اقتصاد وتكنولوجيا

هل يصبح الإنسان غريبًا على الإنترنت؟ الذكاء الاصطناعي يفتح عصر تواصل الروبوتات

يتزايد الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة اليومية، من العمل والتعليم إلى التواصل والعلاقات الشخصية. ومع توسع استخدام روبوتات الدردشة والمساعدين الرقميين، يبرز سيناريو جديد يتمثل في أن تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي التواصل مع بعضها البعض نيابة عن البشر، فيما يتراجع حضور الإنسان المباشر في هذه التفاعلات.

وتُعرف هذه الظاهرة المحتملة باسم «حلقة الروبوتات»، حيث يمكن لنظام ذكاء اصطناعي أن يرسل طلباً إلى نظام آخر، فيتولى الأخير الرد عليه، ثم تبدأ سلسلة من التفاعلات بين الأنظمة من دون تدخل بشري مباشر.

ويظهر هذا التغيير بوضوح في سوق العمل، إذ تعتمد شركات عديدة على أنظمة آلية لفرز طلبات التوظيف بدلاً من مراجعتها يدوياً. وفي التعليم، يستخدم بعض الطلاب أدوات الذكاء الاصطناعي لإعداد الأبحاث والواجبات، بينما تستعين المؤسسات التعليمية بأنظمة أخرى لتحليل هذه الأعمال وتقييمها.

أما في بيئة العمل، فقد أصبح الموظفون يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي لصياغة الرسائل، ثم يتلقى زملاؤهم هذه الرسائل ويستعينون بدورهم بأدوات مشابهة لصياغة الردود، ما يخلق تواصلاً قد يتم بين أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر مما يتم بين الأشخاص أنفسهم.

ويرتبط هذا السيناريو بما يُعرف بـ**«نظرية الإنترنت الميت»**، وهي فكرة تفترض أن جزءاً متزايداً من المحتوى وحركة الإنترنت قد تنتجه البرامج والأنظمة الآلية، بحيث يصبح البشر أقلية بين الأصوات التي تملأ الفضاء الرقمي.

إلا أن «حلقة الروبوتات» تضيف جانباً جديداً، لأن القضية لا تتعلق فقط بإنتاج الذكاء الاصطناعي للمحتوى، وإنما بقدرته على التفاعل مع ذكاء اصطناعي آخر واتخاذ إجراءات نيابة عن الإنسان.

وقد يكون لهذا الاستخدام فوائد عملية. فإذا تعرض منزل شخص ما لعطل طارئ، يمكن لمساعده الرقمي أن يبحث عن سباكين، ويقارن الأسعار والمواعيد، ويتواصل معهم ويحجز الخدمة من دون أن يضطر صاحب المنزل إلى إجراء عدة مكالمات. لكن المشكلة تظهر عندما يستخدم مقدمو الخدمة أنفسهم وكلاء ذكاء اصطناعي للتعامل مع تلك الطلبات، فتتحول العملية إلى محادثة بين نظامين، بينما يبتعد الإنسان عن التواصل المباشر.

ويختلف الذكاء الاصطناعي عن وسائل الاتصال التقليدية في أنه لا يقتصر على نقل الرسائل بين البشر، بل يستطيع محاكاة أسلوب الإنسان والتحدث نيابة عنه. وأصبح بإمكان المستخدمين اللجوء إلى روبوتات الدردشة للحصول على نصائح مالية أو طبية، أو حتى للحصول على الرفقة والمحادثة.

كما بدأت تظهر فكرة التوائم الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي يمكنها تمثيل أصحابها والتحدث نيابة عنهم. وقد يؤدي ذلك مستقبلاً إلى تفاعل توائم رقمية مع بعضها البعض، بدلاً من التواصل المباشر بين الأشخاص.

ولا تبدو هذه الاحتمالات بعيدة تماماً عن الواقع؛ فقد ظهرت بالفعل حالات يستخدم فيها الطلاب الذكاء الاصطناعي لإنجاز أعمالهم، ثم تقوم أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى بتقييمها. كما استعان بعض العملاء بوكلاء صوتيين للتفاوض مع أنظمة خدمة عملاء تعتمد بدورها على الذكاء الاصطناعي.

وفي مجال المواعدة أيضاً، ظهرت مواقف استخدم فيها أشخاص الذكاء الاصطناعي لصياغة رسائلهم، قبل أن يكتشفوا أن الطرف الآخر ربما يستخدم التقنية نفسها. وفي إحدى الحالات، انتهى الأمر برسالة تتساءل عن المدة التي سيستمر فيها شخصان في التحدث إلى شات جي بي تي عبر بعضهما، من دون الحصول على رد.

لكن الاعتماد المتزايد على هذه التفاعلات يثير مخاوف بشأن فقدان الجانب الإنساني. فعلى الرغم من قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج نصوص طويلة ومنظمة ومقنعة، فإن الحوار بين نظامين قد يخلو من المشاعر الحقيقية والفضول والتعاطف والتجارب الحياتية التي تمنح التواصل البشري قيمته.

وتبرز أيضاً مشكلة تراكم الأخطاء. فإذا ارتكب نظام ذكاء اصطناعي خطأ ولم يكتشفه النظام الذي يتلقى مخرجاته، فقد ينتقل الخطأ إلى النظام التالي ويتضخم مع كل مرحلة. ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما تعتمد الأنظمة المتتابعة على نماذج لغوية متشابهة، لأنها قد تفشل جميعاً في اكتشاف الخطأ نفسه.

ويمكن تصور ذلك في المجال الطبي، إذ قد يقوم نظام بتحليل صورة أشعة، ثم يرسل النتيجة إلى نظام آخر لتحديد القسم المناسب للمريض، ثم ينتقل القرار إلى نظام ثالث لتحديد أولوية العلاج. وإذا كان التشخيص الأول غير صحيح ولم يتدخل طبيب لمراجعته، فقد ينتقل الخطأ عبر السلسلة بأكملها ويؤثر في القرارات الطبية اللاحقة.

ولا تتوقف المخاوف عند الأخطاء التقنية، إذ قد يؤثر الاعتماد المفرط على المحادثات السلسة التي توفرها أنظمة الذكاء الاصطناعي في نظرة البشر إلى العلاقات الحقيقية. فالعلاقات الإنسانية تتضمن الاختلاف وسوء الفهم والتردد والاحتكاك، وهي أمور قد تكون صعبة لكنها تساعد في بناء التواصل والعلاقات.

وفي المقابل، يقدم الذكاء الاصطناعي تفاعلاً أكثر سهولة وانتظاماً وأقل احتكاكاً، الأمر الذي قد يجعل بعض الأشخاص أقل استعداداً للتعامل مع تعقيدات التواصل البشري الحقيقي.

ويتمثل السيناريو الأكثر ترجيحاً في زيادة نسبة التفاعلات التي تتم بين أنظمة الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع انخفاض بعض أشكال التواصل المباشر بين البشر. ومع استمرار هذا الاتجاه، قد يصبح الوصول إلى شخص حقيقي عبر الهاتف أو خدمة العملاء أمراً أقل شيوعاً، وربما يتحول التواصل البشري المباشر إلى خدمة إضافية أو خيار مدفوع.

وبذلك لا تكمن القضية الأساسية في أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل الإنسان بالكامل، وإنما في احتمال أن يصبح جزء متزايد من العالم الرقمي عبارة عن أنظمة تتحدث وتتخذ القرارات وتتبادل المعلومات نيابة عن البشر، بينما يتراجع حضور الإنسان من قلب التفاعل إلى مجرد الإشراف عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى