ثلاث جبهات تضع واشنطن أمام اختبار صعب

كتبت/ منار حجاج
بين حرب مستمرة في أوكرانيا، وتصاعد التوتر مع إيران في الشرق الاوسط، ومنافسة استراتيجية محتدمة مع الصين في آسيا، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام اختبار غير مسبوق لقدرتها على إدارة ثلاث جبهات متزامنة في وقت واحد.
ورغم ما تمتلكه واشنطن من تفوق عسكري وشبكة تحالفات واسعة، فإن تشابك هذه الملفات يفرض ضغوطًا متزايدة علي صانع القرار الأمريكي ، ويثير تساؤلات حول مدى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على دورها القيادي عالميًا دون الوقوع في فخ الاستنزاف أو الانخراط في صراعات اوسع.
فهل تستطيع مواصلة سياسة الردع واحتواء الخصوم على أكثر من جبهة في آن واحد؟ أم أن تزايد الأزمات المتزامنة سيجبرها على إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية؟
وفي هذا السياق، يوضح الخبير في العلاقات الدولية محمد اليمنى، إن الولايات المتحدة تمر بواحدة من أكثر المراحل تعقيدا منذ نهاية الحرب الباردة، إذ تواجه ثلاثة ملفات استراتيجية متزامنة ومترابطة، ما يفرض عليها تحديات متزايدة في إدارة الموارد وتحديد الأولويات، مع السعي إلى احتواء الأزمات وتجنب الانزلاق إلى مواجهات عسكرية واسعة.
يقول الخبير في العلاقات الدولية محمد اليمنى لـ “داي نيوز” تشهد الولايات المتحدة واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا منذ نهاية الحرب الباردة، إذ تجد نفسها أمام ثلاثة ملفات استراتيجية متزامنة تختلف في طبيعتها الجغرافية والعسكرية والاقتصادية، لكنها مترابطة بصورة مباشرة في إطار المنافسة على النظام الدولي.
فمن جهة، تواصل واشنطن قيادة الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا في مواجهة روسيا، ومن جهة ثانية تواجه تصاعدًا مستمرًا في التوتر مع إيران في الشرق الأوسط، بينما تعتبر الصين التحدي الاستراتيجي الأكبر والأطول أمدًا لمكانتها العالمية.
ورغم أن الولايات المتحدة تمتلك أكبر ميزانية دفاعية في العالم، وأوسع شبكة تحالفات، وأقوى منظومة استخباراتية ولوجستية، فإن إدارة ثلاث أزمات بهذا الحجم في وقت واحد تفرض عليها ضغوطًا متزايدة على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتجبر صانع القرار الأمريكي على إعادة توزيع الموارد والأولويات بصورة مستمرة.
استرتيجية أمريكية لتجنب المواجهة المباشرة
ويتابع محمد اليمني، يمكن القول إن الولايات المتحدة ما تزال تمتلك القدرة المؤسسية والعسكرية على إدارة هذه الملفات، لكنها لم تعد قادرة على إدارتها بنفس مستوى الكفاءة الذي كانت تتمتع به خلال العقود الماضية.
فالاستراتيجية الأمريكية الحالية تقوم على مبدأ “إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى حرب عالمية”، أي تقديم الدعم للحلفاء، وردع الخصوم، مع تجنب الانخراط المباشر في حروب واسعة تستنزف القدرات الأمريكية كما حدث في العراق وأفغانستان.
في أوكرانيا، تعمل واشنطن على استمرار استنزاف القدرات العسكرية الروسية عبر الدعم العسكري والاستخباراتي والاقتصادي لكييف دون الدخول المباشر في الحرب.
وفي الشرق الأوسط، تسعى إلى احتواء إيران ومنعها من تطوير قدراتها النووية أو توسيع نفوذها الإقليمي، مع الحفاظ على أمن إسرائيل وحرية الملاحة في الخليج والبحر الأحمر.
أما في آسيا، فتركز على احتواء الصعود الصيني عبر تعزيز التحالفات مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين والهند، إضافة إلى تكثيف الوجود العسكري في المحيطين الهندي والهادي.
لكن المشكلة الأساسية أن هذه الملفات الثلاثة ليست منفصلة؛ بل إن أي تصعيد في أحدها ينعكس مباشرة على الملفين الآخرين، وهو ما يزيد من تعقيد عملية صنع القرار الأمريكي.
إعادة ترتيب الأولويات بين الجبهات الثلاث
ويشير اليمني إلى أنه أصبح ضرورة استراتيجية أن ترتب الإدارة الأمريكية أولوياتها بين أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة آسيا والمحيط الهادي، وليس مجرد خيار سياسي.
فالولايات المتحدة كانت قد أعلنت منذ سنوات أن منطقة آسيا والمحيط الهادي تمثل الأولوية الأولى في استراتيجيتها الكبرى، باعتبار أن الصين هي المنافس الوحيد القادر على تهديد القيادة الأمريكية عالميًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا وعسكريًا.
لكن اندلاع الحرب في أوكرانيا أعاد أوروبا إلى صدارة الاهتمام الأمريكي، ثم جاء التصعيد مع إيران ليعيد الشرق الأوسط إلى واجهة الأولويات الأمنية.
وهذا يعني أن واشنطن أصبحت مضطرة لتقسيم مواردها العسكرية والدبلوماسية بين ثلاث ساحات رئيسية، وهو أمر يرفع تكلفة القيادة الأمريكية للنظام الدولي.
كما أن الانتشار العسكري الأمريكي بات أكثر اتساعًا، سواء في أوروبا الشرقية أو الخليج أو شرق آسيا، ما يفرض أعباء مالية ولوجستية ضخمة على وزارة الدفاع الأمريكية.
ومن هنا فإن الإدارة الأمريكية تحاول الاعتماد بصورة أكبر على الحلفاء الإقليميين لتقاسم الأعباء، سواء عبر زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي داخل الناتو، أو تعزيز الدور الإسرائيلي والخليجي في الشرق الأوسط، أو توسيع الشراكات الأمنية في آسيا.
الصين.. التحدي الاستراتيجي الأبرز لواشنطن
ويوضح الخبير في العلاقات الدولية أن القيادة الأمريكية تدرك أن الصين هي المنافس الأخطر على المدى الطويل، لكن استمرار الحرب في أوكرانيا والتوتر في الشرق الأوسط يستهلك جزءًا كبيرًا من الموارد العسكرية الأمريكية.
فعلى سبيل المثال، الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية التي يتم إرسالها إلى أوكرانيا أو نشرها في الشرق الأوسط هي نفسها التي قد تحتاجها الولايات المتحدة في أي مواجهة محتملة مع الصين حول تايوان.
كما أن الصناعات الدفاعية الأمريكية تواجه ضغوطًا كبيرة لتلبية احتياجات عدة جبهات في الوقت نفسه، وهو ما أدى إلى زيادة الإنفاق على توسيع خطوط الإنتاج العسكري.
إضافة إلى ذلك، فإن انشغال واشنطن بأوكرانيا وإيران يمنح الصين مساحة زمنية لتعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، والاستمرار في تحديث جيشها وبناء أسطولها البحري، وتعميق نفوذها في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ومن زاوية أخرى، تستفيد بكين من استنزاف الولايات المتحدة دون الدخول في مواجهة مباشرة، وهو ما ينسجم مع الاستراتيجية الصينية القائمة على المنافسة طويلة الأمد.
تداعيات اقتصادية تتجاوز حدود الولايات المتحدة
ويؤكد اليمني أن استمرار هذه الأزمات قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية واسعة تتجاوز الولايات المتحدة لتشمل الاقتصاد العالمي بأكمله.
أولًا، أسواق الطاقة ستظل شديدة الحساسية لأي تصعيد في الخليج، خاصة إذا تعرضت حركة الملاحة في مضيق هرمز أو البحر الأحمر لأي اضطرابات، وهو ما قد يدفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات مرتفعة ويزيد معدلات التضخم عالميًا.
ثانيًا، استمرار الحرب في أوكرانيا يفرض ضغوطًا على أسواق الغذاء والأسمدة والحبوب، خصوصًا بالنسبة للدول النامية.
ثالثًا، التوتر بين الولايات المتحدة والصين يؤدي إلى تسارع عملية إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، حيث تتجه الشركات إلى تنويع مواقع الإنتاج وتقليل الاعتماد على الصين، وهو ما يرفع تكاليف الإنتاج عالميًا.
رابعًا، زيادة الإنفاق العسكري الأمريكي والأوروبي تأتي على حساب بعض بنود التنمية والاستثمار، كما ترفع مستويات الدين العام والعجز المالي.
خامسًا، تزايد العقوبات الاقتصادية المتبادلة بين القوى الكبرى يؤدي إلى انقسام النظام الاقتصادي العالمي تدريجيًا، وظهور تكتلات مالية وتجارية متنافسة، بما في ذلك استخدام العملات المحلية في المبادلات التجارية بدلًا من الدولار في بعض الحالات.
تحالفات واشنطن بين التماسك وتباين المصالح
ويستكمل اليمني، حتى الآن ما تزال الولايات المتحدة تمتلك شبكة تحالفات هي الأقوى عالميًا، لكن مؤشرات التباين بدأت تظهر بصورة أوضح.
في أوروبا، لا تزال دول الناتو موحدة في دعم أوكرانيا، إلا أن هناك اختلافات بشأن حجم الإنفاق العسكري، ومدى استمرار الدعم، وكيفية إنهاء الحرب.
وفي الشرق الأوسط، تختلف أولويات الحلفاء؛ فبعضهم يركز على احتواء إيران، بينما يمنح آخرون الأولوية للاستقرار الاقتصادي وتجنب الحرب الشاملة.
أما في آسيا، فالدول الحليفة تدعم سياسة الردع تجاه الصين، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بعلاقات اقتصادية وتجارية واسعة مع بكين، ما يجعلها حذرة من الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.
كما أن العديد من دول الجنوب العالمي أصبحت تتبنى سياسات أكثر استقلالية، وترفض الاصطفاف الكامل مع أي من المعسكرين، وهو ما يحد من قدرة واشنطن على بناء إجماع دولي واسع كما كان الحال في مراحل سابقة.
ويختتم الخبير حديثه، السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار سياسة “الاحتواء مع الردع”، وليس الانتقال إلى مواجهة عالمية مباشرة.
فالإدارة الأمريكية تدرك أن فتح حرب واسعة مع إيران أو الصين بالتزامن مع استمرار الحرب في أوكرانيا سيحمل تكاليف استراتيجية واقتصادية هائلة.
لذلك من المرجح أن تواصل واشنطن العمل على عدة مسارات متوازية:
استمرار دعم أوكرانيا عسكريًا وسياسيًا مع البحث عن فرص لتثبيت خطوط القتال أو فتح مسارات تفاوض إذا توفرت الظروف المناسبة.
الحفاظ على سياسة الردع تجاه إيران مع استخدام الضغوط العسكرية والعقوبات والدبلوماسية لمنع التصعيد إلى حرب إقليمية شاملة.
مواصلة تعزيز الوجود العسكري والتحالفات في منطقة آسيا والمحيط الهادي لاحتواء الصين دون السعي إلى مواجهة مباشرة.
ومع ذلك، يبقى الخطر الأكبر في إمكانية وقوع خطأ في الحسابات أو حادث عسكري غير مقصود في أي من هذه الساحات، قد يؤدي إلى تصعيد يصعب احتواؤه.
مستقبل القيادة الأمريكية على المحك
تقف الولايات المتحدة اليوم أمام اختبار استراتيجي غير مسبوق يتمثل في إدارة ثلاث ساحات تنافس وصراع في وقت واحد. ورغم ما تمتلكه من تفوق عسكري وشبكة تحالفات واسعة، فإن استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوتر مع إيران، وتصاعد المنافسة مع الصين، يفرض عليها تحديات متزايدة في توزيع الموارد والحفاظ على تماسك التحالفات وتجنب الاستنزاف طويل الأمد.
وخلال الأشهر المقبلة، سيظل الخيار الأمريكي المفضل هو الجمع بين الردع والاحتواء والدبلوماسية، إلا أن هشاشة البيئة الدولية، وتعدد بؤر التوتر، يعنيان أن أي تطور مفاجئ قد يعيد رسم أولويات واشنطن ويزيد من احتمالات التصعيد الإقليمي والدولي.



