تقارير

محلل أمريكي يعتبر حرب إيران خسارة لواشنطن.. واتفاق وقف إطلاق النار خطوة لتقليل الأضرار

يرى المحلل السياسي الأمريكي آدم جالاجر أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مثلت خسارة استراتيجية لواشنطن، بينما يشكل اتفاق وقف إطلاق النار مكسبًا سياسياً يحد من تداعيات الصراع، حتى وإن جاء بشروط تميل إلى صالح طهران.

وفي تحليل نشرته مجلة “ناشونال إنترست”، أكد جالاجر أن وصف اتفاق وقف إطلاق النار بأنه “استسلام أمريكي” لا يعكس حقيقة ما جرى، موضحًا أن الاتفاق يمثل اعترافًا عمليًا بعدم قدرة الولايات المتحدة على تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية القصوى بتكلفة مقبولة.

ويشير التقرير إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتخذت القرار الصحيح بإنهاء المواجهة العسكرية، معتبرًا أن وقف القتال قد يمهد لإنهاء صراع مكلف، سواء انتهى الأمر باتفاق شامل مع إيران أم لا، كما أنه يفتح الباب أمام مراجعة أوسع للسياسة الخارجية الأمريكية.

الحرب لم تحقق أهداف واشنطن

بحسب جالاجر، فإن الحرب كشفت محدودية القوة الأمريكية في تحقيق أهدافها داخل الشرق الأوسط، إذ فشلت واشنطن في فرض شروطها، بينما خرجت إيران محتفظة بمعظم أوراقها الاستراتيجية.

ويرى أن الولايات المتحدة بالغت لعقود في تقدير حجم التهديد الإيراني، مدفوعة إلى حد كبير بالمواقف الإسرائيلية، معتبرًا أنه لو لم تتوسع واشنطن عسكريًا وسياسيًا في الشرق الأوسط، لما امتلكت إيران القدرة على تهديد المصالح الأمريكية بصورة مباشرة.

ويضيف أن الصراع أدى إلى تعزيز الموقع الاستراتيجي لطهران، خاصة مع استمرار تأثيرها في أحد أهم الممرات التجارية وإمدادات الطاقة في العالم، في حين تكبدت الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي خسائر كبيرة.

تكلفة اقتصادية وبشرية مرتفعة

ويقدر التقرير أن الحرب ربما كلفت الولايات المتحدة ما يصل إلى 200 مليار دولار، إلى جانب سقوط ما لا يقل عن 13 جنديًا أمريكيًا، وتحمل واشنطن مسؤولية مقتل آلاف المدنيين في إيران ولبنان نتيجة العمليات العسكرية.

كما تسبب اضطراب إمدادات الطاقة، الذي وصفه التقرير بأنه الأكبر في التاريخ، في انعكاسات واسعة على أسعار الوقود والسلع داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى تداعيات اقتصادية امتدت إلى مختلف أنحاء العالم.

ويرى جالاجر أن هذه التطورات منحت الصين فرصة لتعزيز حضورها الدولي، عبر تقديم نفسها باعتبارها قوة استقرار عالمي، بالتوازي مع توسعها في قطاع الطاقة النظيفة.

هل تواجه واشنطن “لحظة السويس”؟

ويطرح التقرير تساؤلات حول ما إذا كانت الحرب مع إيران تمثل بالنسبة للولايات المتحدة ما مثلته أزمة السويس عام 1956 بالنسبة لبريطانيا وفرنسا، عندما كشفت تلك الأزمة تراجع نفوذ القوتين الاستعماريتين.

ويعتبر جالاجر أنه إذا دفعت هذه الحرب واشنطن إلى إعادة تقييم دورها العالمي، فإنها قد تتحول على المدى الطويل إلى نقطة تحول إيجابية للمصالح الأمريكية.

ثلاثة دروس استراتيجية للولايات المتحدة

حدد جالاجر ثلاثة دروس رئيسية ينبغي أن تستخلصها واشنطن من الحرب.

الدرس الأول يتمثل في ضرورة تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، معتبراً أن الانخراط العسكري المستمر استنزف الموارد الأمريكية وأدى إلى خسائر بشرية ومالية كبيرة، فضلاً عن مساهمته في زعزعة استقرار المنطقة.

وأشار إلى أن القواعد العسكرية الأمريكية الضخمة أثبتت محدودية فعاليتها، كما أن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، بحسب تعبيره، ساهم في توسيع دائرة الصراع، مؤكداً أن دول المنطقة أصبحت الأقدر على التعامل مع التحديات الأمنية المرتبطة بها.

أما الدرس الثاني، فيتمثل في التخلي عن سياسة السعي إلى الهيمنة العالمية، إذ يرى أن النظام الدولي يتجه نحو تعدد الأقطاب، وأن التطور التكنولوجي منح الدول الأصغر قدرات دفاعية تقلل من فعالية التفوق العسكري الأمريكي.

وأضاف أن الولايات المتحدة تتمتع بعوامل جغرافية واستراتيجية توفر لها مستوى مرتفعًا من الأمن، ما يقلل الحاجة إلى الانتشار العسكري الواسع حول العالم، داعيًا إلى تبني سياسة خارجية أكثر براغماتية تركز على حماية المصالح الوطنية.

ويتمثل الدرس الثالث في تسريع تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على النفط، موضحًا أن الحرب أثبتت استمرار تأثر الاقتصاد الأمريكي بتقلبات سوق الطاقة العالمية، بغض النظر عن حجم الإنتاج المحلي.

وأشار إلى أن أسعار النفط تحددها الأسواق العالمية، ما يجعل الولايات المتحدة عرضة لأي اضطرابات في مضيق هرمز أو غيره من الممرات الحيوية، معتبراً أن الاستثمار في الطاقة النظيفة يمثل خيارًا استراتيجيًا لتعزيز أمن الطاقة الأمريكي.

وقف إطلاق النار ليس الخسارة

ورغم اعترافه بأن اتفاق وقف إطلاق النار منح إيران مكاسب اقتصادية وسياسية، من بينها تخفيف الضغوط وفتح شريان اقتصادي بعد سنوات من العقوبات، يرى جالاجر أن انتقاد الاتفاق يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الخسارة وقعت بالفعل خلال الحرب، وليس عند توقيع الاتفاق.

ويؤكد أن الدول التي تخسر الحروب لا تفرض عادة شروط إنهائها، مشددًا على أن إنهاء الصراع يمثل خطوة ضرورية لإعادة توجيه السياسة الخارجية الأمريكية نحو تقليل الاعتماد على القوة العسكرية، والتركيز بصورة أكبر على الأولويات الداخلية والاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى