تقارير

نزيف الجيش الصومالي.. تصعيد حركة الشباب يهدد استقرار البلاد

كتبت/ منار حجاج

تتجدد التحديات الأمنية في الصومال مع تصاعد هجمات حركة الشباب، وتكبّد الجيش خسائر ميدانية جديدة، في مشهد يعكس تعقيدات المواجهة المستمرة منذ سنوات.

فرغم الحملات العسكرية والدعم الدولي، لا تزال الحركة تحتفظ بقدرتها على شن هجمات مباغتة واستغلال الثغرات الأمنية والانقسامات السياسية والعشائرية.

وبين معضلة تأمين المناطق المحررة، وضغوط التصعيد العسكري على الحكومة الفيدرالية، تبرز تساؤلات حول فاعلية الاستراتيجية الأمنية المتبعة، ومستقبل المواجهة مع الحركة في ظل استمرار الاعتماد على الدعم الخارجي.

وللمزيد من التحليل والوقوف على أبعاد التصعيد الأمني في الصومال، وانعكاساته على مستقبل المواجهة مع حركة الشباب، يلتقي موقع «داي نيوز» مع فاطمة ايمن صابر، الباحثة المتخصص في الشؤون الافريقية.

لنناقش معها دلالات الخسائر الأخيرة للجيش الصومالي، وأسباب استمرار نفوذ الحركة، والسيناريوهات المحتملة للمشهد الأمني خلال المرحلة المقبلة.

خسائر تكشف أزمة استراتيجية

تقول فاطمة ايمن صابر، الباحثة فى الدراسات الاستراتيجية إن الخسائر الأخيرة للجيش الصومالي لا تعكس مجرد تراجع ميداني عابر، بل تحمل دلالات استراتيجية أعمق؛ أبرزها المرونة التنظيمية العالية، التي لا تزال تتمتع بها حركة الشباب، وقدرتها على الانتقال السريع من وضعية الدفاع والتموقع إلى المبادأة الهجومية القائمة على اختراقات استخباراتية دقيقة.

كما تُثبت هذه الخسائر معضلة بنيوية في الاستراتيجية العسكرية المتبعة، وهي أن أزمة الصومال الأمنية لا تكمن في قدرة الجيش على تحرير المناطق والتي نجح فيها مراراً، وإنما في العجز عن تأمين ما بعد التحرير والاحتفاظ بالأرض، مما يجعل خطوط الجيش الخلفية مكشوفة وعرضة لهجمات ارتدادية مباغتة.

أسباب استمرار نفوذ الحركة

وترى فاطمة ايمن أن حركة الشباب تستطيع مواصلة عملياتها لعدة عوامل متشابكة؛ أولها تبنيها الصارم لتكتيكات حرب الاستنزاف غير المتناظرة وحرب العصابات، متفاديةً المواجهة النظامية المباشرة التي يتفوق فيها الجيش تكنولوجياً، لتعتمد بدلاً من ذلك على المفخخات والكمائن الخاطفة.

والركيزة الثانية هي الاستقلالية المالية الحديدية للحركة، حيث تدير شبكة جباية وابتزاز واسعة النطاق تشبه المنظومة الضريبية الموازية المفروضة على التجار والمسارات التجارية، مما يوفر لها تمويلًا مستدامًا يتجاوز أحيانًا ميزانيات مؤسسات حكومية.

وأخيرًا، تبرع الحركة في الاستثمار في التصدعات السياسية والعشائرية؛ فحينما يحتدم الخلاف بين مقديشو وقادة الولايات، أو تثور نزاعات بين العشائر، تخترق الحركة هذه الفجوات لتأمين حاضنات مجتمعية مؤقتة أو ممرات آمنة لمقاتليها.

ثغرات المنظومة الدفاعية

وتتابع صابر إن الحركة تتحرك بذكاء شديد عبر استغلال ثلاث نقاط ضعف رئيسية في المنظومة الدفاعية للدولة:

• انكشاف المسارات اللوجستية: حيث تستهدف القوافل والتحركات العسكرية في المحاور الريفية الوعرة والمترامية التي تفتقر إلى غطاء جوي مستدام يحميها.

• هشاشة التنسيق بين القوات النظامية والمليشيات: يعتمد الجيش بشكل مكثف على مليشيات العشائر المحلية المعروفة بـ (المعاويرلي) كقوات إسناد؛ وهنا تلعب الحركة على وتر الخلافات التاريخية بين تلك العشائر لتفكيك تحالفاتها مع الدولة.

• الفراغ الإداري والقضائي: وهو أخطر الثغرات؛ فحين يحرر الجيش منطقة ما، ينسحب ويسلمها لإدارة مدنية شبه غائبة تفتقر للخدمات والمحاكم، فتعود الحركة لملء هذا الفراغ بسرعة وتقدم نفسها للمواطنين كبديل تنظيمي صارم يفرض الأمن والقضاء كبديل عن غياب الدولة.

تداعيات التصعيد على الحكومة

وتواصل الباحثة في الدراسات الاستراتيجية بأن التصعيد المستمر يفرز ضغطًا مزدوجًا، يقوض استقرار الحكومة الفيدرالية في مقديشو.

فمن ناحية، يبتلع الملف الأمني النسبة الأكبر من خزينة الدولة المحدودة، مما يؤدي إلى استنزاف الموارد الاقتصادية وتجميد أي خطط للتنمية أو معالجة الأزمات الإنسانية والمناخية الحادة كالجفاف والفيضانات.

ومن ناحية أخرى، يتسبب تكرار الاختراقات الدموية في تآكل الشرعية السياسية للحكومة، حيث يستغله الخصوم السياسيون، لتغذية سردية الفشل في حماية المواطنين، مما يعمق الفجوة الثنائية بين السلطة المركزية في العاصمة والولايات الفيدرالية الطامحة لمزيد من الاستقلالية.

الدعم الدولي وحدود الاعتماد

وتستكمل فاطمة ايمن الدعم الدولي يمثل ولا سيما الإسناد الجوي عبر المسيرات الأمريكية والتركية، وبرامج التدريب المكثف لقوات النخبة مثل وحدتي “دنَبْ” و”غورغور”، حجر الزاوية الذي يمنع انهيار المراكز الحضرية الكبرى.

ويشل حركة قيادات الصف الأول للشباب، ورغم حيوية هذا الدور، إلا أنه يواجه تحديًا حرجًا يتمثل في توقيت المرحلة الانتقالية لبعثات حفظ السلام الإفريقية (التحول نحو بعثة “أوسوم” لعام 2026).

فالاعتماد المفرط على الغطاء الدولي يفرغ الاستراتيجية الوطنية من استقلاليتها، ويضع الجيش تحت مقصلة جداول زمنية دولية للانسحاب قد لا تتواكب مطلقًا مع الوتيرة الفعلية للمعركة الفوقية على الأرض.

سيناريوهات المواجهة المقبلة

وتختتم الباحثة في الدراسات الاستراتيجية: بناءً على هذه المعطيات المعقدة، يتأرجح مستقبل المواجهة بين ثلاثة مسارات منطقية:

• سيناريو الجمود الاستراتيجي المتبادل (الأكثر ترجيحًا): وفيه تستمر دوامة الكر والفر الحالية، بحيث تحكم الحكومة قبضتها على المدن الكبرى والموانئ الرئيسية، بينما تحتفظ حركة الشباب بنفوذها الصادم وعمقها الاستراتيجي في الأرياف والمناطق النائية دون قدرة أي طرف على حسم المعركة لصالحه بشكل مطلق.

• سيناريو الانتكاسة الأمنية والتراجع: ويتحقق هذا المسار إذا تعمقت الخلافات السياسية الداخلية بين النخب الصومالية وتزامنت مع انسحاب دولي وإفريقي متعجل وغير مدروس للمهام الأمنية، مما يمنح الحركة فرصة ذهبية لاختراق أطواق العاصمة وإعادة السيطرة على مناطق أوسع.

• سيناريو الحسم التدريجي المشروط: وهو التفكيك البطيء للحركة، ولكن نجاح هذا السيناريو مشروط بألا تقتصر المواجهة على البعد العسكري وحده؛ بل يتطلب نجاحًا موازيًا في صياغة مصالحة عشائرية وطنية شاملة، وحوكمة حقيقية للاقتصاد لتجفيف منابع التمويل، وبسط سلطة القانون وتقديم الخدمات والبديل القضائي فور دخول الجيش لأي منطقة محررة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى