بين الحذر والمصالح… لماذا تجنبت أذربيجان وإيران المواجهة؟

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واتساع رقعة الصراع، برزت مخاوف من انزلاق العلاقات بين أذربيجان وإيران إلى مواجهة مباشرة. لكن رغم حوادث محدودة وتصعيد لفظي متبادل، اختار الطرفان التهدئة والانخراط في قنوات دبلوماسية، مدفوعين بحسابات معقدة تتعلق بالمصالح المشتركة والتوازنات الداخلية والإقليمية.
ويقول ويلدر أليخاندرو سانشيز، وهو مستشار متخصص في الشؤون الجيوسياسية والدفاعية ورئيس شركة استشارات في واشنطن، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية، إن وجود جالية أذربيجانية كبيرة في إيران ربما يكون قد ساهم في تخفيف التوترات بين باكو وطهران.
ومهما كان مستقبل الحرب الحالية وإيران، فإن جيران البلاد سيضطرون إلى التعامل مع تداعيات وعواقب هذا الصراع الجديد. ومن بين الدول التي تربطها علاقة معقدة بالجمهورية الإسلامية جمهورية أذربيجان.
وعند اندلاع الحرب، عبرت عدة تحليلات عن القلق من احتمال امتداد الصراع إلى منطقة القوقاز وتأثيره على العلاقات الهشة أصلا بين أرمينيا وأذربيجان. وحتى الآن، لم يحدث ذلك، إذ تسعى كل من يريفان وباكو إلى البقاء على الحياد.
ومع ذلك، وعلى الرغم من أن الأعمال العدائية ركزت بشكل أساسي على الأراضي الإيرانية وأراضي الدول العربية وإسرائيل، فإن حادثة واحدة أدخلت القوقاز في نقاش احتمال توسع الحرب. ففي 5 مارس/آذار، عبرت طائرات مسيّرة إيرانية إلى الأراضي الأذربيجانية وهاجمت مطار ناخيتشيفان الدولي في جمهورية ناخيتشيفان ذاتية الحكم، وهي منطقة تابعة لأذربيجان وتحد إيران. كما أفادت تقارير بأن طائرة مسيّرة إيرانية أخرى أصابت مدرسة في شكاراباد. وأصيب عدد من المدنيين، وحدثت أضرار كبيرة في المطار، لكن لم يتم تأكيد وقوع وفيات.
ولحسن الحظ، لم يتصاعد حادث ناخيتشيفان. فقد حدث تصعيد مؤقت في الخطاب من الجانبين في باكو وطهران، بما في ذلك تهديدات بالرد. ومع ذلك، سرعان ما دخلت الحكومتان في حوار دبلوماسي، ولم تُسجل أي حوادث إضافية منذ ذلك الحين.
ويقول سانشيز إنه لتحسين العلاقات الثنائية وتقليل التوتر مع طهران، اختارت الحكومة الأذربيجانية مسار المساعدات الإنسانية. وبشكل محدد، أرسلت باكو مئات الأطنان من المساعدات الإنسانية، بما في ذلك مواد غذائية (الطحين (الدقيق) والأرز والسكر والشاي والمياه) وإمدادات طبية، إلى إيران لمساعدة السكان المدنيين (وخاصة الأذربيجانيين في إيران) المتأثرين بالحرب.
وتزامنت هذه الشحنات مع شهر رمضان وعيد النوروز، ومن غير الواضح ما إذا كانت ستستمر الآن بعد انتهاء المناسبات الدينية. وسيعتمد الكثير على ما إذا كانت هناك جولة جديدة من القتال بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى مستقبل مضيق هرمز.
وبحسب سانشيز، تتمتع أذربيجان وإيران بعلاقة معقدة، إذ اعترفت الجمهورية الإسلامية باستقلال أذربيجان في 25 ديسمبر/كانون الأول 1991. ومنذ ذلك الحين، عُقدت لقاءات على المستوى الرئاسي والوزاري بشكل متقطع، كما أنشئت داخل البرلمان الأذربيجاني “مجموعة عمل للعلاقات البرلمانية الأذربيجانية–الإيرانية” لتعزيز التواصل بين الجانبين.
ومع ذلك، فإن أحد المصادر الرئيسية للقلق بالنسبة لإيران هو عشرات الملايين من الأذربيجانيين الذين يعيشون في إيران، خاصة في محافظات أردبيل وأذربيجان الشرقية وأذربيجان الغربية وزنجان. ومثل العديد من الشعوب غير الفارسية التي تعيش في إيران، تعرض الأذربيجانيون لمعاملة كمواطنين من الدرجة الثانية خلال عهد سلالة بهلوي، واستمر سوء التعامل معهم في ظل الجمهورية الإسلامية.
وعلى الرغم من أن الأذربيجانيين أكثر اندماجا في إيران مقارنة بغيرهم من الأقليات العرقية في الشرق الأوسط، فإن السلطات الإيرانية تقيد استخدام اللغة الأذربيجانية وتعليمها، إضافة إلى التقاليد والثقافة والتاريخ. ومن المرجح أن طهران تخشى أن يطالب الأذربيجانيون يوما ما بالحكم الذاتي أو الاستقلال، ولذلك اختارت نهجا قمعيا. كما تعاني إيران من عدة أزمات بيئية. فقد عانت البلاد من الجفاف لعدة سنوات، وحتى قبل اندلاع الحرب، كانت الحكومة الإيرانية تفكر حتى في نقل العاصمة من طهران. والوضع ليس أفضل في شمال إيران، إذ إن فقدان بحيرة أرومية خلق أزمة مياه للسكان المحليين، ومعظمهم من الأذربيجانيين.
ومع ذلك، ستواصل الجمهورية الإسلامية النظر إلى عموم السكان، وخاصة غير الفرس، بعين الريبة. وخلال مؤتمر حول الحرب في أول أبريل/نيسان، أوضح كريم سجادبور، الباحث البارز في “مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي”، أنه “عندما تتوقف الغارات الجوية، هل ستحدث انتفاضات شعبية؟ أعتقد أننا سنرى نظاما إسلاميا أكثر قسوة من ذي قبل”، مضيفا أن “بعد الحرب، ستورث الجمهورية الإسلامية بلدا مدمرا … عشرات المليارات من الدولارات من الأضرار، وسكانا يكرهونها، لذا فإن عقلية الجمهورية الإسلامية هي: اقتل أو وسوف تُقتل”.
وبعبارة أخرى، قد تصبح طهران أكثر قمعا تجاه سكانها في المستقبل القريب لضمان عدم حدوث انتفاضات أو محاولات انقلاب مدني. كما أن الشائعات حول محاولات أمريكية وإسرائيلية لتسليح وتعبئة أكراد إيران ضد الجمهورية الإسلامية قد تشير إلى تبني سياسة أكثر تشددا من الحكومة تجاه الأقليات العرقية التي يشتبه في عدم ولائها. وبالتالي، قد يكون الأذربيجانيون عرضة لموجة جديدة من القمع.
ويقول سانشيز إنه حتى الآن، لا توجد تقارير عن “مجازر” جديدة تنفذها الجمهورية الإسلامية، مثل تلك التي حدثت خلال احتجاجات يناير/كانون الثاني، رغم وقوع بعض عمليات الإعدام بالفعل. وقد فرضت طهران انقطاعا للإنترنت، مما يمنع العالم الخارجي من الحصول على مزيد من المعلومات حول الأنشطة القمعية الجديدة التي تنفذها الجمهورية الإسلامية، وما إذا كانت أي مجموعات غير فارسية مستهدفة بشكل خاص.
أما بالنسبة لمستقبل العلاقات بين طهران وباكو، فسيعتمد ذلك إلى حد كبير على مستقبل الصراع. وستسعى باكو إلى البقاء على الحياد وتجنب الانجرار إلى الحرب. ومن غير المرجح أن ترغب طهران في فتح ساحة عسكرية جديدة عبر مهاجمة جارتها الشمالية. وللأسف، فإن معاناة المدنيين في إيران، سواء الأذربيجانيين أو الفرس أو غيرهم، من غير المرجح أن تخف حدتها.



