تقارير

ديموغرافيا الحرب: ماذا وراء استقدام مئات الهنود إلى إسرائيل في هذا التوقيت؟

كتبت: هدير الصاوي

هبطت طائرة قادمة من الهند في مطار بن غوريون تحمل على متنها حوالي 240 فرداً من طائفة بني مناشيه. وقد كان في استقبالهم وزير الاستيعاب أوفير سوفر، ووصف الحدث بأنه لحظة تاريخية وبداية لعملية “أجنحة الفجر”. فوصول هؤلاء لا يعد مجرد رحلة هجرة عادية، بل هو حلقة جديدة في مشروع استيطاني ديموغرافي طويل الأمد

تتوطن هذه الدفعة ضمن خطة حكومية إسرائيلية معتمدة في نوفمبر 2025 لإحضار نحو 1200 شخص هذا العام، واستكمال نقل ما يقارب 6000 من بقية أفراد الطائفة بحلول 2030. وسط مساع لمعالجة تحديات ديموغرافية داخل إسرائيل.

الهوية والأسطورة: من هم “بني مناشيه”؟

يعتقد أفراد بني مناشيه، الذين يعيشون أساساً في ولايتي مانيبور وميزورام شمال شرق الهند، أنهم ينحدرون من سبط منسى (Manasseh)، أحد أبناء النبي يوسف في الرواية التوراتية، وأحد “الأسباط العشرة المفقودة” التي نفاها الآشوريون عام 722 قبل الميلاد. واستناداً إلى روايات دينية وتاريخية غير مثبتة علمياً، يعتقد أفراد الطائفة أن أجدادهم نُفوا من أرض إسرائيل قبل أكثر من 27 قرناً، واستقروا في جنوب شرق آسيا.

فقد بدأت الحركة الدينية في الخمسينيات، عندما اعترفت الهند بدولة إسرائيل عام 1950. عندها تبنى بعض أفراد القبائل المحلية من مجموعات كوكي-ميزو-تشين رواية أنهم يهود أصليون، وتحولوا تدريجياً إلى اليهودية.

اعترفت بهم المؤسسة الدينية الإسرائيلية جزئياً منذ 2005، ويخضعون لعملية تحويل رسمية عند الوصول للحصول على الجنسية بموجب قانون العودة. فماذا تحمل لهم عملية التوطين الإسرائيلية؟

توقيت الحرب: لماذا الآن؟

يُقدر عدد أفراد الطائفة بنحو 10 آلاف شخص، هاجر منهم حوالي 4000-5000 إلى إسرائيل على مدار العقود الماضية. القرار الحكومي الجديد يهدف إلى “لم شمل العائلات” وتعزيز التواجد اليهودي في مناطق محددة، خاصة شمال إسرائيل في منطقة الجليل، الذي تضرر من سنوات التوتر الأمني وإطلاق الصواريخ. والتي تعد كوضع كبش فداء في خطوط التماس مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية، بعيداً عن الإسرائيليين.

رسمياً، تؤكد وزارة الاستيعاب والوكالة اليهودية أن الهدف إنساني وديني، وهو إعادة يهود إلى أرضهم التاريخية. لكن التوقيت يظل علامة الاستفهام الكبرى. فوسط حرب تتسع رقعتها منذ أكتوبر 2023، ونقص في القوى العاملة في قطاعات البناء والزراعة والخدمات، وجهود إعادة بناء الشمال تُثار تساؤلات عدة حول الأبعاد الديموغرافية والاقتصادية للخطوة.

في المقابل لا يمكن فصل توقيت هذه الدفعة الجديدة عن السياق الإسرائيلي الداخلي، يرى محللون في هذه الخطوة، محاولة لتعويض غياب العمال الفلسطينيين السابقين واستبعادهم التعسفي عقب أحداث 7 أكتوبر 2023. وكذلك تعزيز الكثافة السكانية اليهودية في مناطق حساسة.

أما عن التحديات الإنسانية للاندماج يعيش معظم أفراد بني مناشيه الذين وصلوا سابقاً حياة متواضعة. حيث تشير تقارير إسرائيلية ودولية إلى معدلات فقر وبطالة أعلى نسبياً مقارنة بمهاجرين آخرين، وصعوبات في الاعتراف بالشهادات التعليمية، وضعف في إتقان اللغة العبرية.

فكثيرون يعملون في وظائف يدوية أو خدماتية بأجور منخفضة. هناك أيضاً شكاوى من تمييز اجتماعي وعنصري، مرتبط بلون البشرة واللهجة والخلفية الثقافية الآسيوية، مما يجعلهم أحياناً يشعرون بأنهم يهود من الدرجة الثانية في نظر بعض المجموعات الأشكنازية أو المتدينة التي تشكك أحياناً في أصالة تحولهم. في المقابل، يُشاد بمعدلات خدمتهم العالية في الجيش الإسرائيلي بالنسبة لكونهم وافدين جدد. وربما يكون هذا هو بيت القصيد من استيراد يهود من الخارج لسد فجوة عسكرية. لكن تحت لواء ديني وتنشئة منذ الصغر.

يعد الانتقال لهذه الفئة قفزة كبيرة. من قرى ريفية هادئة نسبياً في غابات وجبال الهند إلى واقع أمني متوتر، مع صفارات الإنذار ومراكز استيعاب في مدن مثل نوف هجليل شمالاً. كثيرون باعوا ممتلكاتهم في الهند، وقطعوا علاقات اجتماعية، ويجدون أنفسهم أمام تحديات اللغة والثقافة والسوق العمل.

الهند: بين الموافقة الصامتة والمخاوف الداخلية

وعلى هذا فإن الحكومة الهندية تتبنى موقفاً محايداً رسمياً. كل مواطن حر في الهجرة وفق قوانين الدولة المستقبلة، طالما لا مخالفات قانونية. ومع ذلك، لا تبدو نيودلهي متحمسة كثيراً لخسارة سكان من منطقة شمال شرق الهند، التي تعاني أصلاً من توترات عرقية وانفصالية.

وهنا يأتي ترتيب الأولويات السياسية بين الطرفين، فالشراكة الاستراتيجية القوية بين الهند وإسرائيل وصلت لمستويات قياسية في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والزراعة تبقى الأولوية، ولا تتأثر مباشرة بهذه الهجرة الصغيرة نسبياً.

حلم العودة وواقع الحرب

يظل وصول هؤلاء الـ240 حلقة في سلسلة أوسع من سياسة الهجرة الإسرائيلية، التي تجمع بين البعد الديني-القومي متبنية سياسة لم الشمل والعودة إلى الجذور، وكذلك الاحتياجات العملية في زمن الصراع والنقص الديموغرافي.

بالنسبة للوافدين الجدد، تبدأ رحلة طويلة من صعوبات الاندماج خاصة على الرعيل الأول للمهاجرين ومن هذه التحديات تعلم اللغة، البحث عن عمل، تربية الأطفال في بيئة مختلفة جذرياً، وربما مواجهة صعوبات الاندماج. سينجح بعضهم في بناء حياة مستقرة، بينما قد يواجه آخرون إحباطاً من فجوة بين الحلم بأرض تفيض لبناً وعسلاً، نسجوا حولها أحلامهم كخيوط العنكبوت. وبين واقع يومي مرير تتناثر فيه الأشلاء ويتعالى هدير الصواريخ والانفجارات

يعكس هذا الملف جانباً عميقاً من قصة إسرائيل المعاصرة. كيف ترقع إسرائيل سترتها بحملات الهجرة العكسية. وكيف تتعامل دولة تبني هويتها على “العودة” مع وافدين جدد من ثقافات بعيدة، وكيف تُدار التحولات الديموغرافية في سياق أمني وسياسي معقد. السنوات القادمة ستفشي حقيقة “أجنحة الفجر” في استيراد مواطنيها من دول أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى