اقتصاد وتكنولوجيا

أزمة الكهرباء تهدد طموح فيتنام لمنافسة الصين في التصنيع

تواجه فيتنام أزمة متصاعدة في قطاع الكهرباء تهدد قدرتها على مواصلة النمو الصناعي والاستفادة من التحول العالمي الرامي إلى تقليل الاعتماد على الصين في سلاسل الإمداد، في وقت يتزايد فيه الطلب على الطاقة بنحو 10% سنوياً، بينما تعاني البلاد من تباطؤ نمو الإمدادات وارتفاع تكاليف الوقود.

وتحتاج هانوي إلى نحو 136 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة لتوسيع شبكة الكهرباء إلى ما يقارب ثلاثة أمثال حجمها الحالي، وهو ما يتجاوز قدرة الدولة على توفير التمويل بمفردها، ويجعل استقطاب الاستثمارات الخاصة عاملاً حاسماً في تنفيذ خططها.

وتأتي أزمة الطاقة في وقت أصبحت فيه فيتنام إحدى أبرز المستفيدين من جهود الشركات العالمية لتنويع سلاسل التوريد بعيداً عن الصين.

فمنذ الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب، استفادت البلاد من الرسوم الجمركية وسياسات إعادة توزيع سلاسل الإنتاج، فيما سجل قطاع التصنيع لديها معدلات نمو قوية، وبلغت قيمة الصادرات مستوى يقارب حجم الناتج المحلي الإجمالي، بينما نما الاقتصاد بنحو 8% خلال العام الماضي.

لكن استمرار هذا الزخم الصناعي يتطلب كميات ضخمة من الكهرباء. ويزداد الضغط على الشبكة مع نمو الطلب بنحو 10% سنوياً، في حين تباطأ نمو الإمدادات بعدما شهدت البلاد توسعاً سريعاً في مشروعات الطاقة المتجددة تزامن مع فترة جائحة كورونا.

كما أدت حرب إيران إلى تعقيد المشهد، بعدما تراجعت جاذبية الغاز الطبيعي المسال، الذي كان يُنظر إليه باعتباره أحد الخيارات الرئيسية لتأمين احتياجات فيتنام المستقبلية من الكهرباء، نتيجة ارتفاع تكاليفه ومخاوف موثوقية الإمدادات. وفي ظل هذه الضغوط، عاد الفحم مجدداً إلى قائمة الخيارات المطروحة لسد العجز المزمن في الكهرباء.

خلافات التسعير تعطل مشروعات الطاقة المتجددة

ترتبط إحدى أبرز مشكلات قطاع الكهرباء في فيتنام بالخلافات المتعلقة بأسعار شراء الطاقة بين مطوري المشروعات وشركة الكهرباء الحكومية “إي في إن” (EVN)، والتي أدت إلى بقاء عدة غيغاواطات من مشروعات الطاقة النظيفة خارج الخدمة خلال معظم السنوات الخمس الماضية.

وتكشف تداعيات هذه الأزمة حجم المشكلة، إذ تسببت انقطاعات الكهرباء التي شهدتها فيتنام خلال عام 2023 في توقف مصانع، وأسهمت في اقتطاع نحو 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي.

ورغم ذلك، لا تزال البلاد تمتلك عدداً كبيراً من مشروعات الطاقة المتجددة المتعثرة رغم اكتمال جزء كبير منها. ومن بين الأمثلة مزرعتان لطاقة الرياح في منطقة المرتفعات الوسطى، وسط مزارع الشاي والبن، كان من المقرر إنجازهما في عام 2021، لكنهما ظلتا عالقتين لسنوات بسبب الإجراءات التنظيمية، قبل حصولهما على التراخيص في يناير وبدء تشغيلهما أخيراً.

ولا تقتصر المشكلة على هذين المشروعين، إذ تظهر بيانات شركة “إي في إن” وجود 85 مشروعاً للطاقة الشمسية وطاقة الرياح بقدرة إجمالية تبلغ نحو 4.7 غيغاواط، تعطلت بسبب مشكلات مشابهة، بينما دخلت مشروعات بقدرة 1.6 غيغاواط فقط مرحلة التشغيل.

وتكفي القدرات المتبقية، من الناحية النظرية، لتوفير الكهرباء لملايين المنازل، في حين اجتاز ما لا يقل عن 0.5 غيغاواط الاختبارات المطلوبة ويبدو جاهزاً للربط بالشبكة، رغم أن بعض المشروعات لم يكتمل بالكامل.

طفرة الطاقة المتجددة خلقت مشكلة جديدة

ولا تتحمل شركة “إي في إن” وحدها مسؤولية الوضع الحالي، إذ ساهمت سياسات الدعم والأسعار المضمونة والسخية في تحويل طفرة الطاقة المتجددة التي شهدتها فيتنام بين عامي 2019 و2021 إلى سباق واسع للاستثمار.

وتسابق المطورون للحصول على العقود، وفي بعض الحالات جرى تجاوز إجراءات معينة أو تأجيل حسم قضايا مرتبطة بالتراخيص وحقوق استخدام الأراضي والربط بالشبكة.

ومع استمرار الخلافات بشأن الأسعار، وجدت “إي في إن” نفسها أمام مهمة إعادة تنظيم قطاع شهد توسعاً سريعاً، في وقت تسعى فيه إلى تجنب دفع أسعار مرتفعة مقابل كهرباء أصبح من الممكن الحصول عليها بتكاليف أقل.

غير أن هذه المفاوضات أصبحت أكثر كلفة في ظل الارتفاع المستمر للطلب على الكهرباء، إذ إن إعادة صياغة العقود مع منتجي الكهرباء أضعفت صورة فيتنام أمام المستثمرين، وعززت الانطباع بأن سوق الطاقة فيها تحمل مخاطر مرتفعة.

136 مليار دولار لتوسيع شبكة الكهرباء

تخطط هانوي لمضاعفة شبكة الكهرباء إلى نحو ثلاثة أمثال حجمها الحالي خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو هدف يحتاج إلى استثمارات تقدر بنحو 136 مليار دولار، ما يجعل مشاركة القطاع الخاص ضرورة وليس خياراً ثانوياً.

وتظل الطاقة المتجددة المصدر الأكثر قدرة على التوسع بالسرعة المطلوبة، إلا أن تجربة “شراكة الانتقال العادل للطاقة” في فيتنام، المعروفة باسم JETP، تظهر صعوبة جذب التمويل الخاص بالوتيرة اللازمة.

وبعد مرور أربع سنوات على إطلاق الإطار المخصص لدعم تحول قطاع الطاقة، لم تحصل سوى 3 مشروعات من أصل 50 مشروعاً مخططاً لها على استثمارات، بإجمالي يعادل نحو 7% فقط من التمويل المطلوب والبالغ 11 مليار دولار.

وفي المقابل، بات بإمكان شركة “إي في إن” اتباع سياسة أكثر مرونة بعدما تمكنت من القضاء على خسائرها المتراكمة عقب سنوات صعبة.

وقد يكون دفع سعر أعلى بنحو 10% مقابل غيغاواط من المشروعات القديمة تكلفة مقبولة إذا ساعد ذلك على استعادة ثقة المستثمرين، وخفض تكاليف تمويل ما يصل إلى نحو 150 غيغاواط إضافية تخطط هانوي لإضافتها بحلول عام 2030، حتى لو كان الانخفاض في تكلفة التمويل محدوداً ببضع نقاط أساس.

ومن هذا المنطلق، فإن التوصل إلى تسويات سريعة تسمح بربط المشروعات الأكثر جدوى بالشبكة، مع عدم منح مزايا للمشروعات التي خالفت القواعد بشكل واضح، قد يسهم في إنهاء حالة الجمود الحالية.

نقص الكهرباء يهدد مكاسب فيتنام بعيداً عن الصين

ولا يعني حل أزمة الكهرباء أن تصبح فيتنام أكثر تساهلاً مع مطوري المشروعات، بل يتطلب الأمر وضع قواعد واضحة للمشروعات الجديدة، بحيث تلتزم الحكومة بالعقود بعد ضخ المستثمرين أموالهم، بينما يلتزم المطورون بدورهم بالجداول الزمنية وشروط التصاريح دون التعامل معها باعتبارها قابلة للتفاوض.

وتسعى فيتنام في الوقت نفسه إلى استكمال اتفاق تجاري مع إدارة ترمب، فيما تبدو البلاد في موقع يمكنها من الاستفادة من توجه الشركات العالمية إلى تقليل اعتمادها على الصين.

لكن عدم قدرة فيتنام على توفير الكهرباء اللازمة لتشغيل المصانع وخطوط الإنتاج قد يدفع الشركات متعددة الجنسيات إلى اختيار دول أخرى، أو حتى إعادة بعض عملياتها إلى الصين.

وأظهرت الطفرة الأولى في قطاع الطاقة المتجددة أن فيتنام قادرة على زيادة إنتاج الكهرباء بسرعة عندما تتوافر الظروف المناسبة، إلا أن التعثر الذي أعقب تلك الطفرة كشف أن استمرار التوسع يتطلب إعادة بناء الثقة وجذب رأس المال الخاص.

وبالنسبة إلى فيتنام، لم تعد أزمة الكهرباء مجرد تحدٍ لقطاع الطاقة، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في قدرتها على الحفاظ على النمو الصناعي والاستفادة من التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى