إيران بين الثغرات الأمنية وغموض قاآني: هل أُعدم؟
مع تصاعد الضربات العسكرية في المنطقة، تبدو إيران وكأنها تواجه واحدة من أخطر الأزمات الأمنية في تاريخها الحديث. فالتطورات المتلاحقة لا تكشف فقط عن مواجهة عسكرية خارجية، بل تسلط الضوء أيضاً على ثغرات أمنية عميقة داخل بنية النظام نفسه. منذ الإعلان عن مقتل علي خامنئي في 28 فبراير، وما تبعه من إعلان تعيين ابنه مجتبى خامنئي خليفة له، تتزايد الشكوك حول استقرار النظام، خاصة مع تصاعد الشائعات المرتبطة بمصير إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس، والتي تحدثت بعض التقارير عن اعتقاله أو حتى إعدامه بتهمة تسريب معلومات لإسرائيل.
هذه التطورات التي تستند إلى تقارير وتحليلات غربية وعربية، تعكس ما يبدو أنه فشل استخباراتي مركب يجمع بين التنافس الداخلي داخل مؤسسات الدولة، والضعف التكنولوجي، والتسلل الخارجي. ومع استمرار انقطاع الإنترنت في إيران حتى اليوم 10 مارس، تتصاعد الأسئلة حول ما إذا كانت هذه الاختراقات تمثل بداية انهيار حقيقي للجمهورية الإسلامية، أم أنها قد تدفع النظام إلى إعادة ترتيب صفوفه بشكل أكثر تشدداً وتطرفاً.
بداية الأزمة: الضربة العسكرية الكبرى
بدأت الأزمة يوم 28 فبراير المايضي، عندما شنت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل عمليتين عسكريتين متزامنتين واستهدفتا مواقع عسكرية حساسة في إيران، شملت قيادات في الحرس الثوري ومنشآت مرتبطة بالبرنامج النووي.
وخلال ساعات قليلة من بدء الضربات، سجل مراقبو الشبكات انخفاضاً حاداً في الاتصالات الرقمية داخل إيران، حيث تراجعت حركة الإنترنت إلى ما بين 1% و4% فقط من مستوياتها الطبيعية. هذا الانقطاع لم يؤثر فقط على الحياة اليومية، بل أدى أيضاً إلى إرباك كبير في منظومة القيادة والسيطرة العسكرية، وأضعف قدرة طهران على تنسيق رد سريع.
وتشير تحليلات استخباراتية إلى أن الضربات لم تكن مجرد هجمات عسكرية تقليدية، بل جزء من عملية مركبة استهدفت البنية التحتية الحيوية للدولة، بما في ذلك شبكات الطاقة والنقل والاتصالات، بالتوازي مع هجمات إلكترونية واسعة. وقد أدى ذلك إلى تعطيل قدرات مجموعات القرصنة الإيرانية التي تعتمد عليها طهران في حروبها السيبرانية.
شكوك حول تسريبات داخلية
بحلول الأول من مارس، ومع تأكيد مقتل خامنئي، بدأت تظهر تساؤلات حول كيفية تمكن خصوم إيران من استهداف هذا العدد من القيادات الحساسة في وقت قصير. هنا برز اسم إسماعيل قاآني، الذي نجا من الضربات رغم وجوده في دائرة الاستهداف.
نجاته المتكررة، التي دفعت بعض المحللين إلى وصفه بـ”الرجل ذو التسع أرواح”، فتحت الباب أمام شائعات واسعة حول احتمال وجود تسريبات من داخل المنظومة الأمنية الإيرانية نفسها. وبعد أيام قليلة، بدأت تقارير غير مؤكدة تتحدث عن اعتقاله أو حتى إعدامه بتهمة التعاون مع إسرائيل، وهي روايات لم تؤكدها طهران رسمياً حتى الآن.
لماذا تتكرر الاختراقات الأمنية داخل إيران؟
تكشف هذه التطورات، عند النظر إليها في سياق أوسع، عن خلل أمني عميق داخل بنية المنظومة الأمنية الإيرانية، وهو خلل لا يرتبط بحادثة بعينها بقدر ما يعكس تراكمات طويلة من التنافس المؤسسي والقصور التقني والاستخباراتي. فداخل أجهزة الدولة الأمنية توجد منذ سنوات حالة من التنافس غير المعلن بين وزارة الاستخبارات الإيرانية والحرس الثوري، وهو تنافس كثيراً ما يؤثر على مستوى التنسيق وتبادل المعلومات بين المؤسستين. هذا الصراع المؤسسي لا يظهر عادة في العلن، لكنه ينعكس في بطء تدفق المعلومات أو احتفاظ كل جهاز بملفاته الحساسة بعيداً عن الآخر، وهو ما يخلق فجوات يمكن أن تستغلها أجهزة استخبارات معادية. ويرى بعض الخبراء أن هذا الانقسام المزمن داخل البنية الأمنية قد يكون أحد العوامل التي حدّت من قدرة طهران على استباق بعض الضربات الأخيرة أو توقع نطاقها وتأثيرها.
في الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذه الاختراقات عن التحديات المرتبطة بالبنية التكنولوجية والأمن السيبراني داخل إيران. فعلى الرغم من أن طهران نجحت خلال السنوات الماضية في بناء قدرات هجومية ملحوظة في مجال الحرب الإلكترونية، إلا أن جزءاً كبيراً من بنيتها الرقمية ما زال يعتمد على أنظمة وشبكات معرضة لثغرات أمنية معروفة. هذه الثغرات وفّرت فرصاً لمجموعات قرصنة مرتبطة بجهات خارجية لتنفيذ هجمات إلكترونية استهدفت مؤسسات حكومية وبنى تحتية حساسة، مثل شبكات الطاقة والاتصالات والخدمات. وتظهر تقارير أمنية متخصصة أن بعض هذه الهجمات لم تقتصر على تعطيل الخدمات فحسب، بل شملت أيضاً عمليات تسلل إلى قواعد بيانات ومسح معلومات رقمية، وهو ما يشير إلى أن المعركة لم تعد تقليدية بقدر ما أصبحت حرباً سيبرانية معقدة تتداخل فيها العمليات العسكرية مع الهجمات الرقمية.
إلى جانب ذلك، يظل الاختراق البشري أحد أخطر التحديات التي تواجه أي منظومة أمنية، وهو تحدٍ يبدو أن إيران عانت منه بشكل متكرر خلال السنوات الماضية. فقد تمكنت أجهزة استخبارات أجنبية، وعلى رأسها الموساد، من تنفيذ عمليات دقيقة داخل العمق الإيراني، مستفيدة من شبكات تجنيد بشرية داخل بعض المؤسسات الحساسة. وغالباً ما تستغل مثل هذه الأجهزة عوامل متعددة في عمليات التجنيد، من بينها الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية، أو الخلافات السياسية الداخلية، وهي عوامل قد تجعل بعض الأفراد عرضة للتعاون مع جهات خارجية. ويستشهد كثير من المحللين بسلسلة الاغتيالات التي استهدفت علماء مرتبطين بالبرنامج النووي الإيراني خلال الأعوام الماضية بوصفها دليلاً على عمق هذا الاختراق، إذ إن تنفيذ عمليات بهذا المستوى من الدقة يتطلب في العادة معلومات داخلية تفصيلية لا يمكن الحصول عليها بسهولة من الخارج.
كما تشير التحليلات الأمنية إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالاختراقات المباشرة، بل تمتد أيضاً إلى ما يصفه خبراء الاستخبارات بـ”القصور التحليلي”. ففي عدد من المحطات السابقة، ركزت الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية بدرجة كبيرة على مواجهة التهديدات العسكرية التقليدية، مثل الضربات الجوية أو العمليات البرية المباشرة، بينما لم تحظَ التهديدات الهجينة بالاهتمام الكافي. وهذه التهديدات تشمل العمليات السرية، والهجمات السيبرانية، وحروب المعلومات، وهي أدوات أصبحت تلعب دوراً مركزياً في الصراعات الحديثة. وقد ظهر هذا الخلل بوضوح منذ الهجوم السيبراني المعروف باسم Stuxnet، الذي استهدف منشآت البرنامج النووي الإيراني قبل سنوات، وأظهر أن الصراعات الحديثة لم تعد تدار فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضاً بالبرمجيات والاختراقات الرقمية القادرة على شل بنى تحتية كاملة دون إطلاق رصاصة واحدة.
غموض مصير قاآني بعد الضربات الأخيرة
بحلول الرابع من مارس، أصبحت قضية إسماعيل قاآني محوراً أساسياً في النقاشات السياسية والإعلامية. فبينما تحدثت بعض التقارير عن اعتقاله داخل إيران، ذهبت روايات أخرى إلى حد القول إنه أُعدم بالفعل بعد الاشتباه في تورطه في تسريب معلومات حساسة.
وانتشرت بعض الروايات المتناقضة حول مصيره، بعضها يزعم أنه موجود في إسرائيل كعميل للموساد، بينما تشير مصادر أخرى إلى أنه لا يزال قيد الاحتجاز داخل إيران. في المقابل، لم تصدر إسرائيل تأكيداً واضحاً، واكتفت بالإشارة إلى أن مكانه غير معروف منذ بدء التصعيد العسكري.
إذا ثبتت رواية إعدامه، فإن ذلك قد يعكس حالة من الشك والبارانويا داخل القيادة الإيرانية، حيث قد تؤدي موجة الشكوك في الولاءات إلى عمليات تصفية داخلية تضعف المؤسسة العسكرية أكثر مما تقويها.
اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً لإيران
في التاسع من مارس، أعلنت جمعية الخبراء تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً لإيران، في خطوة فسرتها بعض التحليلات على أنها محاولة للحفاظ على استمرارية النظام في ظل الظروف الاستثنائية.
ورغم أن مجتبى يبلغ 56 عاماً ويتمتع بعلاقات قوية مع الحرس الثوري، إلا أنه يفتقر إلى الخبرة السياسية الرسمية التي تمتع بها والده. وتشير تقارير غربية إلى أنه قد يكون أكثر تشدداً من سلفه، وهو ما قد يدفع إيران نحو سياسات أكثر تصعيداً، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي.
في المقابل، أثار غيابه العلني بعد إعلان تعيينه شائعات حول احتمال إصابته خلال إحدى الغارات الجوية الأخيرة، وهي معلومات لم يتم تأكيدها رسمياً.
ويرى بعض المحللين أن هذه الأزمة قد تفتح الباب أمام صراع داخلي داخل مراكز القوة في إيران، خاصة إذا استمرت الشكوك حول ولاءات القيادات العسكرية والأمنية. وفي المقابل، قد تدفع هذه الضغوط النظام إلى إعادة بناء أجهزته الأمنية والعسكرية بشكل أكثر تشدداً.
وفي سياق متصل قال الدكتور سيد غنيم الأستاذ الزائر بالناتو والأكاديمية العسكرية ببروكسل، إن التطورات الأخيرة في الملف الإيراني تشير إلى وجود انقسام محتمل داخل بنية النظام الإيراني، نتيجة الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية التي تواجه المؤسسات السياسية والعسكرية في البلاد.
وأضاف غنيم أن الحرب تتجه أكثر نحو التوسع الإقليمي، حيث زادت عدة نقاط التوتر بعد عدم احترام اعتذار بيزشكيان من جانب الحرس الثوري الإيراني، واستمرار الضربات على دول الخليج وتوسع الجبهة اللبنانية، ما يعكس استراتيجية التحدي الإيرانية واستمرار دفع المنطقة نحو أفق صراع أوسع.
وأشار غنيم إلى أن القدرة العسكرية الحقيقية لإيران ما زالت قائمة، إلا أنها تتمثل بشكل رئيسي في الصواريخ والطائرات المسيرة، التي تمكّنها من إطالة أمد الحرب وفرض تكلفة إقليمية عالية على الخصوم، مؤكداً أن هذا النوع من الردع الإقليمي يعكس القدرة الإيرانية على المناورة العسكرية رغم الضغوط الدولية.
ولفت غنيم إلى أن الحرب ستتحول تدريجياً إلى أزمة اقتصادية وربما صراع على الطاقة العالمية، حيث سيؤدي استمرار العمليات العسكرية إلى اضطرابات في الأسواق الإقليمية والعالمية، وهو ما تستغله الأطراف الدولية للضغط الاقتصادي على الداخل الإيراني، خصوصاً في ظل انخفاض قيمة العملة المحلية وتفاقم المشكلات المعيشية.
وأوضح غنيم أن الضربات على عقدة حيوية للنظام، بعد مقتل المرشد علي خامنئي، صاحب القرار السياسي الأعلى، قد تؤدي إلى خلق توترات داخلية بين مؤسسات النظام تحت ضغط الأزمة، مشيراً إلى أن هذا السيناريو يعكس مخاطر التصعيد الداخلي التي تواجه القيادة الإيرانية في الوقت الراهن.
وأردف أن استمرار الضغط وتصعيده قد يؤدي إلى أحد خيارين محتملين: إما تقليص التصعيد وقبول تسوية سياسية، أو تصعيد كبير إقليمي وربما نووي، موضحاً أن هذا يفسر لماذا يظل احتمال السيناريو النووي منخفضًا جدًا لكنه حاضر على طاولة الخيارات.
من جانبه أكدت إنجي بدوي، الباحثة في الشأن الإسرائيلي، أن كل ما يثار حول مصير إسماعيل قاآني مجرد مزاعم، وأن اختفائه قد يكون مرتبطًا باتهامات بالتجسس، خصوصًا أنه نجا من الموت عدة مرات، ما أكسبه لقب “صاحب الأرواح التسعة” في الإعلام العبري. وأشارت بدوي إلى أن هذه المزاعم ليست المرة الأولى التي يقال فيها عن قاآني أنه جاسوس لإسرائيل، فكل مرة تظهر تقارير مماثلة، إلا أنه يظهر بعد ذلك ويستمر في أداء مهامه داخل النظام الإيراني، ما يعكس استمرارية دوره داخل القيادة الإيرانية.
وحول دور الموساد، قالت إن قوة هذا الجهاز الإعلامية أكبر من قدراته الفعلية، موضحة أنه على مر التاريخ ارتكب أخطاء كارثية، من بينها تجاهل تحذيرات بشأن هجمات محتملة على إسرائيل في 7 أكتوبر، سواء من جهة غزة أو من جهة النقب من جانب حزب الله اللبناني. وأكدت أن الموساد يبرع أكثر في صناعة الدعاية الإعلامية والترويج الإعلامي، وأن انتشار الجواسيس في المنطقة يرجع لأسباب عدة، منها المظاهرات الداخلية داخل إيران، وكذلك الغارات التي شنتها إسرائيل على إيران العام الماضي، والتي ساعدت في كشف العديد من نقاط ضعف الدفاعات الجوية الإيرانية.

وأضافت أن إسرائيل تستخدم الذكاء الاصطناعي في تحليلاتها داخل الحروب، سواء في غزة أو في الملف الإيراني، من خلال تحليل المعلومات، واعتراض الاتصالات، وتتبع تحركات القادة الإيرانيين، مشيرة إلى أن الموساد يعتمد دائمًا على الولايات المتحدة في الملف الإيراني ولا يستطيع العمل منفردًا. وأوضحت أن ضرب أجهزة الطرد المركزي الإيرانية منذ مطلع عام 2000 باستخدام فيروس “ستاکسنت” كان عملية مشتركة بين إسرائيل وأمريكا، ما يوضح أن التعاون الخارجي أساسي في مثل هذه العمليات.
وأكدت أن المنظومة الإيرانية ليست ضعيفة، وأن استشهاد المرشد علي خامنئي لم يضعف النظام بل عزز من تمسكه بالعقيدة الإيرانية، مشيرة إلى أن اكتشاف الجواسيس المستمر من جانب الحرس الثوري يعد نقطة قوة للنظام، ويعكس قدرة إيران على حماية نفسها داخليًا رغم الضغوط الخارجية.
وأوضحت أن كل ما يحدث في المنطقة يصب في مصلحة إسرائيل أولًا، سواء من خلال الوقيعة بين الدول خارجياً، أو من خلال إشعال توترات داخلية قد تؤدي إلى حرب أهلية، مثل ما حدث في لبنان بعد رد حزب الله على استشهاد المرشد خامنئي. وأكدت أن إسرائيل تسعى دائمًا لتشتيت الدول في صراعات حتى تحقق أهدافها في الضفة الغربية، بينما تهدف الولايات المتحدة إلى إبراز هيمنتها وتأمين مصالحها النفطية، مشيرة إلى أن ترامب فعل ما لم يفعله أي رئيس أمريكي سابق في هذا الصدد.
واختتمت بالقول إن النظام الإيراني قادر على الصمود والرد بقوة، وأن الخطأ الوحيد كان في انتهاك سيادة الدول العربية، ما كان يمكن أن يدخل المنطقة في حرب شاملة، مؤكدة أن كل هذه السيناريوهات تصب في مصلحة إسرائيل، ومع ذلك، ستظل المفاوضات هي الطاولة النهائية لحسم الأمور.



