تقارير

مضيق هرمز.. صراع المسارات يهدد الملاحة العالمية

دخل مضيق هرمز مرحلة جديدة من الاضطراب رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما تحولت حرية الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى ملف معقد تحكمه اعتبارات عسكرية وسياسية متشابكة، وسط مخاوف متزايدة من عودة التوترات التي تهدد حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

وجاءت التطورات الأخيرة عقب إعلان الحرس الثوري الإيراني أن أي سفينة تعبر المضيق خارج المسارات التي تعتمدها طهران أو دون التنسيق مع قواته البحرية ستتحمل مسؤولية ما قد يترتب على ذلك من عواقب، في رسالة اعتبرها مراقبون محاولة لترسيخ نفوذ إيراني مباشر على حركة الملاحة.

ولم تمض ساعات على هذا التحذير حتى تعرضت سفينة حاويات ترفع علم سنغافورة لهجوم بطائرة مسيرة، في أول حادث من نوعه منذ توقيع الاتفاق، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تنفيذ ضربات محدودة ضد أهداف عسكرية إيرانية في محيط المضيق، مع تأكيدها أن العملية لا تمثل عودة إلى الحرب الشاملة.

ثلاثة مسارات لعبور مضيق هرمز

أبرز ما كشفته التطورات الأخيرة هو ظهور ثلاثة مسارات مختلفة لعبور السفن داخل مضيق هرمز، وهو ما خلق حالة غير مسبوقة من الارتباك أمام شركات الشحن العالمية.

ويشمل المسار الأول الممر الجنوبي المحاذي للمياه العمانية، بينما يتمثل الثاني في المسار التقليدي الذي كانت السفن تستخدمه قبل اندلاع الحرب، أما الثالث فيقع شمال المضيق ويخضع لإشراف مباشر من إيران، التي تصر على أن يكون العبور من خلاله أو بعد التنسيق مع سلطاتها البحرية.

ويرى خبراء النقل البحري أن وجود أكثر من مسار مع غياب جهة تنظيمية موحدة يزيد من احتمالات وقوع الحوادث، كما يرفع مستوى المخاطر الأمنية التي تواجه السفن التجارية.

إيران تتمسك بدور إداري في المضيق

ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار نص على التزام إيران ببذل أقصى جهد لضمان سلامة الملاحة، فإن طهران لا تبدو مستعدة للتخلي عن نفوذها داخل المضيق.

ويمنح أحد بنود الاتفاق، بحسب ما كشفته التطورات، إيران وسلطنة عمان دورًا في بحث آلية الإدارة المستقبلية للممر البحري، وهو ما تعتبره طهران أساسًا لممارسة دور رسمي في تنظيم حركة العبور.

وفي السياق ذاته، أنشأت إيران هيئة جديدة لإدارة المضيق، وأصدرت تعليمات تلزم السفن بالحصول على تفويض مسبق وتقديم طلبات إلكترونية للحصول على ضمانات مرور آمن، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة داخل قطاع النقل البحري.

شركات الشحن بين خطر الهجمات والعقوبات

أصبحت شركات الملاحة أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فاختيار المسارات التي لا تعترف بها إيران قد يعرض السفن لمخاطر أمنية، بينما قد يؤدي الالتزام بالمسار الإيراني إلى مخاوف من التعرض لعقوبات أمريكية أو غربية إذا انهار الاتفاق السياسي.

كما أدى استمرار الضبابية إلى إبطاء عودة حركة التجارة إلى مستوياتها الطبيعية، في وقت لا تزال فيه شركات التأمين تفرض أقساطًا مرتفعة على السفن العابرة للمضيق بسبب المخاطر الأمنية.

وتشير تقديرات قطاع الشحن إلى أن ملاك ناقلات النفط العملاقة ما زالوا يدفعون مبالغ ضخمة للحصول على تغطية تأمينية، بينما تشترط شركات التأمين تحديد مسار العبور مسبقًا قبل إصدار وثائق التأمين.

اضطراب في حركة الملاحة الدولية

وعقب الهجوم الأخير على إحدى سفن الحاويات، علقت المنظمة البحرية الدولية عمليات الإجلاء الإنساني المنسقة للسفن التجارية الموجودة داخل الخليج، كما فضلت عدة سفن العودة وعدم مواصلة رحلتها عبر المضيق إلى حين اتضاح المشهد الأمني.

ويرى مختصون في النقل البحري أن الاتفاق السياسي لم ينجح حتى الآن في إعادة الثقة إلى حركة الملاحة، مؤكدين أن الفجوة لا تزال كبيرة بين ما تم الاتفاق عليه دبلوماسيًا وبين الواقع الميداني داخل المضيق.

ومع استمرار وقف إطلاق النار، يبقى مستقبل الملاحة في مضيق هرمز رهينًا بقدرة واشنطن وطهران على تحويل الاتفاق السياسي إلى ترتيبات عملية تضمن سلامة السفن، وإلا فإن الممر النفطي الأهم في العالم قد يظل ساحة مفتوحة للتوترات، وسط تحذيرات من أن الأشهر المقبلة قد تشهد مزيدًا من الفوضى في إدارة أحد أكثر الممرات البحرية حساسية على مستوى العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى