طفرة الذكاء الاصطناعي تهدد بإشعال أزمة مالية جديدة

تتزايد المخاوف من أن تتحول الطفرة الاستثمارية الهائلة في قطاع الذكاء الاصطناعي إلى مصدر لأزمة مالية مستقبلية، في ظل سباق الشركات الكبرى لبناء مراكز البيانات وتطوير البنية التحتية اللازمة لتشغيل التقنيات الحديثة، وسط تساؤلات بشأن قدرة الإيرادات المتوقعة على تبرير حجم الإنفاق الضخم.
ووفقًا لمقال رأي نشرته «بلومبرغ»، قد تتجاوز قيمة الاستثمارات المخطط لها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي 10 تريليونات دولار، إذا نُفذت جميع الخطط الحالية، مع اعتماد هذه الاستثمارات على مصادر تمويل متنوعة تشمل التدفقات النقدية للشركات، وإصدارات الأسهم والسندات، والديون الخاصة، والتزامات الإيجار خارج الميزانيات العمومية، فضلًا عن الضمانات التي تقدمها شركات التكنولوجيا الكبرى وشركة «إنفيديا» لمطوري مراكز البيانات.
سباق الشركات يرفع مخاطر الإفراط في الاستثمار
تتمثل إحدى أبرز المخاطر في احتمال ضخ استثمارات تفوق احتياجات السوق الفعلية، نتيجة المنافسة الشديدة بين الشركات التي تسعى إلى ترسيخ مكانتها في سوق الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي.
ويشارك في هذا السباق ما لا يقل عن 7 أو 8 شركات تطمح إلى أن تصبح من كبار مزودي خدمات الحوسبة، لكن من المرجح ألا يتمكن سوى شركتين أو ثلاث من الحفاظ على مواقع متقدمة في السوق، مع استفادة الشركات الأكبر من وفورات الحجم وتأثيرات الشبكة.
وقد يؤدي هذا التركز إلى تراجع فرص الشركات الأخرى في استرداد استثماراتها، خصوصًا إذا لم تتمكن من جذب عدد كافٍ من العملاء أو تحقيق إيرادات تتناسب مع حجم الإنفاق.
3 تريليونات دولار إيرادات سنوية مطلوبة
لا تتوقف المخاوف عند حجم الاستثمارات، بل تمتد إلى مدى قدرة قطاع الذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد مالية مناسبة.
فبسبب سرعة انخفاض قيمة مراكز البيانات ومعداتها نتيجة الإهلاك والتطور التكنولوجي، قد يحتاج القطاع إلى تحقيق إيرادات سنوية تبلغ 3 تريليونات دولار أو أكثر حتى يتمكن من توفير عائد مناسب على رأس المال المستثمر.
ويثير ذلك تساؤلات حول ما إذا كان الطلب المستقبلي على خدمات الذكاء الاصطناعي سيكفي لتغطية التكاليف الضخمة، أم أن الشركات ستجد نفسها أمام أصول واستثمارات لا تحقق العائد المتوقع منها.
هل تتكرر أزمة 2008 المالية؟
يحذر المقال من أن انهيار طفرة الذكاء الاصطناعي قد لا يقتصر تأثيره على تراجع أسهم شركات التكنولوجيا، بل يمكن أن يمتد إلى المؤسسات والجهات المقرضة التي مولت هذا التوسع.
ويستحضر هذا السيناريو الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي تفاقمت بعد انخفاض قيمة العقارات المستخدمة ضمانًا للقروض، وما ترتب على ذلك من تراجع الإقراض المدعوم بهذه الأصول.
لكن المقال يرى أن احتمالات تكرار أزمة عالمية بالحجم نفسه تبدو محدودة نسبيًا، لعدة أسباب، أبرزها أن المخاوف بشأن احتمال انهيار طفرة الذكاء الاصطناعي أصبحت مطروحة بالفعل أمام المستثمرين، بخلاف ما حدث في المراحل الأولى من أزمة الرهن العقاري الأمريكية، عندما اعتُبرت بعض الأصول المالية عالية المخاطر استثمارات آمنة.
التمويل طويل الأجل يقلل مخاطر البيع الاضطراري
يختلف تمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، وفقًا للمقال، عن جانب مهم من آليات التمويل التي ساهمت في تفاقم أزمة 2008.
ففي الأزمة السابقة، جرى تمويل أصول طويلة الأجل يصعب تسييلها، مثل التزامات الدين المضمونة بأصول، من خلال التزامات قصيرة الأجل، ما جعل المقترضين عاجزين عن تجديد التمويل عندما تراجعت الثقة في قيمة الأصول.
وأدى ذلك إلى عمليات بيع اضطراري بأسعار منخفضة، تسببت في مزيد من تراجع الأسعار والتعثر المالي.
أما في طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية، فيمتد جزء كبير من التمويل إلى آجال أطول تتناسب بصورة أفضل مع طبيعة الأصول الممولة، كما يمتلك المستثمرون المؤسسيون وشركات التأمين قدرة أكبر على الاحتفاظ باستثماراتهم خلال فترات الضغوط.
وتتمتع شركات الملكية الخاصة أيضًا بإمكانية تقييد عمليات استرداد الأموال في بعض الحالات، وهو ما يقلل احتمالات حدوث موجة واسعة من عمليات البيع الاضطراري.
التزامات غير واضحة وضمانات تثير القلق
رغم اختلاف هيكل التمويل، يلفت المقال إلى وجود مخاطر يصعب تقييمها بدقة، خصوصًا فيما يتعلق بحجم الالتزامات المالية بين الشركات والجهات المقرضة، ومدى تأثرها إذا تراجعت توقعات الأرباح أو ساءت ظروف التمويل.
وتكمن المشكلة في أن جزءًا من التمويل يتم عبر ترتيبات معقدة وغير شفافة، تشمل عقود تأجير لا تظهر التزاماتها بالكامل في الميزانيات العمومية قبل اكتمال إنشاء مراكز البيانات.
كما تظهر مخاطر تُعرف باسم «الاتجاه الخاطئ»، عندما تتدهور قدرة الطرف المقدم للضمان على الوفاء بالتزاماته في الوقت الذي تصبح فيه هذه الضمانات أكثر أهمية.
ومن الأمثلة على ذلك الضمانات التي تقدمها «إنفيديا» بشأن القيمة المستقبلية للرقائق، إذ قد تتعرض هذه الالتزامات لضغوط في الوقت نفسه الذي تنخفض فيه أسعار الرقائق وتتراجع هوامش أرباح الشركة.
مطالب بتشديد الرقابة وتعزيز الشفافية المالية
يقترح المقال اتخاذ مجموعة من الإجراءات للحد من المخاطر المحتملة، في مقدمتها منح الجهات التنظيمية لأسواق الأوراق المالية صلاحيات واضحة لحماية الاستقرار المالي، خاصة أن جانبًا كبيرًا من التمويل يتم خارج النظام المصرفي التقليدي.
كما يدعو إلى تعزيز الشفافية بشأن الجهات التي تقدم التمويل، وحجم الالتزامات المتبادلة، وشروط الضمانات، والظروف التي قد تؤدي إلى تفعيلها، بما يساعد المستثمرين والوسطاء الماليين على تقييم المخاطر بصورة أفضل.
وتشمل المقترحات أيضًا مراجعة الممارسات المحاسبية لضمان إظهار الالتزامات الفعلية والمحتملة بصورة أكثر دقة، إلى جانب فرض إفصاحات أوسع على مؤسسات الائتمان الخاص غير المصرفية، التي تتمتع حاليًا بمستويات أقل من الشفافية مقارنة بالبنوك الخاضعة للرقابة.
ويخلص المقال إلى أن ضخامة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي تجعل الاستعداد المبكر ضرورة لتجنب انتقال مخاطر القطاع إلى النظام المالي الأوسع، مؤكدًا أن توفير معلومات دقيقة عن الالتزامات والضمانات ومصادر التمويل يساعد على اكتشاف الاختلالات قبل تحولها إلى أزمة مالية.



