اضطرابات الشرق الأوسط ترفع أسعار وقود الطائرات المستدام عالميًا

ارتفعت أسعار وقود الطائرات المستدام عالميًا خلال عام 2026، في ظل تداعيات اضطرابات الملاحة في منطقة الشرق الأوسط وما تبعها من ارتفاعات في أسعار وقود الطائرات التقليدي، بالتزامن مع زيادة الطلب على الوقود منخفض الانبعاثات في الأسواق التي بدأت تطبيق متطلبات إلزامية لخلطه مع وقود الطائرات التقليدي.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه قطاع الطيران تحديًا مزدوجًا يتمثل في تأمين إمدادات الوقود من جهة، وخفض الانبعاثات الكربونية من جهة أخرى، بينما لا تزال الطاقة الإنتاجية العالمية لوقود الطائرات المستدام محدودة للغاية مقارنة بحجم الاستهلاك العالمي.
وبحسب البيانات الواردة بشأن السوق، ارتفع متوسط سعر وقود الطائرات المستدام بنحو 10% خلال 2026، ليصل إلى حوالي 1817 دولارًا للطن، في وقت لا تزال فيه إمدادات هذا النوع من الوقود أقل بكثير من احتياجات شركات الطيران، ما يزيد احتمالات استمرار الضغوط السعرية خلال الفترة المقبلة.
اضطرابات مضيق هرمز تضغط على سوق وقود الطائرات
كان لاضطرابات حركة الملاحة في مضيق هرمز تأثير مباشر على أسواق الطاقة العالمية، إذ أدت المخاوف بشأن إمدادات النفط والمنتجات المكررة إلى ارتفاع أسعار وقود الطائرات التقليدي، وهو ما انعكس بدوره على سوق وقود الطائرات المستدام.
اقرأ أيضًا: زيت الطعام المستعمل.. سر أول مصنع بمصر لتزويد الطائرات بالوقود المستدام
وأظهرت بيانات السوق الأوروبية في مارس 2026 ارتفاع أسعار وقود الطائرات المستدام المنتج عبر مسار معالجة الزيوت والدهون إلى 2640 دولارًا للطن في شمال غرب أوروبا، مقارنة بنحو 2294.50 دولارًا للطن في 27 فبراير، قبل اندلاع الاضطرابات التي أثرت في أسواق الطاقة. كما ارتفعت أسعار وقود الطائرات التقليدي بقوة خلال الفترة نفسها، ما أدى إلى تقلص الفارق السعري بين النوعين رغم ارتفاع سعر الوقود المستدام نفسه.
وتعكس هذه التطورات مدى ارتباط سوق وقود الطائرات المستدام بأسواق الطاقة التقليدية، رغم اختلاف مصادر الإنتاج. فمع ارتفاع تكلفة الوقود التقليدي، تصبح الشركات أكثر استعدادًا لتحمل جزء من علاوة السعر المرتبطة بالوقود المستدام، خصوصًا في الأسواق التي تفرض استخدامه بموجب تشريعات بيئية.
أوروبا وبريطانيا تعززان الطلب على الوقود المستدام
لا تقتصر الضغوط على الأسعار على اضطرابات أسواق النفط، إذ يتزايد الطلب على وقود الطائرات المستدام نتيجة السياسات المناخية في أوروبا وبريطانيا.
ويفرض الاتحاد الأوروبي، من خلال نظام ReFuelEU Aviation، على موردي وقود الطائرات زيادة نسبة الوقود المستدام تدريجيًا في المطارات الأوروبية. وبدأت النسبة الإلزامية عند 2% اعتبارًا من عام 2025، مع خطط لرفعها تدريجيًا لتصل إلى 70% بحلول 2050. كما يتضمن النظام أهدافًا خاصة بالوقود الاصطناعي المستدام.
وفي بريطانيا، دخل تفويض وقود الطيران المستدام حيز التنفيذ، مع أهداف متصاعدة لاستخدام الوقود منخفض الانبعاثات. وكانت الحكومة البريطانية قد فتحت في يونيو 2026 مشاورات بشأن إمدادات وقود الطائرات المستدام، مع تأكيدها استمرار الأهداف العامة للتفويض، في محاولة لمعالجة المخاوف المتعلقة بتوافر الإمدادات مستقبلًا.
اقرأ أيضا: طائرات أمريكية للتزود بالوقود تصل قواعد إسرائيلية وسط التصعيد مع إيران
وتؤدي هذه السياسات إلى زيادة الطلب على كميات محدودة من الوقود المستدام، ما يخلق ضغطًا إضافيًا على الأسعار، خصوصًا عندما تتزامن المتطلبات التنظيمية مع اضطرابات أسواق الطاقة العالمية.
إنتاج محدود وفجوة كبيرة مع الطلب
وتبقى المشكلة الأساسية أمام سوق وقود الطائرات المستدام هي محدودية الإنتاج. وتقدر رابطة النقل الجوي الدولي إياتا إنتاج العالم من وقود الطائرات المستدام بنحو 2.4 مليون طن في 2026، أي ما يعادل نحو 0.8% فقط من إجمالي استهلاك وقود الطائرات عالميًا. وكانت الكمية قد بلغت نحو 1.9 مليون طن في 2025، بعد أن تضاعفت تقريبًا مقارنة بعام 2024.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة ضخمة بين الإنتاج الحالي والاحتياجات المستقبلية. وترى إياتا أن صناعة الطيران ستحتاج إلى نحو 500 مليون طن سنويًا من وقود الطائرات المستدام بحلول 2050 لتحقيق المسار المستهدف للوصول إلى صافي انبعاثات صفري، وهو ما يعني ضرورة زيادة الإنتاج بأكثر من 250 مرة مقارنة بالمستويات المتوقعة لعام 2026.
اقرأ أيضًا: الهند تخفض رسوم صادرات الوقود مؤقتًا لمواكبة تقلبات أسواق الطاقة العالمية
وتزيد محدودية الإنتاج من حساسية الأسعار لأي اضطراب في الأسواق، خصوصًا أن وقود الطائرات المستدام لا يزال أغلى من الوقود الأحفوري التقليدي بسبب ارتفاع تكاليف المواد الأولية، وتقنيات الإنتاج، والاستثمارات المطلوبة لإنشاء المصانع والبنية التحتية.
وقود الطائرات المستدام يتحول إلى قضية أمن طاقة
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن وقود الطائرات المستدام لم يعد يُنظر إليه باعتباره أداة لخفض الانبعاثات فقط، بل بدأ يتحول أيضًا إلى عنصر مرتبط بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.
وأظهرت اضطرابات الشرق الأوسط مدى اعتماد قطاع الطيران العالمي على شبكة محدودة من مصادر النفط وممرات الشحن الحيوية، وهو ما عزز الدعوات إلى تنويع مصادر الوقود وتطوير قدرات إنتاج محلية أو إقليمية. وأكد المنتدى الاقتصادي العالمي أن الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط كشفت هشاشة سلاسل إمداد وقود الطيران، وعززت الحجة الاستراتيجية لتوسيع إنتاج الوقود المستدام.
لكن توسيع الإنتاج لن يكون سريعًا، إذ تواجه الصناعة تحديات تتعلق بتوافر المواد الأولية، وتمويل المشروعات، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، فضلًا عن الحاجة إلى عقود طويلة الأجل بين المنتجين وشركات الطيران لضمان تمويل الاستثمارات الجديدة. وتؤكد دراسات حديثة أن تقنيات إنتاج وقود الطائرات المستدام المتاحة حاليًا لن تكون وحدها كافية لتلبية الطلب العالمي المستقبلي، ما يتطلب تطوير مسارات إنتاج جديدة والاستفادة من نطاق أوسع من الكتلة الحيوية والمخلفات.
وبينما تواصل الحكومات الأوروبية والبريطانية رفع أهداف استخدام وقود الطائرات المستدام، قد يجد قطاع الطيران نفسه أمام معادلة صعبة خلال السنوات المقبلة: زيادة الاعتماد على وقود أكثر استدامة في وقت لا يزال إنتاجه محدودًا وتكلفته مرتفعة



