تقارير

من الراين إلى الدانوب.. جفاف الأنهار يهدد الاقتصاد والطاقة والزراعة

تواجه أوروبا تداعيات متصاعدة للجفاف الشديد الذي ضرب عددًا من أهم أنهارها، وفي مقدمتها الراين والدانوب والبو، ما أدى إلى انخفاض قياسي في مستويات المياه وبدأ ينعكس بصورة مباشرة على حركة النقل والصناعة والطاقة والزراعة والسياحة.

وبحسب تقرير لصحيفة «لو باريزيان» الفرنسية، فإن تراجع منسوب المياه يهدد بتحويل أزمة الجفاف من مشكلة بيئية إلى أزمة اقتصادية واسعة، في ظل اعتماد قطاعات حيوية في عدد من الدول الأوروبية على الأنهار لنقل البضائع وتوفير المياه وتوليد الطاقة وتبريد المنشآت الصناعية.

الراين.. شريان التجارة الأوروبي تحت الضغط

يعد نهر الراين أحد أهم الممرات المائية التجارية في أوروبا الغربية، إلا أن انخفاض منسوب المياه وصل إلى مستويات شديدة الخطورة.

وبالقرب من مدينة كوبلنتس الألمانية، تراجع مستوى المياه إلى نحو 24 سنتيمترًا، ما أجبر السفن التجارية على تخفيض حمولاتها بصورة كبيرة لتجنب اصطدامها بقاع النهر.

وبسبب انخفاض قدرة السفن على نقل البضائع، ارتفعت تكاليف الشحن بشكل حاد، إذ قفزت تكلفة نقل الطن من نحو 29 يورو إلى 145 يورو، بينما وصلت تكلفة نقل بعض المنتجات النفطية إلى حوالي 200 يورو للطن.

ولا تقتصر التداعيات على شركات النقل، إذ يخشى خبراء الاقتصاد من أن يؤدي اضطراب حركة الشحن عبر الراين إلى التأثير على الاقتصاد الألماني، مع تقديرات بإمكانية خسارة ما بين 0.1 و0.2 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا خلال الربع الثالث.

الدانوب.. توقف الموانئ وضغوط على الطاقة والسياحة

امتدت أزمة الجفاف إلى نهر الدانوب، أحد أهم الممرات المائية في القارة، حيث تراجع تدفق المياه عند دخوله الأراضي الرومانية إلى نحو 1600 متر مكعب في الثانية، مقارنة بحوالي 4700 متر مكعب في الثانية في الظروف السابقة.

وأدى انخفاض مستوى المياه إلى تعطيل حركة الملاحة في بعض المناطق، كما توقفت موانئ وتعرضت حركة العبارات في بلغاريا للاضطراب.

كما تسبب انخفاض المياه في جنوح سفينة سياحية كانت تقل نحو 200 راكب، في مؤشر على حجم الصعوبات التي تواجه حركة النقل والسياحة النهرية.

الجفاف يضغط على إنتاج الكهرباء

لم تتوقف تداعيات انخفاض منسوب الدانوب عند النقل والسياحة، بل امتدت إلى قطاع الطاقة.

واضطرت صربيا إلى خفض إنتاج محطات الطاقة الكهرومائية نتيجة تراجع تدفق المياه، بينما درست المجر إبطاء تشغيل محطة نووية بهدف التعامل مع صعوبات تبريد منشآتها في ظل الظروف المائية الحالية.

ويكشف ذلك عن مدى ارتباط قطاعات الطاقة الأوروبية بالموارد المائية، خصوصًا في الدول التي تعتمد على الأنهار لتوليد الكهرباء أو لتوفير مياه التبريد للمنشآت الصناعية ومحطات الطاقة.

السياحة والصيد أمام خسائر متزايدة

تضررت أيضًا الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالأنهار، وعلى رأسها الصيد والسياحة النهرية.

فقد أدى انخفاض المياه في بعض مناطق الدانوب إلى ظهور أجزاء من جزر نهرية كانت في السابق مغمورة، وأصبح من الممكن الوصول إلى بعضها سيرًا على الأقدام.

وأدى تراجع حركة السفن والرحلات السياحية إلى انخفاض العائدات التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية والأنشطة التجارية المرتبطة بالملاحة والسياحة والصيد.

نهر البو.. تهديد مباشر للزراعة الإيطالية

وفي إيطاليا، اتخذت أزمة الجفاف شكلًا أكثر خطورة بالنسبة للقطاع الزراعي، بعدما تراجع تدفق نهر البو بنحو أربعة أضعاف.

وأدى انخفاض تدفق المياه العذبة إلى السماح لمياه البحر المالحة القادمة من البحر الأدرياتيكي بالتوغل لمسافة تصل إلى 20 كيلومترًا داخل اليابسة.

ويشكل تسرب المياه المالحة خطرًا كبيرًا على الأراضي الزراعية، خصوصًا المحاصيل التي تعتمد على مياه الري العذبة.

وتضررت بالفعل محاصيل الأرز وفول الصويا والذرة، وسط مخاوف من إمكانية فقدان نحو 40% من المحاصيل إذا استمرت الظروف الحالية.

فرنسا تراقب الوضع بحذر

وفي فرنسا، تتابع السلطات والشركات تداعيات انخفاض تدفقات عدد من الأنهار، وعلى رأسها الرون والسون، إلى جانب التأثيرات المحتملة على حركة الملاحة عبر الراين.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة لمنطقة الشرق الكبير، التي تعتمد العديد من صناعاتها ومنصاتها اللوجستية على حركة النقل النهري.

ومع استمرار انخفاض مستويات المياه، تواجه الشركات احتمال الاضطرار إلى إعادة التفكير في طرق نقل البضائع وسلاسل الإمداد، بما في ذلك البحث عن بدائل للنقل النهري والاستعداد لسيناريوهات أكثر صعوبة خلال السنوات المقبلة.

من أزمة مناخية إلى خطر اقتصادي طويل الأمد

وتكشف تداعيات الجفاف الحالي عن الترابط الوثيق بين الموارد المائية والاقتصاد الأوروبي، إذ لم يعد انخفاض منسوب الأنهار مشكلة بيئية فقط، بل أصبح يؤثر في النقل والتجارة والصناعة والطاقة والزراعة والسياحة في وقت واحد.

ويثير استمرار هذه الظروف مخاوف من أن تتحول موجات الجفاف الشديدة إلى ظاهرة أكثر تكرارًا، ما قد يجبر الحكومات والشركات الأوروبية على تطوير خطط طويلة الأجل لتأمين سلاسل الإمداد، وتنويع وسائل النقل، وتحسين إدارة المياه، والاستعداد لاحتمال أن تصبح مستويات المياه المنخفضة جزءًا متكررًا من الواقع الاقتصادي الأوروبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى