تقارير

هل تجني باكستان ثمار دورها الدبلوماسي في الوساطة بين إيران وأمريكا؟

على مدار الأسابيع التي تلت انطلاق الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، يوم 28 فبراير/شباط، تتصدر باكستان المشهد كشريك إقليمي موثوق، ووسيط دؤوب محايد، يحظى بثقة جميع الأطراف.

واستضافت إسلام آباد جولة أولى من المحادثات بين الجانبين الأمريكي والإيراني، باءت بالفشل. ولا يزال الغموض يكتنف إمكانية عقد جولة أخرى.

وقبل ساعات من انتهاء وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساء أمس الأول الثلاثاء تمديده بناء على طلب باكستان في انتظار مقترح موحد من الجمهورية الإسلامية.

وذكر ترامب أن قراره جاء بناء على طلب باكستان، مشيرا إلى “الحكومة الإيرانية منقسمة بشدة، وهو أمر غير مفاجئ”، على حد تعبيره.

وعن الوساطة الباكستانية بين واشنطن وطهران، تؤكد الدكتورة فرزانة شيخ- زميل مشارك، في برنامج آسيا والمحيط الهادئ، لدى المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)- أنه بالنسبة لدولة “لا تزال غارقة في نزاعات مع جيرانها، وكان ترامب ينظر إليها حتى وقت قريب باعتبارها عاملا يزعزع الاستقرار”، يعد بروز باكستان كصانع للسلام ” بمثابة عملية إعادة ابتكار مبهرة”.

وترى شيخ في تحليل نشره المعهد، إنه لا يجب التقليل من إنجازات إسلام آباد في ضمان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، والجمع بين الطرفين المتحاربين في أول تواصل مباشر رفيع المستوى بينهما منذ عام 1979.

ولكنها تشير في الوقت نفسه إلى الحملة العسكرية المستمرة لباكستان ضد أفغانستان، وعلاقات إسلام آبلاد المتوترة تاريخيا مع طهران، وغموض بنود اتفاق الدفاع المشترك- الذي لم يُصادق عليه بعد مع السعودية- و”كلها عوامل تُلقي بظلال من الشك على مصداقيتها كصانعة سلام ومضيف محايد”.

ويعود الصعود السريع لباكستان كوسيط إلى مزيج من الضرورة والقيود الهيكلية. كما أن العلاقات الشخصية القوية بين الرئيس ترامب وقائد الجيش الباكستاني، صاحب النفوذ القوي، المشير عاصم منير- الذي يمسك بزمام السياسة الخارجية لبلاده- تمثل عاملا أساسيا في هذا الشأن.

الطاقة والجغرافيا والديموجرافيا (السكان)

وتقول شيخ إن دوافع باكستان للعب دور الوسيط واضحة، فهي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، ويتم توفير أكثر من 85% من احتياجاتها النفطية، وتقريبا كامل احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال، من السعودية وقطر ودول الخليج المجاورة.

وبسبب الحرب، اضطرت الحكومة إلى فرض إجراءات تقشف واسعة، واعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام للموظفين الحكوميين، وإغلاق المدارس، لتوفير الطاقة. وتم تخفيف بعض هذه القيود لاحقا، ولكن وسط مخاوف مستمرة من أن يواجه الاقتصاد الباكستاني، شبه المفلس، الانهيار دون حزم إنقاذ دولية.

وفي يوم 17 أبريل/نيسان، تدخلت السعودية لتقديم دعم إضافي بقيمة 3 مليارات دولار لباكستان، كما مددت ترتيب إعادة جدولة تسهيل مالي بقيمة 5 مليارات دولار لثلاث سنوات إضافية.

وتفرض الجغرافيا المخاطر العالية بالنسبة لإسلام آباد في حل الصراع، إذ تشترك باكستان مع إيران في حدود تمتد لنحو 900 كيلومتر، وبذلك فهي قريبة من ميدان الصراع. وتعد هذه الحدود ممرا حيويا للتجارة والنقل وإمدادات الطاقة، وهي بالفعل عرضة لعدم الاستقرار.

وتُعد منطقة بلوشستان (المعروفة في إيران باسم سيستان-بلوشستان)، الممتدة على جانبي الحدود، مصدر قلق خاص، حيث شهدت موجات متكررة من العنف نفذتها جماعات مسلحة تنشط من قواعد على جانبي الحدود، بينما تعاني محافظة بلوشستان الباكستانية من تمرد انفصالي عنيف.

كما تضفي التركيبة الطائفية في باكستان دافعا آخر لدورها كوسيط، حيث يشكل المسلمون السنة الأغلبية، لكنها تضم أيضا ثاني أكبر عدد من الشيعة في العالم بعد إيران، بنسبة تتراوح بين 10% و25% من السكان.

واندلاع العنف الطائفي في باكستان أمر نادر نسبيا، ومحدود عادة، غير أن البلاد لديها تاريخ طويل من التوترات بين السنة والشيعة منذ ثمانينيات القرن الماضي.

علاقات ترامب ومنير

وتشير الدكتورة شيخ- إلى أن الحافز الأكبر لدور باكستان كوسيط موثوق بين واشنطن وطهران، ربما يكون العلاقة الشخصية الوثيقة بين الرئيس ترامب والمشير منير.

وكانت العلاقات الوثيقة بين الرؤساء الأمريكيين والقادة العسكريين في باكستان سمة ثابتة منذ خمسينيات القرن الماضي، ولكن هذا التقارب الأخير يأتي بعد إشادة باكستان المبالغ فيها بجهود ترامب في التوسط لوقف إطلاق النار بينها وبين الهند في مايو/أيار 2025، وقد رشحت إسلام آباد الرئيس الأمريكي، رسميا، لجائزة نوبل للسلام في الشهر التالي.

وتؤكد شيخ أنه رغم عدم وضوح مدى مسؤولية منير الشخصية عن هذا الترشيح، فإنه لا شك أنه حظي بمكافأة استثنائية من ترامب بوصفه مركز القوة الحقيقي في باكستان.

وتلقى منير دعوة إلى مأدبة غداء خاصة في البيت الأبيض في يونيو/حزيران، ثم عاد في سبتمبر/أيلول إلى المكتب البيضاوي رفقة رئيس الوزراء شهباز شريف لمناقشة خطط الاستثمار الأمريكي في قطاع المعادن الحيوية بباكستان.

وجاء ذلك بعد أسابيع فقط من حضور منير، في أغسطس/آب، حفل تقاعد الجنرال مايكل كوريلا، قائد القيادة المركزية الأمريكية، الذي سبق أن أشاد بباكستان كشريك “استثنائي” في مكافحة الإرهاب، وخص منير بالذكر لدوره في تسليم المشتبه الرئيسي في هجوم مطار كابول خلال الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في أغسطس/آب 2021.

وأثار اهتمام منير الواسع بتعزيز الشراكات بين باكستان والولايات المتحدة في مجالات العملات الرقمية والمعادن الحيوية ومكافحة الإرهاب – “الركائز الثلاث”- تكهنات حول حسابات باكستان الحالية والعوائد التي قد تتوقعها من دورها كصانع للسلام.

وفي عام 2023، وسع منير صلاحياته للإشراف على فرص التجارة والاستثمار الأجنبي في باكستان من خلال تشكيل مجلس تيسير الاستثمار الخاص، تحت رئاسة شريف، مع تخصيص مقعد لقائد الجيش.

ورغم أن الآمال الأولية في جذب استثمارات بقيمة 25 مليار دولار لم تتحقق، ثمة مؤشرات على أن باكستان قد تسعى إلى تحقيق أهدافها من خلال الاستفادة من علاقاتها الدافئة مع إدارة ترامب.

وفي سبتمبر/أيلول 2025، وقعت شركة “يو إس ستراتيجيك ميتالز” الأمريكية مذكرة تفاهم في إسلام آباد بقيمة 500 مليون دولار مع وحدة الهندسة التابعة للجيش الباكستاني (منظمة أعمال الحدود) وشركة اللوجستيات الوطنية، التابعة للجيش، لاستخراج المعادن الحيوية في البلاد.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، جرى توقيع مذكرة اتفاق في إسلام آباد، بإشراف منير، لتوضع ترتيبات بين باكستان وكيان تابع لشركة العملات الرقمية الأمريكية، “وورلد ليبرتي فاينانشال” .

وشركة “وورلد ل.يبرتي فاينانشال”، التي تأسست عام 2024، مدعومة من عائلة ترامب، ومن بين مؤسسيها زاك ويتكوف، نجل ستيف ويتكوف، الذي يُتوقع أن يكون أحد أبرز المفاوضين ضمن الفريق الأمريكي في أي جولة ثانية من المحادثات بين طهران وواشنطن في إسلام آباد.

كما أن إعلان باكستان في فبراير/شباط “حربا مفتوحة” ضد أفغانستان بسبب إيوائها عناصر من حركة طالبان الباكستانية، وتصعيدها العمليات في مارس/آذار – بما في ذلك تنفيذ هجوم مزعوم على قاعدة باجرام الجوية – أثار تكهنات بأن باكستان قد تسعى إلى مواءمة جهودها في مكافحة الإرهاب مع أولويات ترامب، الذي أبدى في سبتمبر/أيلول 2025 اهتمامه باستعادة القاعدة التي كانت مركزا للقوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أفغانستان لسنوات طويلة.

وتقول الدكتورة شيخ إن من المبكر للغاية تحديد ما إذا كانت جهود الوساطة الحالية لباكستان سوف تجلب فوائد ملموسة من أمريكا، ولكنها أضافت: “لكن التاريخ لا يقدم الكثير من الأسباب التي تدعو للتفاؤل”.

وفي عام 1971، لعبت باكستان دورا مهما كوسيط لتسهيل التقارب بين أمريكا (في عهد إدارة نيكسون) والصين. وكان هناك تصور عام بأن الولايات المتحدة ستساعد في منع تفكك باكستان مقابل هذا الدور. وكانت اكستان تأمل أن يؤدي نشر قوات البحرية الأمريكية في المنطقة في ديسمبر/كانون أول 1971، بناء على طلبها، إلى إحباط انفصال شرق باكستان وقيام دولة بنجلاديش المستقلة. ولكن ذلك لم يحدث، فقد كان الانتشار مجرد خطوة رمزية من جانب واشنطن.

وفي ختام التحليل تخلص الدكتورة فرزانة شيخ إلى أن “القيادة الحكيمة في إسلام آباد ينبغي ألا تعول كثيرا على أي وعود جديدة قد تصدر عن الإدارة الحالية في واشنطن”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى