السلام الأوكراني.. من يملك مفتاح الحل ومن يغلق الأبواب

كتبت: منار حجاج
حرب تجاوزت حدود أوكرانيا، فلم تعد المواجهة بين موسكو وكييف صراعًا على الأرض فقط،بل تحولت إلى اختبار موازين القوى الدولية ومستقبل الأمن الأوروبي ودور القوى الكبرى في رسم خريطة النظام العالمي.
ومع تزايد الدعوات إلى التفاوض وتبادل الرسائل السياسية والعسكرية، يبرز سؤال جوهري: من يملك مفتاح إنهاء الحرب؟ ومن يضع الشروط التي تُبقى أبواب السلام مواربة أو مغلقة؟ وفي ظل تضارب المصالح بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة وأوروبا، يبقى السلام هدفًا معلنًا للجميع، لكنه ما زال بعيدًا عن التحقق الكامل..
وفي هذا السياق يقول ديمتري بريجع، مدير بمركز الدراسات العربية الأوراسية: اعتقد لم تعد الأزمة الأوكرانية مجرد حرب بين موسكو وكييف، بل تحولت إلى اختبار واسع لموازين القوى في أوروبا، ومستقبل النظام الأمني الغربي، ومدى قدرة الولايات المتحدة على فرض تسوية في نزاع تتداخل فيه الجغرافيا، والهوية، والطاقة، والعقوبات، والرهانات الانتخابية، وحسابات الردع النووي.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط متى تبدأ المفاوضات؟ بل أي نوع من السلام يمكن أن تقبله الأطراف؟ ومن يستطيع ضمانه؟ ومن يريد استخدامه كاستراحة تكتيكية لا كنهاية سياسية للحرب؟ هل يمكن أن تنتهي الحرب بتغييرات سياسية في كل من روسيا وأوكرانيا؟ هل بوتين أم زيلنسكي هو المشكلة؟
العقبات الرئيسية أمام التسوية السياسية
أبرز العقبات أمام التسوية السياسية تتمثل في ثلاث عقد مركزية: العقدة الأولى هي الأرض (الأراضي الروسية التاريخية) لأن كييف ترفض تثبيت أي مكاسب عسكرية روسية كأمر واقع قانوني، بينما تعتبر موسكو أن أي تسوية يجب أن تعكس الحقائق الميدانية ومطالبها الأمنية.
العقدة الثانية هي الضمانات الأمنية (والتي تفشل كل مرة منذ التسعينات) إذ لا ترى أوكرانيا قيمة في وقف إطلاق نار هش إذا لم يكن مدعوماً بضمانات تمنع تكرار الحرب بعد سنوات.
العقدة الثالثة هي ترتيب التسوية نفسها، هل يبدأ المسار بوقف نار غير مشروط، كما تطالب أوروبا وكييف، أم باتفاق سياسي شامل يسبق وقف القتال، كما تميل موسكو إلى الطرح؟ المجلس الأوروبي أكد في مارس 2026 أن السلام العادل يجب أن يقوم على سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، وأن الحدود لا يجوز تغييرها بالقوة، مع ضمان قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها على المدى الطويل.
تقدم دبلوماسي وتعثر سياسي
المفارقة أن الحديث عن السلام يتقدم دبلوماسياً، لكنه يتعثر سياسيًا، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قال في نهاية 2025 إن “اتفاق السلام جاهز بنسبة 90٪ “، لكنه أشار إلى أن الـ10٪ المتبقية هي التي تحدد مصير السلام وأوكرانيا وأوروبا.
هذه العبارة تلخص جوهر الأزمة، الأطراف لا تختلف على ضرورة إنهاء الحرب فقط، بل تختلف على معنى النهاية نفسها، هل النهاية تعني وقف إطلاق النار؟ أم الاعتراف بالسيادة؟ أم إعادة رسم التوازن الأمني في أوروبا؟ أم تثبيت مناطق نفوذ جديدة؟
أوروبا الداعم والوسيط
الموقف الأوروبي يؤثر على فرص التفاوض بطريقتين متناقضتين، من جهة، أوروبا تمنح كييف عمقاً سياسياً ومالياً وعسكرياً يمنع فرض تسوية عليها من موقع ضعف، الاتحاد الأوروبي يتحدث بوضوح عن دعم مالي وعسكري وضمانات أمنية، بل يناقش آليات لمراقبة وقف إطلاق النار ومكافحة الالتفاف على العقوبات.
ومن جهة أخرى، هذا الموقف الأوروبي يجعل موسكو ترى أوروبا طرفاً في الصراع لا وسيطاً محايداً، خصوصاً أن الاتحاد الأوروبي يربط التفاوض بالعقوبات والضغط وإضعاف الاقتصاد الحربي الروسي، لذلك تصبح أوروبا ضرورية لأي سلام طويل الأمد، لكنها في الوقت نفسه ليست الجهة الأسهل لإطلاق الحوار مع موسكو.
نظرة موسكو للمبادرات الأوروبية
الدعوات الأوروبية للحوار تبدو مشروطة أكثر مما هي مفتوحة، الكرملين يقرأ الموقف الأوروبي باعتباره مزيجاً من الضغط العسكري، والعقوبات، والدعم لكييف، ثم الدعوة إلى مفاوضات بشروط أوروبية.
لذلك حاول بوتين، في مايو 2026، فتح نقاش حول وسيط أوروبي مقبول بالنسبة إلى موسكو، مقترحاً اسم المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر، لكن الاتحاد الأوروبي رفض الفكرة بسبب قربه السابق من روسيا وارتباطه بمشاريع الطاقة الروسية، هذا الرفض يكشف أن الخلاف ليس فقط حول مضمون التفاوض، بل حول من يجلس على الطاولة ومن يملك شرعية الوساطة.
لغة موسكو المزدوجة تجاه السلام
في الوقت نفسه، لا تستطيع موسكو إغلاق الباب تماماً أمام التفاوض، الكرملين قال إن السلام ما زال “طريقاً طويلاً” وإن المفاوضات متوقفة، لكنه أشار أيضاً إلى احتمال استئنافها في وقت غير محدد.
بوتين قال إن الحرب “تقترب من نهايتها”، لكنه ربط ذلك بتحقيق أهداف روسيا وترتيبات أمنية أوسع مع أوروبا، هذا يعني أن موسكو تستخدم لغة مزدوجة: خطاب يوحي بالاستعداد للحوار، وخطاب آخر يرفع شروط التسوية إلى مستوى إعادة صياغة الأمن الأوروبي.
الدور الأمريكي في التسوية
أما الولايات المتحدة فهي الطرف الأكثر قدرة على تحريك المسار، لا لأنها تملك الحل وحدها، بل لأنها تملك أدوات الضغط والتحفيز في آن واحد.
واشنطن تستطيع أن تضغط على كييف عبر ملف المساعدات والضمانات، وأن تضغط على موسكو عبر العقوبات والتنسيق مع أوروبا، وأن تقدم إطاراً أمنياً قد يجعل وقف إطلاق النار قابلاً للحياة.
لكن الدور الأميركي يواجه معضلة خطيرة: إذا ضغطت واشنطن بسرعة زائدة من أجل “صفقة”، فقد يظهر السلام تنازل مفروض على أوكرانيا، وإذا تركت المسار الأوروبي وحده، فقد تبقى المفاوضات أسيرة الشروط المتبادلة وانعدام الثقة.
هل توجد مؤشرات حقيقية على التنازل؟
اعتقد مؤشرات التنازل موجودة منذ 2014 لكنها محدودة وغير كافية، أوكرانيا تبدو مستعدة لصيغة توقف الحرب وتحفظ كرامتها السياسية وضماناتها الأمنية، لكنها لا تستطيع قبول سلام يشير على خسارة الأرض بلا مقابل استراتيجي كبير.
روسيا تبدو مستعدة للحوار، لكنها لا تزال تربط ذلك بتحقيق أهدافها و بمنظومة أمنية جديدة، أوروبا مستعدة للمشاركة في الضمانات، لكنها لا تريد سلاماً يكافئ استخدام القوة، لذلك يمكن القول إن الأطراف تقترب من صياغة إطار تفاوضي لكنها لم تصل بعد إلى قرار سياسي بالتسوية.
الضربات الأوكرانية داخل العمق الروسي
الضربات الأوكرانية داخل العمق الروسي تضيف طبقة جديدة من التعقيد، من الناحية العسكرية، كييف تحاول نقل كلفة الحرب إلى الداخل الروسي، خصوصاً عبر استهداف البنية النفطية والصناعية التي تغذي الاقتصاد الحربي.
رويترز أفادت في 20 مايو 2026 بأن هجمات المسيرات الأوكرانية أجبرت معظم المصافي الكبرى في وسط روسيا على وقف أو تقليص الإنتاج، وأن المصافي المتأثرة تمثل نحو ربع القدرة التكريرية الروسية، وتنتج أكثر من 30٪ من البنزين ونحو 25٪ من الديزل.
بين التصعيد والضغط نحو التسوية
بالنسبة لموسكو، هذه الضربات لا تُقرأ فقط كعمليات عسكرية، بل كاستهداف للعمق الاقتصادي والرمزي للدولة الروسي والوحدة الروسية وللمجتمع الروسي ومحاولة لاستفزاز الطرف الروسي، وهي قد تدفع إلى تصعيد انتقامي ضد البنية التحتية الأوكرانية، لكنها في الوقت نفسه ترفع كلفة استمرار الحرب على روسيا.
هنا تظهر المفارقة: كلما زادت قدرة أوكرانيا على إيلام الداخل الروسي، زاد خطر التصعيد، لكن زادت أيضاً دوافع موسكو للتفكير في تسوية إذا أصبحت الكلفة الاقتصادية والسياسية أعلى من المكاسب الميدانية.
رويترز أشارت أيضاً إلى أن أوكرانيا كثفت هجماتها على البنية الطاقوية الروسية، بينما واصلت روسيا ضرباتها داخل أوكرانيا، ما يعكس تحول الحرب إلى صراع استنزاف متبادل للبنى الحيوية.
من يملك مفتاح الحل؟
لا توجد يد واحدة تملك المفتاح كاملاً، روسيا تملك مفتاح وقف التصعيد العسكري وقبول وقف إطلاق نار جديد، أوكرانيا تملك مفتاح الشرعية السياسية لأي اتفاق، لأن أي سلام من دون كييف لن يصمد، الولايات المتحدة تملك مفتاح الضغط والضمانات الكبرى، أوروبا تملك مفتاح التمويل، والعقوبات، والضمانات الأمنية، وإعادة الإعمار، أما الصين فتملك مفتاحاً غير مباشر من خلال قدرتها على التأثير الاقتصادي والسياسي على موسكو، لكنها لا تبدو حتى الآن راغبة في لعب دور ضاغط بشكل حاسم.
هل السلام أقرب من أي وقت مضى؟
هو أقرب من حيث كثافة الاتصالات ووضوح الملفات المطروحة، لكنه ليس قريباً بمعنى النضج السياسي النهائي، فهناك مسار تفاوضي يتشكل، وإرهاق عسكري واقتصادي لدى الجميع، وضغط أميركي واضح نحو صفقة.
لكن السلام الحقيقي يحتاج إلى معادلة صعبة: وقف إطلاق نار مراقب، ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا، صيغة مؤجلة أو مركبة للملفات المتعلقة بالأراضي والتي هي حساسة، وتفاهم روسي غربي حول الحد الأدنى من قواعد الأمن الأوروبي، من دون هذه المعادلة، قد نحصل على هدنة، لا سلام.
الصفقة السرية المحتملة بين ترامب وبوتين
في النهاية اعتقد هناك صفقة قادمة لامحالة وهي كالتالي: تحوم شكوك حول وجود صفقة سرية بين الرئيسين الأميركي والروسي حول تسوية ملف أوكرانيا، تشير معطيات متعددة إلى مفاوضات غير معلنة لإعادة هيكلة ما بعد الحرب بما يخدم مصالح الطرفين.
ففي تصور هذه الصفقة، تعهد ترامب عبر شركته التجارية (Trump Corporation) بوساطة توجيه صادرات الطاقة والمعادن الروسية إلى السوق العالمية، مقابل تسهيلات اقتصادية لبوتين، تشمل المقايضات رفع عقوبات محدودة عن روسيا، واستثمارات ضخمة في شبه جزيرة القرم لتحويلها إلى منتجع عالمي.
هذه الرؤية تندرج في إطار هندسة التسوية وإعادة توزيع النفوذ، حيث تسعى الولايات المتحدة للحصول على موطئ قدم اقتصادي في المنطقة بعد الحرب، وتطمئن روسيا على تسويق مواردها.
يُتوقع أن تتزامن هذه الخطوات مع توقيتات سياسية حاسمة (اقترح خريف/شتاء 2026 موعدًا لإتمام التسوية)، بينما تخلق وسائل الإعلام في العالم العربي موجة من الاهتمام تروج للنقاش حول فرضية هذه الصفقة، دون تجاوز الخطوط القانونية.
الخلفية الجيوسياسية والاقتصادية للصفقة
يأتي هذا السيناريو بعد سنوات من تغييرات جيوسياسية ضخمة، فبعد أن حولت العقوبات الغربية روسيا نحو الأسواق الآسيوية بوسائل غير تقليدية (مثلاً باستخدام أسطول الظل لإبقاء صادرات النفط مستمرة)، أصبح بوسع كل طرف أن يعيد التفكير في خياراته.
من جانب أوروبا، أثبت العقد الأخير أن دعم أوكرانيا وحده لا يكفي لفرض هيمنتها؛ إذ يرى محللون أن ترامب بات ينظر إلى المعادلات عبر منشور أموال مقابل نفوذ، وأضحى الضغط المادي شرطًا لقبول أي حلول بشأن أوكرانيا، بعبارة أخرى، تحوّل التوازن إلى ساحة متطلباتها التمويل وليس المبادئ فقط.
دبلوماسية خلف الكواليس
في هذا الإطار، دخلت روسيا والولايات المتحدة في نقاشات خلف الكواليس (دبلوماسية خلفية) حول تقسيم الكعكة الأوكرانية ومكاسب ما بعد الحرب.
وتشير مصادر صحفية إلى مفاوضات سرية بين ممثلين سابقين في إدارة ترامب (ضمت دبلوماسيين ومستثمرين) مع مسؤولين في شركات غاز دولية حول إعادة تشغيل خط أنابيب نورد ستريم 2، كما تحدثت الأنباء عن لقاءات لخبراء حول إمكانية استثمار أميركي في البنى التحتية الروسية للطاقة مقابل تنازلات سياسية.



