11 مليار دولار في مهب الريح.. كيف هزّت شبكة النفط السرية أركان إيران؟

كشفت تحقيقات استقصائية، استنادًا إلى مصادر مطلعة على ملف النفط الإيراني، عن شبكة واسعة مرتبطة بوزارة الاستخبارات الإيرانية، يُعتقد أنها تورطت في بيع النفط الإيراني عبر وسطاء موثوقين يعرفون محليًا باسم «الأمناء»، مع عدم إعادة نحو 11 مليار دولار من عائدات المبيعات إلى الدولة.
وتشير المعلومات إلى أن الشبكة، التي تُعرف باسم «شبكة شايان»، تضم تسعة أشخاص تربط بعضهم صلات مباشرة بعائلات مسؤولين أمنيين وسياسيين بارزين، من بينهم نجل محسن رضائي، وأبناء وأصهار وزراء استخبارات سابقين، إلى جانب شخصيات مرتبطة بالحرس الثوري والتيارات السياسية المتشددة.
كيف تعمل شبكة بيع النفط؟
سمحت آليات الموازنة الإيرانية، منذ عهد الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، لجهات حكومية وصناديق تقاعد عسكرية وحكومية، بالتنسيق مع وزارة النفط، بتلقي الخام الإيراني ومكثفات الغاز وبيعها في الأسواق الخارجية بهدف تجاوز العقوبات، على أن تعاد الإيرادات إلى الدولة.
وتولت شركات وأفراد مهمة بيع النفط وتحويل الأموال، وأطلق عليهم اسم «الأمناء». ومع استمرار إدارة الرئيس مسعود بيزشكيان، ظلت آليات مماثلة مستخدمة في تجارة النفط.
وبحسب المصادر، ظهرت عدة شبكات نفوذ حول هذا النظام، من بينها شبكة تعمل داخل وزارة الاستخبارات، وكان من أبرز منظميها مسؤول رفيع في الوزارة يُعرف باسم «شايان»، إلى جانب ميثم دارزينجاد رامي، المدير العام لصندوق تقاعد وزارة الاستخبارات.
وتقول المصادر إن شايان كان يشغل منصب المدير العام للوقود والطاقة في الوزارة، وسبق له العمل محققًا في ملفات نفطية كبيرة. أما دارزينجاد رامي فكان مسؤولًا عن توفير الغطاء القانوني لعمليات بيع النفط، بعدما سبق أن تولى منصبًا أمنيًا في مؤسسة «تنفيذ أمر الإمام الخميني» الاقتصادية التابعة لمكتب المرشد الإيراني.
وتشير المعلومات إلى أن شايان ودارزينجاد شكلا شبكة واسعة من الوسطاء، كان من بينهم الأشخاص التسعة الذين حددتهم المصادر.
حسين أغاياري.. الواجهة التي كُشف عنها
في 9 أغسطس، نقلت وكالة أنباء «إيلنا» عن عضو اللجنة الاقتصادية بالبرلمان الإيراني حسين سامسامي أن أحد أمناء النفط الذين لم يعيدوا الإيرادات هو حسين أغاياري.
وفي اليوم التالي، نشرت الوكالة تفاصيل إضافية عنه، مشيرة إلى أنه من مواليد 1982، وكان يعمل في طهران باستخدام جوازي سفر إيراني وأفغاني.
وبحسب الرواية المنشورة، اشترى أغاياري 40 ناقلة نفط إيرانية وتسلم نحو 90 مليون برميل، ثم باعها في السوق دون إعادة عائداتها إلى الدولة.
وتقول المصادر إنه يقيم في الإمارات منذ ما قبل اندلاع الحرب التي استمرت 40 يومًا، وإنه أقام قبل خمسة أشهر لعدة أيام في فندق ريتز بلندن مستخدمًا جواز سفر دومينيكي.
وترى المصادر أن الكشف عن اسم أغاياري وتفاصيل نشاطه كان جزءًا من عملية أمنية متعمدة لصرف الانتباه عن الشخصيات الرئيسية في شبكة أكبر.
محسن فلاحیان.. نجل وزير استخبارات سابق
من أبرز الأسماء التي حددتها المصادر محسن فلاحیان، نجل علي فلاحیان، وزير الاستخبارات الإيراني الأسبق في عهد الرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني.
وارتبط اسم والده لسنوات باتهامات تتعلق بدور في عمليات اغتيال معارضين إيرانيين في الخارج، ومن بينها قضية اغتيال شابور بختيار في باريس.
ويملك محسن فلاحیان شركة «سبهر صنعت نگین» في إيران، وقد تغيرت أنشطتها المعلنة في أكتوبر الماضي لتشمل قطاعي النفط والغاز.
وتقول المصادر إنه حصل على موافقة لإنشاء منشأة لتخزين النفط في ميناء الشهيد رجائي بمدينة بندر عباس، مستفيدًا من نفوذ والده، قبل أن ينضم إلى شبكة شايان.
ويُعتقد أنه يقيم في الإمارات ويتاجر بالنفط تحت اسم آخر هو «محسن أ.» باستخدام جواز سفر تركي. وفي إحدى العمليات، تقول المصادر إنه حوّل نحو 200 مليون درهم من عائدات النفط الإيراني إلى عملات مشفرة، ثم نقلها إلى دولة أوروبية.
علي رضائي.. نجل محسن رضائي
يظهر علي رضائي، نجل محسن رضائي، بين الأسماء التسعة المرتبطة بالشبكة، وفقًا للمصادر.
وكان علي رضائي متزوجًا من ابنة ليلى بروجردي، حفيدة روح الله الخميني، كما شغل لسنوات منصب نائب مسؤول الاتصالات في أمانة مجمع تشخيص مصلحة النظام، ما جعله قريبًا من والده.
وتقول المصادر إنه يقيم منذ فترة في فندق «العنوان مول» في دبي، ويعمل في تجارة النفط، وتتهمه بأنه أحد أمناء شبكة شايان الذين لم يعيدوا مئات الملايين من الدولارات من عائدات بيع النفط.
علي بيانديوريان.. وسيط بين عدة شبكات
علي بيانديوريان، البالغ 52 عامًا، من مواليد طهران ويقيم في منطقة سعادت آباد، لكنه يقضي جزءًا كبيرًا من العام في الإمارات.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عليه عقوبات في يناير 2020 بسبب علاقته بشركة «تريليانس بتروكيمايكال»، التي اتهمتها وزارة الخزانة الأمريكية بتسهيل مبيعات النفط والبتروكيماويات الإيرانية.
وتقول المصادر إنه يبيع النفط والمنتجات البتروكيماوية عبر شركات مسجلة في إيران وجنوب شرق آسيا، كما يدير معاملات مالية مرتبطة بتجارة النفط الخاضعة للعقوبات.
وتتهمه المصادر بتحويل مدفوعات إلى شايان عبر حساب في الإمارات يعود إلى إحدى قريبات زوجته، وتقول إنه كان قبل انضمامه إلى شبكة شايان وسيطًا موثوقًا لشبكة مرتبطة بالمجلس الأعلى للأمن القومي.
وبسبب عمله مع أكثر من شبكة، تقول المصادر إنه لم يكن يدفع حصة شايان كاملة أو في مواعيدها، ما دفع الأخير إلى إنشاء منافس له هو أحمد معروفخاني، رئيس مجلس إدارة اتحاد مصدري المنتجات النفطية.
إحسان سخائي.. صهر وزير استخبارات سابق
إحسان سخائي، البالغ 51 عامًا والحامل للجنسية السويسرية، هو صهر محمود علوي، وزير الاستخبارات الإيراني في عهد الرئيس حسن روحاني.
وتقول المصادر إنه يقيم في «فيجن تاور» بدبي، وإنه كان قد اتُهم قبل ست سنوات خلال محاكمة فساد مرتبطة ببنك ملت بالعمل كوسيط استخدم نفوذ والد زوجته للحصول على إعفاءات من ديون بمليارات التومانات لصالح كبار المدينين للبنك.
وبحسب المصادر، لم يعد سخائي مئات الملايين من الدولارات من عائدات بيع النفط الإيراني.
إحسان طاهيري.. نجل جنرال في الحرس الثوري
إحسان طاهيري، أحد كبار تجار العملات في إيران ومالك شركة «أرز إيران» للصرافة، هو نجل العميد في الحرس الثوري شمس علي طاهيري.
وتتهمه المصادر بعدم تسليم نحو 700 مليون دولار من عائدات النفط الإيراني في إحدى القضايا.
كما تصفه بأنه المشتبه الرئيسي في قضية احتيال بقيمة مليار درهم مرتبطة بنظام «نيما» الإيراني للعملات الأجنبية، وتقول إن وزارة الاستخبارات ساعدته في الإفراج عنه ومغادرة إيران.
وأضاف مصدران أن السلطات الإماراتية ألقت القبض عليه خلال الحرب، وأنه موجود حاليًا في السجن.
وكانت صور لسيارات فارهة قيل إنها تخصه أمام منزله في لواسان قد أثارت جدلًا واسعًا داخل إيران.
روح الله رضوي.. صهر متحدث باسم جبهة بايداري
يُعد روح الله رضوي من الأسماء الأخرى المرتبطة بالشبكة، وهو صهر مجيد متقي فر، المتحدث باسم جبهة بايداري المتشددة.
وتقول المصادر إن علاقته السياسية ساعدته على أن يصبح من الوسطاء الموثوقين لدى شايان، وإن مكتبه في منطقة كامرانيه بطهران تحول إلى مركز لإبرام صفقات نفطية غير معلنة.
وتتهمه المصادر بالاحتفاظ بأكثر من مليار دولار من عائدات بيع النفط، فضلًا عن تقديم معلومات عن منافسين له بهدف إخراجهم من السوق.
محمد هادي مؤمنين.. وسيط نفطي ومدين للبنوك
محمد هادي مؤمنين، المولود عام 1989، هو اسم آخر ضمن قائمة الأمناء.
وتقدر المصادر أنه يسيطر على نحو ملياري دولار من عائدات النفط الإيراني التي لم تُعد إلى الدولة، كما ظهر اسمه في مجالس إدارة أكثر من 40 شركة داخل إيران.
وفي العام الماضي، وبعد الكشف عن أسماء كبار المدينين للبنوك، ظهر أن مؤمنين مدين لبنك كارآفرين بنحو 743 مليار تومان.
وتقول المصادر إنه غادر الإمارات خلال الحرب متجهًا إلى سلطنة عمان، ثم انتقل إلى الصين، حيث يرفض، وفقًا لها، الاستجابة لمطالب دائنيه.
إحسان دستغيب.. نجل «ملك الرشوة»
آخر الأسماء التسعة هو إحسان دستغيب، نجل عبد الله دستغيب، الذي ينحدر من عائلة مرتبطة بأحد أئمة الجمعة السابقين في شيراز ويُعرف إعلاميًا بلقب «ملك الرشوة» في إيران.
ويقيم إحسان دستغيب في دبي ويعمل، وفقًا للمصادر، في بيع زيت الوقود لصالح شبكة شايان، مع اتهامه أيضًا بعدم إعادة مبالغ كبيرة من عائدات النفط إلى إيران.
11 مليار دولار تحت المجهر
تقول المصادر إن شبكة شايان وحدها مسؤولة عن عدم إعادة نحو 11 مليار دولار من عائدات بيع النفط الإيراني إلى الدولة.
وتشير إلى أن شايان أُقيل من منصبه قبل نحو عشرة أيام، وأنه وميثم دارزينجاد رامي يواجهان خطر الاعتقال.
كما تتوقع المصادر احتمال إقالة وزير النفط محسن باك نجاد، رغم محاولاته الاستعانة بعلاقاته السياسية للبقاء في منصبه.
وفي 24 يوليو، أعلن المدعي العام في طهران علي صالحي فتح 59 قضية ضد مديري شركات تعمل كأمناء لبيع النفط، وصلت 43 منها إلى مرحلة توجيه الاتهام.
وقال إن 22 متهمًا أودعوا السجن، بينما تلاحق الشرطة الدولية «الإنتربول» 15 شخصًا هاربًا بموجب نشرات حمراء.
ولم تكشف السلطات الإيرانية أسماء المطلوبين، لذلك لا يمكن التأكد من وجود أي من أعضاء شبكة شايان بينهم.
شبكة أكبر ومليارات إضافية
بحسب المصادر، فإن شبكة شايان ليست سوى واحدة من عدة شبكات تعمل في تجارة النفط الإيراني عبر الوسطاء.
وتقدر المصادر أن إجمالي الأموال التي فشل أمناء مختلف الشبكات في إعادتها إلى الدولة قد يصل إلى 110 مليارات دولار.
وتثير هذه القضية تساؤلات واسعة حول آليات إدارة عائدات النفط الإيراني، خصوصًا أن بعض المتهمين أو المرتبطين بالشبكات ينحدرون من عائلات مسؤولين كبار أو يتمتعون بعلاقات مع مؤسسات أمنية وسياسية واقتصادية نافذة.
العقوبات الأمريكية وآليات الالتفاف عليها
وفي سياق متصل، قالت كيري بيتسوف، المسؤولة السابقة في وزارة الخزانة الأمريكية والمتخصصة في مكافحة انتشار الأسلحة والمشتريات العسكرية، إن العقوبات وحدها لا تكفي لإسقاط النظام الإيراني، لكنها تستطيع رفع تكلفة أنشطته العسكرية والنووية وجعل الحصول على المعدات والتمويل أكثر صعوبة.
وترى بيتسوف أن نجاح العقوبات لا يقاس بعدد الأشخاص والشركات المدرجين على قوائم العقوبات، وإنما بمدى قدرتها على تغيير سلوك البنوك والمشترين وشركات الشحن والموردين والوسطاء الذين يتيحون لإيران مواصلة تجارتها.
وبحسب تقييمها، تعتمد إيران منذ سنوات على منظومة متطورة للالتفاف على العقوبات، تشمل الوسطاء والشركات الوهمية والقطاع المصرفي غير المباشر، فضلًا عن تغيير هويات السفن والتهريب النقدي والعملات المشفرة وعمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى.
وتجعل هذه الأساليب بيع النفط الإيراني أكثر تكلفة، إذ تضطر طهران في كثير من الحالات إلى التعامل مع عدد محدود من المشترين، وتحمل تكاليف إضافية للتأمين والشحن والوسطاء، فضلًا عن بيع النفط بخصومات كبيرة.
وتحتل الصين موقعًا محوريًا في هذه المنظومة، باعتبارها الوجهة الرئيسية للصادرات النفطية الإيرانية ومصدرًا مهمًا لبعض المكونات التي تستخدمها الصناعات العسكرية الإيرانية.
وبذلك تكشف قضية «شبكة شايان» عن جانب آخر من اقتصاد النفط الإيراني الخاضع للعقوبات، حيث لا تقتصر المخاطر على صعوبة تصدير الخام، وإنما تمتد إلى شبكات الوسطاء والجهات النافذة التي تتولى بيع النفط وتحويل عائداته، وسط اتهامات باختفاء عشرات المليارات من الدولارات.



