واشنطن والرياض تقتربان من اتفاق نووي وسط مخاوف من الانتشار النووي

كشفت تقارير إعلامية، نقلاً عن وثائق ومراسلات أمريكية رسمية، أن الاتفاق النووي المدني المرتقب بين الولايات المتحدة والسعودية لا يتضمن الضمانات الصارمة التي طالب بها عدد من المشرعين الأمريكيين، ما أثار موجة واسعة من القلق داخل الأوساط السياسية المعنية بمنع الانتشار النووي.
وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز»، فإن رسالة صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ 18 مايو، وموجهة إلى السيناتور الديمقراطي إدوارد ماركي، أوضحت أن الاتفاق المقترح يكتفي بإبرام “اتفاقية ضمانات ثنائية” ذات طابع أقل تشدداً مقارنة بالبروتوكولات الدولية التي تدعو إليها واشنطن عادة في مثل هذه الملفات الحساسة.
وكانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلنت في وقت سابق عن رغبتها في توقيع اتفاق للتعاون النووي السلمي مع السعودية، في إطار تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، إلى جانب دعم الشركات الأمريكية العاملة في قطاع الطاقة النووية.
إلا أن الاتفاق المقترح أثار مخاوف كبيرة لدى خبراء منع الانتشار النووي، خاصة بعد تصريحات سابقة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أكد فيها أن المملكة قد تسعى لامتلاك سلاح نووي إذا أقدمت إيران على الخطوة نفسها.
وفي مارس الماضي، بعث عشرات النواب الديمقراطيين برسالة إلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، طالبوا فيها بضرورة تضمين الاتفاق ما يُعرف بالبروتوكول الإضافي التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي يمنح المفتشين الدوليين صلاحيات موسعة تشمل إجراء زيارات مفاجئة لمواقع غير معلنة.
كما شدد المشرعون على أهمية التزام السعودية بـ«المعيار الذهبي» لمنع الانتشار النووي، وهو تعهد طوعي يمنع تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي المستهلك، وهي العمليات التي يمكن استخدامها لإنتاج مواد تدخل في تصنيع الأسلحة النووية. وكانت الإمارات قد وافقت على هذا الشرط عند توقيع اتفاقها النووي مع واشنطن عام 2009.
ورغم تلك المطالب، لم تتضمن رسالة الخارجية الأمريكية أي إشارة واضحة إلى اشتراط تطبيق هذا المعيار ضمن الاتفاق الجاري التفاوض بشأنه مع الرياض.
من جانبه، أوضح بول جواليانوني، المسؤول البارز في مكتب الشؤون التشريعية بوزارة الخارجية، أن الاتفاق يخضع حالياً للمراجعة النهائية قبل عرضه على الرئيس الأمريكي للتوقيع، مؤكداً أنه يهدف إلى إنشاء شراكة طويلة الأمد في مجال الطاقة النووية المدنية، بقيمة تصل إلى مليارات الدولارات، بما يخدم المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للولايات المتحدة.
وفي المقابل، امتنع البيت الأبيض عن الكشف عن موعد توقيع الاتفاق أو تفاصيل الضمانات الواردة فيه، مكتفياً بالإشارة إلى تصريحات سابقة لوزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، أكد خلالها أن الاتفاق يتضمن “التزاماً قوياً بمنع الانتشار النووي”.
أما وزارة الخارجية الأمريكية، فأكدت أن تفاصيل الاتفاق لا تزال قيد المراجعة، لكنها شددت على أن المسودة الحالية تتوافق مع المتطلبات القانونية الأمريكية، وتعكس التزاماً مشتركاً بين واشنطن والرياض بمعايير السلامة والأمن النووي.
السيناتور إدوارد ماركي انتقد بشدة توجه الإدارة الأمريكية، واعتبر أن منح السعودية تكنولوجيا نووية دون قيود صارمة يمثل “مجازفة بالأمن القومي الأمريكي”، خصوصاً في ظل المخاوف من احتمالية سعي المملكة مستقبلاً إلى تطوير قدرات عسكرية نووية.
ومن المنتظر، بعد توقيع الرئيس الأمريكي على الاتفاق، أن يُحال إلى الكونغرس، حيث سيكون أمام مجلسي النواب والشيوخ مهلة 90 يوماً للاعتراض عليه عبر قرارات رسمية، وإلا سيدخل حيز التنفيذ تلقائياً، ما يسمح بتبادل التكنولوجيا النووية المدنية بين البلدين.
وفي السياق ذاته، دعا هنري سوكولسكي، المدير التنفيذي لمركز تعليم سياسات عدم الانتشار، إلى فرض قيود أكثر صرامة على أي برنامج نووي سعودي، خاصة فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم، محذراً من أن السماح لأي دولة بإنتاج الوقود النووي قد يحمل مخاطر استراتيجية طويلة المدى إذا تغيرت التحالفات السياسية مستقبلاً.



