداني.

ولم يكن حديث الأمانة العامة عن “المخاطر السيبرانية” و”التدريبات المشتركة” مجرد إجراءات فنية، بل هو مؤشر على رغبة الأعضاء في بناء منظومة دفاعية استباقية قادرة على مواجهة حروب الجيل الخامس.

ويبدو أن لقاءات دونغ المكثفة مع حلفاء استراتيجيين مثل روسيا وإيران وبيلاروس، تهدف إلى خلق “نواة صلبة” داخل المنظمة، تضمن استقرار أوراسيا وفق رؤية شرقية خالصة، بعيدًا عن التدخلات الخارجية.

وفي قلب هذا الحراك الجيوسياسي، تبرز إيران كلاعب لا يكتفي بالعضوية، بل يسعى لتقديم “قيمة مضافة” عبر عرض مشاركة قدراتها التسليحية.

هذا العرض الذي قدمه نائب وزير الدفاع الإيراني، رضا طلائي، يكتسب ثقلًا استثنائيًا كونه يأتي عقب اختبار ميداني حقيقي لترسانة طهران من الصواريخ والمسيرات في مواجهاتها الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ومن خلال هذا العرض، تحاول طهران تحويل عزلتها الدولية إلى فرصة لبناء تحالفات تقنية مع قوى نووية مثل الصين وروسيا، مما يمنح المنظمة زخمًا عسكريًا قد يغير قواعد اللعبة في الإقليم.

ومع تحول المنظمة إلى تكتل يضم عشر دول تمثل ثقلًا ديموغرافيًا وعسكريًا لا يمكن تجاوزه، يبرز التساؤل حول مدى قدرة هذه القوى المتباينة على صهر مصالحها في تحالف دفاعي موحد قادر على مواجهة الأزمات العالمية المتلاحقة. وبينما تراهن بكين على “التنمية” كبديل للصراعات، يرى مراقبون أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه التفاهمات الورقية إلى قوة ردع ميدانية على أرض الواقع.

هل تنجح بكين في رسم ملامح “شرق أوسط” جديد؟

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي ونائب مدير مركز تفكير للشؤون السياسية، د. هاني الجمل، لـ”داي نيوز “ إن توقيت تحرك الصين لتعميق التعاون الدفاعي داخل منظمة شنغهاي للتعاون ليس عشوائيًا، بل يأتي في إطار حسابات دقيقة، في ظل ما وصفه بـ”التغولات الأمريكية” تجاه إيران، ومحاولات التمدد إلى ما وراء بلاد ما بين النهرين.

وأوضح أن بكين، إلى جانب موسكو، تستشعر خطرًا متصاعدًا، معتبرًا أن كسر إرادة إيران يمثل في جوهره استهدافًا لإرادة المنظمة ككل، باعتبار طهران أحد أبرز أعضائها.

وأضاف أن الضغوط لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى أبعاد سياسية واقتصادية تطال الصين، خاصة في ظل التداخل بين مبادرة “الحزام والطريق” والمشروعات الأمريكية الممتدة عبر الهند مرورًا بالإمارات وتركيا وصولًا إلى أوروبا والولايات المتحدة.

واعتبر أن هذه التحركات الأمريكية تدفع الصين إلى تبني خطوات استباقية لاحتواء ما تراه “خطرًا داهمًا”.

وأشار الجمل إلى أن هذا النهج الصيني لا يندرج ضمن سياسات قصيرة المدى، بل يعكس استراتيجية طويلة الأمد، تتعامل من خلالها بكين مع دول المنظمة باعتبارها الفاعل المؤسس والمحوري فيها.

ولفت إلى أن الصين دشنت مؤخرًا خطتها الاستراتيجية الخامسة عشرة، التي تركز على تعزيز نفوذها في دول الجوار والمناطق الإقليمية والدولية، بما يضمن تحقيق أهدافها الاستراتيجية، عبر تحرك جغرافي يهدف إلى امتلاك أدوات التأثير وتعزيز حضورها في هذا السياق.

وفيما يتعلق بالتوترات بين الهند والصين، رأى الجمل أن هذا السجال مرشح للاستمرار، في ظل تقاطع المصالح الجغرافية والاستراتيجية بين الطرفين، رغم انخراطهما في تكتلات كبرى مثل “البريكس”.

وأوضح أن كل طرف يضع مصالحه الوطنية في المقام الأول، ما يؤدي إلى احتكاكات متكررة، قد تسهم أطراف خارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في تغذيتها.

ومع ذلك، أشار إلى أن الهند لم تذهب بعد إلى حد التصعيد الكامل ضد الصين، إلا أن استمرار هذه التوترات قد ينعكس سلبًا على المصالح الاقتصادية المشتركة، وربما يدفع الصراع إلى مناطق أكثر حساسية لم تكن ضمن أولويات الطرفين سابقًا.

أما بشأن طبيعة التقارب بين الصين وروسيا وإيران، فاعتبر الجمل أنه تقارب فرضته الظروف الراهنة، وينطلق من قاعدة “عدو عدوي صديقي”، حيث ترى هذه الدول في الهيمنة الأمريكية تهديدًا مشتركًا. لكنه شدد في الوقت ذاته على أن هذا التقارب لا يعني وجود تحالف استراتيجي متماسك بالكامل، إذ تحكمه في جانب منه مصالح مرحلية.

وأوضح أن إيران تمثل بالنسبة للصين مصدرًا مهمًا للطاقة وممرًا حيويًا للتجارة، كما تشكل بالنسبة لروسيا شريكًا مهمًا في مواجهة العقوبات، خاصة مع نقل طهران خبراتها في الالتفاف على القيود الاقتصادية. كما أشار إلى دور القدرات العسكرية الإيرانية، لا سيما الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، في إحداث تحول نوعي في الحرب الروسية الأوكرانية.

ومع ذلك، لفت الجمل إلى أن الصين وروسيا، رغم حرصهما على عدم سقوط النظام الإيراني، لا ترغبان في صعود إيران كقطب دولي رابع قد ينافس نفوذهما، ما يعكس حدود هذا التقارب وطبيعته المركبة.

وفي ما يخص انعكاسات هذا التقارب على توازنات القوى، أكد الجمل أن التعاون الأمني يشكل حجر الزاوية في العلاقات بين هذه الدول، خاصة في ظل ما اعتبره سعيًا أمريكيًا للسيطرة على موارد الطاقة والاقتصاد في مناطق مختلفة، من بينها الخليج وأمريكا اللاتينية. ورأى أن هذا التعاون يهدف إلى الحد من تلك التحركات وتعزيز التوازنات الدولية.

واختتم الجمل بالإشارة إلى أن المنطقة مقبلة على إعادة رسم جغرافيتها السياسية، ليس فقط من خلال تغير حدود الدول أو نشوء تكتلات جديدة، بل عبر تشكل توازنات إقليمية جديدة سترسم ملامح “الشرق الأوسط الجديد”. وأضاف أن هذه التحولات ستؤثر بدورها على أدوار القوى الدولية، مع احتمال تراجع النفوذ الأوروبي، رغم محاولات أوروبا إعادة تموضعها بعيدًا عن الولايات المتحدة، عبر البحث عن شراكات بديلة في الشرق الأوسط أو مع الصين، في ظل استمرار التوتر مع روسيا على خلفية الحرب في أوكرانيا.

ما الذي تقدمه طهران؟

بعيدًا عن الأبعاد السياسية، يرى محللون أن القيمة المضافة لإيران داخل المنظمة تكمن في نموذجها القتالي “غير المتماثل”؛ وهو أسلوب منخفض التكلفة يعتمد على المرونة العالية وتجاوز التفوق التكنولوجي للخصوم.

وتبرز الطائرات المسيرة وتكتيكات “التشبع النيراني” بالصواريخ كأبرز ما يمكن لطهران نقله عبر برامج التدريب والمناورات المشتركة، بالإضافة إلى خبرتها في إدارة العمليات غير النظامية والحرب الإلكترونية.

في المقابل، لا يأتي هذا العرض العسكري الإيراني بلا ثمن؛ إذ تسعى طهران لمقايضة هذه الخبرات الميدانية بدعم سياسي واقتصادي من القوى الكبرى كالصين وروسيا، مما يحول “الأمن” إلى أداة نفوذ لكسر طوق العزلة الدولية وإعادة تموضع طهران كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه.

السيادة الرقمية.. جبهة الصراع القادمة

وفي موازاة البعد العسكري، يبرز ملف الأمن السيبراني كحجر زاوية في استراتيجية المنظمة لبناء “سيادة رقمية” موازية للمنظومة الغربية. فبينما يرتكز نموذج الناتو على مشاركة البيانات، تسعى دول “شنغهاي” لخلق مظلة تضمن سيطرة الحكومات الكاملة على تدفق المعلومات وحماية بنيتها التحتية من الاختراقات الخارجية.

ومع ذلك، يصطدم هذا الطموح بـ”فجوة الثقة” بين الأعضاء؛ إذ يتطلب الدفاع السيبراني الجماعي تبادل بيانات حساسة وأكواد برمجية، وهو ما قد يبقي هذا التعاون، في مرحلته الراهنة، إطارًا تنظيميًا دون أن يرتقي إلى “درع رقمي” موحد يمتلك أدوات ردع تقنية فعالة على أرض الواقع.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى