تقارير

هل تخضع أوروبا للضغط الأمريكي وتدخل حرب إيران بشكل مباشر ؟

مع إنتهاء الأسبوع الأول تحولت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران إلى أزمة عالمية، تضع أوروبا أمام اختبار قاسٍ. الاتحاد الأوروبي، الذي يعاني من انقسامات داخلية بسبب الحر على إيران ، يواجه ضغوطاً أمريكية للانضمام، مقابل تهديدات إيرانية بأن أي تورط سيجعل الأوروبيين “أهدافاً مشروعة”.

أوروبا في المنتصف بين الضغط الأمريكي والتهديد الإيراني

مع استمرار الضربات الجوية على طهران وإغلاق مضيق هرمز، أدى الصراع إلى ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 30% في أوروبا، مما يهدد الاقتصادات المتعثرة بالفعل.

اقرأ أيضاً :وساطة صينية مرتقبة لإنهاء الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل

الاتحاد الأوروبي أصدر بيانات تدين هجمات إيران على دول الخليج غير المتورطة، لكنه يرفض التورط المباشر، مشدداً على “العودة إلى الدبلوماسية”. ومع ذلك، يظهر الانقسام بوضوح فدول مثل بريطانيا وفرنسا تقدم دعماً دفاعياً، بينما إسبانيا تقود جبهة الرفض.

إيران حذرت صراحة أي دولة تنضم إلى العدوان ستكون هدفاً”. هذا يعكس مخاوف أوروبية من تصعيد يشمل روسيا، حليف إيران، خاصة مع اكتشاف أجهزة روسية في هجمات على قبرص.

إسبانيا تتحدى ترامب

تبرز إسبانيا كمعارض أوروبي للحرب، مستخدمة شعار “لا للحرب” الذي يعود إلى احتجاجاتها ضد غزو العراق عام 2003. رئيس الوزراء بيدرو سانشيز رفض السماح للطائرات الأمريكية باستخدام قواعد إسبانية، معتبراً الحرب “انتهاكاً للقانون الدولي”. هذا أثار غضب ترامب، الذي هدد بقطع التجارة، لكن سانشيز رد: “لن نكون متواطئين خوفاً من العقوبات”.

و يعكس هذا الموقف مخاوف اقتصادية داخلية، خاصة مع اعتماد إسبانيا على الطاقة، ويجعلها نموذجاً لدول مثل أيرلندا ونمسا التي تشاركها الرأي دون صراحة مماثلة. مع ذلك، أرسلت إسبانيا فرقاطة إلى قبرص للدفاع، مما يظهر توازناً بين الرفض والحماية.

فرنسا: الدعم الدفاعي مع الحذر الدبلوماسي

فرنسا تتبنى موقفاً دفاعياً نشطاً، لكنها ترفض التورط الهجومي. الرئيس إيمانويل ماكرون أعلن نشر حاملة الطائرات “شارل ديجول” والمقاتلات في شرق المتوسط، إلى جانب أنظمة دفاع جوي في قبرص والإمارات.

يبرر ذلك بـ”حماية المصالح الفرنسية”، مع الإشارة إلى أن الضربات الأمريكية – الإسرائيلية “خارج القانون الدولي”.

و يعكس هذا التزام فرنسا باتفاقات دفاعية مع دول الخليج، لكنه يهدف إلى تجنب تصعيد يؤثر على أوروبا. فرنسا تدعو مع ألمانيا وبريطانيا إلى مفاوضات، لكن هجمات إيران على قواعد أوروبية دفعتها للرد.

ألمانيا: الدعم المعنوي دون التورط العسكري

ألمانيا ترفض المشاركة في الضربات أو تغيير النظام، لكنها تدعم أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل ضد البرنامج النووي الإيراني. المستشار فريدريش ميرز حذر من “انهيار إيران” الذي قد يؤدي إلى تدفق مهاجرين واضطرابات طاقة في أوروبا. وذلك يؤكد على حذر ألمانيا التاريخي من الحروب، مع التركيز على الدبلوماسية. ومع ذلك، صمتها عن شرعية الضربات يثير انتقادات داخلية، خاصة مع دعمها لإسرائيل.

لماذا تدخلت أذربيجان في هذه الحرب ؟

أذربيجان، التي تقع جغرافياً بين أوروبا وآسيا، أصبحت متورطة مباشرة بعد هجمات إيرانية بطائرات مسيرة على ناختشيفان، مما أصاب أربعة مدنيين. الرئيس إلهام علييف وصفها بـ”الإرهاب” وأمر الجيش بالرد، وسحب الدبلوماسيين من طهران.

ويعكس ذلك علاقات أذربيجان الوثيقة مع إسرائيل (مورد نفط رئيسي) وتركيا مخاوف إيران من استخدام أراضيها ضد طهران، لكن باكو ترفض ذلك رسمياً. هذا يوسع الصراع خارج الشرق الأوسط، مع مخاوف من تورط روسيا أو تركيا.

كيف يرى الخبراء موقف أوروبا من هذا التصعيد ؟

وفي سياق متصل أكد الدكتور إيفان أوس، المحلل السياسي، في تصريحات خاصة لداي نيوز، أن الانقسامات داخل موقف الاتحاد الأوروبي، ولا سيما موقف إسبانيا، يمكن تفسيرها من خلال رؤية عدد من الدول الأوروبية أن التصعيد في الشرق الأوسط جاء نتيجة الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وليس نتيجة هجوم إيراني مباشر.

وأوضح أن هذا التصور يجعل من الصعب على بعض الدول الأوروبية تقديم دعم مطلق لواشنطن وتل أبيب، مشيرًا إلى أن إسبانيا تُعد من أبرز الدول التي تتخذ موقفًا أكثر حذرًا، حيث تحاول التأكيد على أنها لا تقدم دعمًا كاملًا لكل ما يحدث في إطار هذه المواجهة. وأضاف أن هذه الدول تعلن دعمها للشعب الإيراني، بل وتُظهر تعاطفًا مع فكرة التغيير داخل إيران، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن يكون ما يجري محاولة من الولايات المتحدة لتعزيز نفوذها العالمي وفرض رؤيتها السياسية على أوروبا.

وأشار أوس إلى أن الدول الأوروبية لا تنظر بإيجابية إلى فكرة أن تملي عليها الولايات المتحدة ما يجب أن تفعله، لافتًا إلى أن هذا الشعور يتعزز في ظل ارتباط الصراع أيضًا بالمصالح الإسرائيلية. وأضاف أن العديد من الدول الأوروبية تشهد ضغوطًا داخلية متزايدة بسبب الوضع في قطاع غزة، حيث تسبب ما يجري هناك في تنامي الانتقادات الموجهة لإسرائيل داخل المجتمعات الأوروبية، الأمر الذي يجعل مسألة دعمها سياسيًا أكثر تعقيدًا بالنسبة للحكومات الأوروبية.

وأضاف أن دعم إسرائيل في ظل الوضع الإنساني والسياسي في غزة، إلى جانب دعم الولايات المتحدة في ظل محاولاتها فرض رؤيتها على أوروبا، يضع بعض الدول الأوروبية في موقف حساس. ولفت إلى أن هناك أمثلة سابقة تثير الحذر الأوروبي من الضغوط الأمريكية، مستشهدًا بالجدل الذي أثير حول جزيرة غرينلاند عندما أبدت الولايات المتحدة رغبتها في السيطرة عليها، رغم أنها تابعة لمملكة الدنمارك، وهي دولة أوروبية. وأوضح أنه رغم أن غرينلاند لم تعد جزءًا من الاتحاد الأوروبي منذ الاستفتاء الذي جرى عام 1982، فإنها لا تزال إقليمًا تابعًا للدنمارك، ما يجعل القضية ذات حساسية خاصة بالنسبة للأوروبيين.

وأكد المحلل السياسي أن أحد أكبر التهديدات التي قد تواجه الاقتصاد العالمي يتمثل في احتمال إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، موضحًا أن هذا المضيق يُعد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، حيث يمر عبره ما بين 20 إلى 30 في المئة من النفط العالمي، إضافة إلى نحو 33 في المئة من الغاز الطبيعي، بما في ذلك الغاز الطبيعي المسال القادم من قطر.

وأضاف أن منطقة الخليج تُعد من أغنى مناطق العالم بمصادر الطاقة، موضحًا أنه إذا نظرنا إلى خريطة احتياطيات النفط العالمية نجد أن فنزويلا تحتل المرتبة الأولى، تليها السعودية في المرتبة الثانية، ثم إيران في المرتبة الثالثة. أما فيما يتعلق باحتياطيات الغاز الطبيعي، فتأتي روسيا في المرتبة الأولى عالميًا، ثم إيران في المرتبة الثانية، تليها دولة قطر في المرتبة الثالثة. وهذا يعني أن اثنتين من الدول الثلاث الأولى في العالم في مجال النفط والغاز تقعان في هذه المنطقة الحيوية.

وأشار أوس إلى أن الأسواق العالمية بدأت بالفعل في إظهار تأثير هذه التطورات، موضحًا أنه قبل بدء العمليات العسكرية أو اندلاع الحرب بشكل واسع يوم السبت الماضي، كانت أسعار النفط قد ارتفعت إلى نحو 73.50 دولارًا للبرميل. أما الآن فقد وصلت إلى ما يقارب 93 دولارًا للبرميل، أي بزيادة قدرها نحو 20 دولارًا خلال الأسبوع الأول فقط من الحرب واسعة النطاق في الشرق الأوسط.

وأوضح أن التطورات المقبلة ستعتمد بدرجة كبيرة على ما إذا كانت إيران ستتمكن فعليًا من إغلاق مضيق هرمز أم لا. وأضاف أن المهمة الرئيسية للأسطول الأمريكي والقوات الجوية التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل في الوقت الراهن تتمثل في تدمير منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، بهدف ضمان بقاء المضيق مفتوحًا، نظرًا لتأثيره المباشر على الاقتصاد العالمي.

وتابع أن هذه التطورات تنعكس أيضًا على الاقتصاد الأوروبي، مشيرًا إلى أن أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا تبلغ حاليًا نحو 60 يورو لكل وحدة غاز. وأوضح أن هذا الارتفاع يُعد ملحوظًا، لكنه لا يزال أقل بكثير من الارتفاع الكبير الذي شهدته الأسعار في أغسطس عام 2022، عندما وصلت إلى مستويات قياسية، إذ كانت أعلى بنحو ستة أضعاف من المستوى الحالي.

وأشار إلى أن الأسعار قد تنخفض لاحقًا إذا كانت التوقعات تشير إلى أن الأزمة لن تستمر لفترة طويلة، لكن إذا طال أمد الصراع أكثر مما هو متوقع، فمن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى مزيد من الضغوط على أسعار الطاقة.

وشدد أوس على أن على أوروبا التفكير بجدية في تنويع مصادر الطاقة التي تعتمد عليها، مؤكدًا أن هذا لا يعني بالضرورة العودة إلى الاعتماد على روسيا، نظرًا لاستمرار المخاطر السياسية المرتبطة بذلك، بل يتطلب البحث عن بدائل أخرى مثل الجزائر والنرويج والولايات المتحدة، فضلًا عن أستراليا التي تمتلك أيضًا موارد طاقة كبيرة.

وأوضح أن الاتحاد الأوروبي قد يحتاج إلى إعداد ما يمكن وصفه بـ”الخطة البديلة” في حال تعذر استمرار تدفق مصادر الطاقة من الشرق الأوسط كما كان الحال خلال العقود الماضية.

وأشار إلى أن موقف إسبانيا الرافض للانخراط الكامل في دعم العمليات العسكرية يسبب قدرًا أكبر من التوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة، متوقعًا أن تشهد الفترة المقبلة نقاشات صعبة بين الإدارة الأمريكية ومدريد، وكذلك بين بروكسل والحكومة الإسبانية، من أجل تحديد الموقف الأوروبي النهائي من الأزمة.

وأضاف أن الاتحاد الأوروبي يواجه معضلة حقيقية تتمثل في تحديد ما إذا كان سيتخذ موقفًا قد يقوده إلى خلاف مع الولايات المتحدة بسبب تطورات الشرق الأوسط، أم سيحافظ على موقعه التقليدي كحليف رئيسي لواشنطن.

وأوضح أن الكثير سيعتمد في النهاية على طريقة تعامل الولايات المتحدة مع حلفائها الأوروبيين، مشيرًا إلى أنه إذا استمرت واشنطن في الضغط على أوروبا، وفي الوقت نفسه أعادت طرح فكرة السيطرة على غرينلاند، بينما تطلب في الوقت ذاته دعمًا أوروبيًا في عملياتها العسكرية، فإن ذلك قد يؤدي إلى توترات سياسية كبيرة داخل المعسكر الغربي.

وأشار إلى أن بعض الدول الأوروبية قد تربط دعمها للولايات المتحدة بوقف الحديث عن قضية غرينلاند، مؤكدًا أن مثل هذه الملفات الحساسة يمكن أن تؤثر على طبيعة العلاقات بين الجانبين.

وفيما يتعلق بدور أذربيجان، أكد أوس أنها يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تعويض جزء من النفط والغاز الذي يأتي من الشرق الأوسط. وأوضح أن أذربيجان تمتلك بنية تحتية متطورة لنقل الطاقة، حيث يمر النفط والغاز الأذربيجاني عبر جورجيا إلى تركيا، ومن تركيا يمكن نقله إلى أوروبا.

وأضاف أن تركيا تسعى بالفعل إلى التحول إلى مركز إقليمي كبير لتجارة الطاقة، وهو ما يمنح أذربيجان فرصة لتعزيز دورها في دعم أمن الطاقة الأوروبي. كما أشار إلى أن أذربيجان يمكن أن تشكل جسرًا جيوسياسيًا بين الشرق الأوسط وأوروبا في ظل التطورات الحالية.

ولفت إلى أن بعض المراقبين باتوا يتحدثون مازحين عن أن أحد مراكز التأثير في السياسة العالمية أصبح في باكو، عاصمة أذربيجان، وهو ما يعكس احتمالات تزايد الدور الدولي لهذا البلد خلال المرحلة المقبلة.

وفي سياق آخر، أشار أوس إلى أن مسألة الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي تُطرح منذ سنوات طويلة داخل النقاشات السياسية في أوروبا، لكنها عادت بقوة إلى الواجهة بعد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتصريحاته التي ألمح فيها إلى احتمال تقليص الدعم الأمريكي لأوروبا.

وأوضح أن أوروبا اعتادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الاعتماد على المظلة الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة، دون التفكير بشكل جدي في بناء قدرات دفاعية مستقلة. إلا أن التطورات الحالية قد تدفع الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في هذا النهج.

وأشار إلى أنه في حال تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا، قد تتجه الدول الأوروبية إلى التفكير في إنشاء قوات عسكرية أوروبية مشتركة تكون بديلًا لحلف شمال الأطلسي.

وأضاف أنه في حال استمرار الانتقادات الأمريكية لحلف الناتو، فقد تفكر أوروبا في إقامة تحالف أمني جديد لا تكون الولايات المتحدة جزءًا منه، وربما يضم دولًا مثل كوريا الجنوبية واليابان إلى جانب الدول الأوروبية.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن على أوروبا التفكير بجدية في تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، والعمل على تقليص التأثير الذي يمكن أن تمارسه السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط على الاقتصاد الأوروبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى