أخبار دولية

ترحيل أمريكيون إلى دول غريبة عنهم.. صفقات سرية لترامب تنقل آلاف المهاجرين إلى بلدان ثالثة

كشف تحقيق موسع عن سياسة جديدة تتبعها إدارة الرئيس الأمريكي ترامب لترحيل مهاجرين وطالبي لجوء من الولايات المتحدة إلى دول لا يحملون جنسياتها ولا تربطهم بها صلات واضحة، في إطار اتفاقيات أبرمتها واشنطن مع عشرات الدول.

ومن بين الحالات التي وثقها التحقيق قصة امرأة إيرانية تبلغ من العمر 32 عامًا، أطلقت عليها صحيفة «الغارديان» اسم «نيكا» لحماية عائلتها في إيران، وجدت نفسها بعد رحلة ترحيل مكبلة بالأصفاد في جمهورية أفريقيا الوسطى، وهي دولة قالت إنها لم تكن تعرف عنها شيئًا.

رحلة غامضة انتهت في أفريقيا

كانت نيكا واحدة من 18 شخصًا على متن رحلة ترحيل أمريكية، ولم يعرف الركاب وجهتهم إلا بعد أن ظهرت خريطة على شاشات مثبتة خلف المقاعد.

وقالت إن بعض المحتجزين تعرضوا للتقييد بالأصفاد، بينما جرى تقييد بعض الرجال بلفائف سوداء وصفراء بعد رفضهم الصعود إلى الطائرة.

وكانت نيكا قد غادرت إيران قبل نحو 18 شهرًا بعدما شاركت في احتجاجات ضد النظام، ثم أمضت أكثر من عام داخل مركز احتجاز للمهاجرين في الولايات المتحدة.

وفي وقت لاحق، منحها قاضٍ أمريكي حماية قانونية من الترحيل وأمر بالإفراج عنها، كما أصبحت مؤهلة للعمل والإقامة في الولايات المتحدة. لكن بعد نحو أسبوعين فقط، أعادت سلطات الهجرة الأمريكية احتجازها، وبعد أيام كانت على متن طائرة متجهة لمسافة نحو 7 آلاف ميل إلى أفريقيا.

وقالت نيكا إنها لم تُبلغ مسبقًا بأنها ستُرحل إلى جمهورية أفريقيا الوسطى.

أكثر من 25 ألف شخص رُحّلوا إلى دول ثالثة

بحسب التحقيق، رحّلت إدارة ترامب أكثر من 25 ألف شخص إلى دول ليست دولهم الأصلية.

وتشير البيانات التي استند إليها التحقيق إلى نقل نحو 20 ألف شخص إلى المكسيك، بينما أُرسل أكثر من 5 آلاف آخرين عبر رحلات جوية إلى دول في أفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي وآسيا الوسطى، رغم عدم وجود صلات لهم بهذه البلدان في كثير من الحالات.

وفي بعض الحالات، انتهى الأمر بإعادة المرحلين إلى بلدانهم الأصلية، رغم أن قضاة هجرة أمريكيين كانوا قد اعتبروا في السابق أن عودتهم قد تعرض حياتهم أو حريتهم للخطر.

كما وثق التحقيق أكثر من 100 رحلة جوية نقلت مهاجرين وطالبي لجوء إلى 28 دولة مختلفة، مع الإشارة إلى أن الرقم قد يكون أقل من العدد الفعلي للرحلات بسبب اقتصار البيانات على الرحلات التي أمكن التحقق منها بشكل مستقل.

ارتفاع وتيرة عمليات الترحيل

أظهرت البيانات أن وتيرة عمليات الترحيل إلى الدول الثالثة تسارعت خلال الفترة الأخيرة.

وبحسب منظمة «هيومن رايتس فيرست»، شهد أغسطس الماضي رقمًا قياسيًا، مع تنفيذ 16 رحلة نقلت أشخاصًا إلى 13 دولة ليست بلدانهم الأصلية.

ومن بين الحالات التي أوردها التحقيق نقل أشخاص من بيرو وكولومبيا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، بينما نُقل أربعة كوبيين وبرازيلي وكاميروني إلى ليبيريا، قبل أن يرفضوا النزول هناك، ليتم إرسالهم لاحقًا إلى غينيا الاستوائية.

حكم قضائي يطعن في سياسة الترحيل

تزامن نشر التحقيق مع حكم أصدرته محكمة استئناف اتحادية أمريكية يوم الجمعة، قضى بأن عمليات الترحيل إلى دول ثالثة غير قانونية، معتبرة أن الإجراءات تنتهك حق الأشخاص في الإجراءات القانونية الواجبة، لأنهم لا يحصلون على وقت كافٍ لإتاحة الطعن في قرار نقلهم إلى بلد آخر.

ويرجح أن تستأنف الحكومة الأمريكية الحكم، في وقت أعلنت فيه الإدارة استمرارها في تنفيذ سياستها المتعلقة بالهجرة.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن تنفيذ سياسات إدارة ترامب الخاصة بالهجرة يمثل أولوية، مؤكدة أن الحكومة ستستخدم الوسائل القانونية المتاحة لترحيل من لا يملكون حق البقاء في الولايات المتحدة.

من بينهم أشخاص مُنع ترحيلهم إلى بلدانهم

يقول التحقيق إن المرحلين لم يكونوا جميعًا أشخاصًا لديهم سوابق جنائية، رغم أن إدارة ترامب تصف الأشخاص الذين ترحلهم بأنهم مجرمون.

وأظهرت وثائق حصلت عليها صحيفة «واشنطن بوست» ضمن التحقيق أن غالبية الدول، من بين 35 دولة أبرمت اتفاقيات مع الولايات المتحدة، قالت إنها لن تستقبل مهاجرين لديهم سوابق جنائية عنيفة.

كما شملت عمليات الترحيل أشخاصًا عاشوا معظم حياتهم في الولايات المتحدة، وأولياء أمور جرى احتجازهم أثناء اصطحاب أبنائهم إلى المدرسة، وأشخاصًا كانوا يقدمون الرعاية لأقارب مسنين يعتمدون عليهم.

وبين المرحلين أيضًا أشخاص اعتبر قضاة الهجرة أن مخاوفهم من العودة إلى بلدانهم الأصلية ذات مصداقية، ومن بينهم نيكا التي حصلت على حماية قانونية تمنع إعادتها إلى إيران.

إعادة اعتقال نيكا بعد الإفراج عنها

كانت محامية نيكا، سحر جليلي، قد اكتشفت أن سلطات الهجرة الأمريكية قررت إرسال موكلتها إلى بانغي، عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى، قبل 8 أيام فقط من صدور قرار القاضي بالإفراج عنها.

وبعد خروج نيكا من مركز الاحتجاز، توجهت إلى منزل أقاربها في لوس أنجلوس، حيث قضت أسبوعًا معهم بعد فترة احتجاز استمرت 18 شهرًا.

لكن في 8 يونيو، أعيد اعتقالها خلال ما قيل لها إنه موعد روتيني لدى سلطات الهجرة.

وقالت المحامية إن نيكا خضعت لإجراءات جديدة، من بينها أخذ بصماتها وصورتها، ثم طلب منها أحد الضباط رفع يديها قبل أن يتم اعتقالها وتقييدها واقتيادها إلى قبو المبنى.

وحاولت جليلي خلال اليومين التاليين منع ترحيل نيكا، كما تمكن محامون من إنقاذ امرأتين إيرانيتين أخريين كانتا مهددتين بالترحيل إلى بانغي، لكن لم يكن هناك وقت كافٍ لإنقاذ نيكا قبل إقلاع الرحلة.

صفقات مع دول أفريقية بمئات الملايين

يقود سياسة الترحيل إلى دول ثالثة، وفق التحقيق، ستيفن ميلر، نائب كبير موظفي البيت الأبيض، الذي أعلن في مناسبات عدة توجهه نحو الحد من الهجرة إلى الولايات المتحدة.

وأظهرت وثائق داخلية أن إدارة ترامب تعهدت بتقديم ما لا يقل عن 410 ملايين دولار لإبرام اتفاقيات مع 38 دولة لاستقبال المرحلين، ويقع نحو ثلث هذه الدول في أفريقيا.

وتضمنت الاتفاقيات، وفق الوثائق، تخصيص 30 مليون دولار للكاميرون لدعم عمليات تابعة للأمم المتحدة مقابل استقبال ما يصل إلى ألف مهاجر، إلا أن الولايات المتحدة أرسلت إليها حتى الآن 44 شخصًا فقط.

كما وُعدت جمهورية الكونغو الديمقراطية بـ 75 مليون دولار لدعم عمليات الأمم المتحدة مقابل استقبال ألفي مهاجر، لكنها استقبلت 15 شخصًا فقط، بينما توقفت الرحلات إلى كينشاسا بسبب تفشي الإيبولا.

وتختلف شروط الاتفاقيات من دولة إلى أخرى؛ فبعضها وافق على استقبال أشخاص لديهم سوابق جنائية عنيفة، بينما رفضت دول أخرى استقبال من لديهم سجلات مرتبطة بالعنف أو الجرائم الخطيرة.

قصة ممرضة أُرسلت إلى غانا

ومن الحالات التي وثقها التحقيق أيضًا قصة ربيعتو كوياتيه، 58 عامًا، وهي ممرضة قضت معظم حياتها في الولايات المتحدة بعد فرارها من سيراليون.

عملت كوياتيه في رعاية مرضى أمريكيين خلال جائحة كورونا، كما تولت رعاية بالغين وأطفال من ذوي الإعاقة.

وفي نوفمبر الماضي، ظهرت في تسجيل مصور أثناء اقتيادها بالقوة إلى سيارة في غانا، بعد إرسالها من الولايات المتحدة إلى هناك.

وقالت كوياتيه إنها كانت تخشى بشدة إعادتها إلى سيراليون، خصوصًا أنها بنت حياتها في الولايات المتحدة وربت ابنها محمد بمفردها.

وفي وقت لاحق، جرى نقلها من غانا باتجاه سيراليون، وسط مخاوف من تعرضها للأذى إذا أعيدت إلى بلدها الأصلي.

إصابة نيكا بالملاريا في أفريقيا الوسطى

في رحلة نيكا التي غادرت الولايات المتحدة في 11 يونيو، ظهرت غانا في البداية باعتبارها الوجهة على شاشات الطائرة، لكن الرحلة توقفت لفترة قصيرة في العاصمة أكرا، قبل أن تصل المجموعة إلى بانغي عند نحو 9:45 مساءً.

وبعد وصولهم، نُقل الركاب إلى أماكن إقامتهم، كما خضعوا لتطعيمات ضد الحمى الصفراء.

لكن نيكا بدأت لاحقًا تعاني صداعًا وآلامًا في الجسم وغثيانًا، إضافة إلى تعرضها لعدد كبير من لدغات البعوض.

وأظهر تقرير طبي إصابتها بالملاريا، وهي حالة قالت إنها لم تكن تعرف عنها شيئًا قبل إصابتها بها.

وبعد تلقي العلاج، واجهت مشكلة أخرى، إذ وصلت إلى جمهورية أفريقيا الوسطى من دون جواز سفر، ما تركها من دون وثائق هوية أو تأشيرة.

وقالت إن رجال شرطة أوقفوها أكثر من مرة واستغلوا عدم امتلاكها أوراقًا لتهديدها بالاحتجاز، بل إن أحدهم أشار بيده إلى تقييدها، وهو ما فهمته على أنه طلب لدفع المال مقابل عدم اقتيادها.

دور المنظمة الدولية للهجرة

تعد جمهورية أفريقيا الوسطى واحدة من 13 دولة تستقبل مرحلين من الولايات المتحدة وتقدم لهم المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة المساعدة بعد وصولهم.

وتشمل المساعدة توفير السكن والطعام والدعم النفسي.

وبحسب قاعدة بيانات حكومية أمريكية تتبع الإنفاق، ذهب أكثر من 60% من المنح الأمريكية المقدمة للمنظمة الدولية للهجرة خلال إدارة ترامب الثانية إلى برامج في دول تستقبل مهاجرين مرحلين.

وفي جمهورية أفريقيا الوسطى، بلغ أحد مخصصات التمويل 85 مليون دولار، مقارنة بأعلى مساهمة أمريكية للمنظمة في البلاد خلال إدارة جو بايدن، والتي بلغت 14 مليون دولار.

وتقول المنظمة الدولية للهجرة إن قراراتها المتعلقة بقبول التمويل وتقديم المساعدة بعد الوصول تستند إلى مهمتها ومبادئها، وإلى تقييم ما إذا كان تدخلها سيحسن حياة المهاجرين المتضررين.

في المقابل، أعرب محامون ومنظمات حقوقية عن مخاوفهم من أن تؤدي مشاركة المنظمة في هذه البرامج إلى تسهيل عمليات ترحيل أشخاص لم يختاروا الانتقال إلى تلك الدول.

حياة في انتظار المجهول

تعيش نيكا حاليًا في جمهورية أفريقيا الوسطى وسط حالة من العزلة والخوف، ولا تعرف ما إذا كانت ستبقى هناك أم ستُعاد في النهاية إلى إيران.

وتقول إنها تتلقى المساعدة من المنظمة الدولية للهجرة، لكن حياتها محدودة للغاية؛ فهي لا تستطيع الخروج من مكان إقامتها من دون وسيلة نقل يوفرها الآخرون، ولا تستطيع العمل بسبب عدم إتقانها اللغة المحلية، كما تظل عالقة بين بلد لا تربطها به صلة وبلدها الأصلي الذي تخشى العودة إليه.

وتكشف هذه الحالات جانبًا من سياسة الترحيل إلى دول ثالثة التي وسعت إدارة ترامب نطاق استخدامها، وسط نزاع قانوني وحقوقي حول مدى توافقها مع الإجراءات القانونية وحقوق الأشخاص الذين صدرت بحقهم قرارات الترحيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى