هل تفتح مرونة ترامب باب اتفاق نووي جديد مع طهران؟
هذه التطورات تأتي بعد أشهر من الضربات العسكرية الأمريكية على منشآت إيرانية في يونيو 2025، مما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المرونة تحولاً حقيقياً في الموقف الأمريكي أم مجرد مناورة تفاوضية.
مرونة ترامب: تحول حقيقي أم مناورة تفاوضية؟
في 21 فبراير 2026، نقلت وكالة أكسيوس عن مسؤول أمريكي كبير أن إدارة ترامب مستعدة للنظر في اقتراح يسمح لإيران بـ”تخصيب رمزي” لليورانيوم، شريطة أن يثبت عدم إمكانية استخدامه في صنع قنبلة نووية.
هذا الاقتراح يمثل تحولاً عن الموقف الأمريكي السابق الذي كان يصر على “صفر تخصيب” داخل إيران، كما أكدت الوكالة أن هذه المرونة قد تكون جزءاً من محاولة لإبرام اتفاق سريع، مع الضغط العسكري كخلفية.
في اليوم نفسه، أفادت رويترز بأن إيران أبدت استعداداً لتقديم تنازلات نووية مقابل رفع العقوبات واعتراف أمريكي بحقها في التخصيب السلمي.
يُنظر إلى ما نُقل عن استعداد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدراسة مقترح يسمح بتخصيب نووي محدود داخل إيران، في ظل تمسك طهران بحقها في برنامج نووي تؤكد أنه سلمي، غير أن هذا الطرح وفق ما عكسته التغطيات الإعلامية خلال يومي 21 و22 فبراير، لم يصدر في إطار إعلان رسمي عن تغيير في السياسة الأمريكية، بل جاء ضمن مناقشات لا تزال قيد البحث.
في المقابل، تزامنت هذه الأجواء مع استمرار الحديث في وسائل إعلام غربية عن بقاء الخيار العسكري ضمن أدوات الضغط المطروحة في حال تعثر المسار التفاوضي. ويعكس ذلك مقاربة مزدوجة تجمع بين إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، مع التلويح بإجراءات أكثر تشدداً. كما أشارت تقارير، من بينها ما نشرته صحيفة «الغارديان» في 22 فبراير، إلى تداعيات الضربات السابقة على بعض المنشآت النووية الإيرانية، دون وجود تقييم مستقل وحاسم لحجم الأضرار أو تأثيرها بعيد المدى على القدرات الفنية.
ويستحضر هذا المسار مقارنات مع اتفاق عام 2015، المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، الذي أتاح لإيران تخصيب اليورانيوم ضمن سقوف محددة وتحت رقابة دولية مشددة، قبل أن تنسحب منه واشنطن عام 2018. إلا أن السياق الحالي يختلف من حيث مستوى التصعيد الإقليمي وتراجع الثقة المتبادلة بين الطرفين.
الضمانات التقنية والسياسية المحتملة
في الجانب الفني، تناولت التغطيات الصادرةأفكاراً تتعلق بخفض مستويات التخصيب والعودة إلى نسب قريبة من 3.67 في المئة، وهو السقف المنصوص عليه في اتفاق 2015، إلى جانب تفعيل آليات رقابة موسعة بإشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية». كما طُرحت مقترحات بشأن إدارة أو نقل جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، بما يقلص المخاوف المرتبطة بإمكانية تسريع مسار عسكرة البرنامج.
سياسياً، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وفق ما نقلته «رويترز» في 22 فبراير، أن أي اتفاق يجب أن يكون «عادلاً ومتوازناً»، في إشارة إلى تمسك طهران بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية. وفي المقابل، لم تبرز مؤشرات على استعداد إيراني لقبول شروط تتجاوز الإطار النووي لتشمل ملفات أخرى، من بينها برنامج الصواريخ الباليستية.
وبذلك، تبدو الطروحات التي جرى تداولها خلال هذين اليومين أقرب إلى صيغ قيد النقاش منها إلى تفاهمات نهائية. ويظل مستقبل هذه المباحثات رهناً بمدى قدرة الطرفين على تقليص فجوة الثقة، وصياغة ترتيبات قابلة للتحقق والتنفيذ تحت رقابة دولية صارمة، بما يفتح الباب أمام تهدئة محتملة، أو يعيد المشهد إلى مربع التصعيد.
التلويح بالخيار العسكري: استراتيجية تفاوض أم تمهيد لتصعيد؟
و نقلت نيويورك تايمز عن مصادر أن ترامب يميل نحو ضربة وقائية لإجبار إيران على التخلي عن قدراتها النووية. في اليوم نفسه، أفادت فوكس نيوز بأن ترامب يفكر في ضربات محدودة، مع خيارات أوسع تشمل استهداف خامنئي وابنه. كما أعلن البنتاغون نشر حاملتي طائرات “جيرالد فورد” و”أبراهام لينكولن” في المنطقة، مما يمثل أكبر تجمع عسكري أمريكي منذ غزو العراق 2003.
يبدو التلويح العسكري جزءاً من استراتيجية “الضغط الأقصى” لترامب، الذي حدد مهلة قصيرة (10-15 يوماً) للاتفاق، كما نقلت أكسيوس.
هذا النهج يهدف إلى دفع إيران نحو تنازلات، خاصة مع تقارير عن تقدم في المفاوضات المدعومة بعمان. ومع ذلك، قد يكون تمهيداً لتصعيد حقيقي إذا فشلت المفاوضات، إذ أكدت الغارديان أن عدم الاتفاق قد يؤدي إلى ضربات تستهدف المنشآت الحساسة أو حتى تغيير النظام. في سياق أوسع، يعكس هذا التوازن بين الدبلوماسية والقوة محاولة ترامب لتحقيق “صفقة أفضل” من اتفاق 2015، لكنه يخاطر بتصعيد إقليمي إذا اعتبرت إيران التهديدات جدية.
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور سمير سائر الباحث والمحلل السياسي، أن المقترح الأمريكي بالسماح لإيران بتخصيب نووي محدود يمثل خطوة يمكن أن تسهم في إبقاء الحوار مفتوحاً بين الطرفين، لكنه شدد على أن هذه الخطوة ليست حلاً نهائياً لمشكلة البرنامج النووي الإيراني، وإنما هي جزء من منظومة واسعة من الإجراءات التي يجب أن ترافقها رقابة دقيقة وضمانات واضحة.
وأشار إلى أن أي تقدم في هذا الملف يعتمد بشكل أساسي على مستوى الثقة بين واشنطن وطهران، مؤكداً أن غياب الثقة أو أي إخفاق في الالتزام بالضوابط الدولية قد يعيد الملف النووي إلى دائرة التوتر والتصعيد، ويزيد من المخاطر الإقليمية والدولية.
وأردف أن الطموح الحقيقي يكمن في إيجاد ترتيب متوازن يسمح لإيران بممارسة حقها في الطاقة النووية السلمية، مع حماية المجتمع الدولي من أي استخدام عسكري محتمل. وأكد أن الشفافية المستمرة في المفاوضات ومراقبة التقدم خطوة بخطوة هما السبيل الوحيد لتجنب أي تصعيد غير مرغوب فيه، مع الحفاظ على الفرصة أمام تهدئة محتملة في المنطقة.
من جانبه ، أوضح الدكتور أحمد حسني الباحث في الشؤون الدولية، أن أي حديث عن تخصيب نووي محدود لإيران يحتاج إلى تقييم دقيق، لأنه يفتح الباب أمام نقاشات جدية حول التوازن بين الحق الإيراني في الطاقة النووية السلمية وضرورة الحد من المخاطر العسكرية.
وأشار إلى أن الأمر لا يقتصر على الجانب الفني فحسب، بل يرتبط أيضاً بالأبعاد السياسية والإقليمية، مؤكداً أن نجاح أي ترتيب يعتمد على قدرة الطرفين على تجاوز الشكوك المتبادلة وبناء ثقة حقيقية، وإلا فإن أي خطوة من هذا النوع قد تتحول إلى سبب جديد للتوتر.
وأكد على أن الحلول المؤقتة قد تكون ضرورية لكسر الجمود الحالي في المفاوضات، لكن الطريق الأمثل هو التوصل إلى اتفاق طويل الأمد يضمن مراقبة دقيقة وشفافية كاملة، مع مراعاة المخاوف الدولية والإقليمية، بحيث يمكن أن يكون هذا الملف فرصة لإعادة بناء جسور الحوار بدل أن يتحول إلى مصدر تصعيد جديد.



