تقارير

مذكرة التفاهم الأخيرة.. حين يتحد غضب “المتشددين” مع شكوك “الشارع” في إيران

كيف يرى الإيرانيون مذكرة التفاهم الأخيرة مع أمريكا؟ ولماذا يقف المجتمع الإيراني كله تقريبًا في منطقة الشك؟

كتبت: إسراء جبريل

“الجميع غاضب أو قلق لكن لأسباب مختلفة”… ربما لا توجد عبارة تصف المزاج الإيراني تجاه مذكرة التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران بصورة أدق من هذه الجملة. فمن النادر أن يظهر حدث سياسي كبير داخل إيران ينجح في جمع تيارات متناقضة – المحافظين والمتشددين والإصلاحيين والمعارضين في الداخل والخارج والمواطنين العاديين – تحت سقف شعور واحد. لكن المفارقة أن الاتفاق الأخير نجح في ذلك؛ لا لأنه خلق إجماعًا، بل لأنه خلق حالة عامة من الترقب والشك والقلق، وإن اختلفت الأسباب والدوافع.

في إيران اليوم لا يبدو المشهد قريبًا من صورة الاحتفالات الشعبية التي تصاحب أحيانًا الاتفاقيات السياسية الكبرى، ولا يشبه كذلك حالة الغضب الشعبي الموحد، المشهد أكثر تعقيدًا.

هناك من يخشى أن تكون إيران قد قدمت تنازلات كبيرة، وهناك من يرى أن الاتفاق لم يقدم شيئًا حقيقيًا، وهناك من يعتبره مجرد هدنة مؤقتة لا أكثر، بينما توجد شريحة واسعة تنظر إلى كل هذا الجدل بعين مختلفة تمامًا: هل ستنخفض الأسعار؟ هل سيتراجع التضخم؟ هل سيصبح شراء منزل أو الحصول على وظيفة أو تأسيس مشروع أمرًا ممكنًا؟

منذ سنوات يعيش المجتمع الإيراني تحت ضغوط اقتصادية وسياسية واجتماعية متراكمة؛ لذلك فإن الإيراني العادي لم يعد ينظر إلى الاتفاقات الدولية بالطريقة التي كانت سائدة قبل عقد أو عقدين.

في السابق كان النقاش يدور حول القضايا الكبرى المتعلقة بالمشروع النووي أو التوازنات الإقليمية أو الصراع مع الولايات المتحدة. أما الآن فقد أصبحت الأسئلة اليومية أكثر حضورًا: ماذا سيحدث لسعر العملة؟ ماذا سيحدث لسوق العمل؟ وهل سيتغير شيء فعلاً في الحياة اليومية؟

اللافت أن التصريحات الرسمية الإيرانية نفسها تعكس قدرًا كبيرًا من الحذر وعدم الثقة.

من “العدو الدائم” إلى “الشريك المؤقت”… لماذا تتحدث السلطة الإيرانية بلغة الحذر؟

رئيس لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان الإيراني محمد صالح جوكار أوضح أن هدف النظام هو إنهاء حالة “لا حرب ولا سلام”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن توقيع مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة لا يعني نهاية العداء الأمريكي لإيران.

هذه اللغة السياسية تحمل دلالة مهمة؛ فهي لا تقدم الاتفاق باعتباره تحولًا تاريخيًا في العلاقة بين الطرفين، بل باعتباره إدارة مؤقتة للتوترات القائمة.

هذا الخطاب يجد صداه أيضًا في تصريحات أعضاء لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان.

بهنام سعيدي على سبيل المثال تحدث بوضوح عن “عدم الثقة الكاملة” بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكدًا أن الجمهورية الإسلامية لن تكون متفائلة تجاه الولايات المتحدة وأن تنفيذ أي التزام سيكون مشروطًا بخطوات أمريكية مقابلة ومتبادلة.

في الحقيقة، هذه التصريحات ليست مجرد رسائل دبلوماسية موجهة للخارج؛ بل تخاطب أيضًا الداخل الإيراني. فالسلطات الإيرانية تدرك أن جزءًا مهمًا من المجتمع ما زال يتذكر تجربة الاتفاق النووي السابق وما تلاها من انسحاب أمريكي وتدهور اقتصادي. ولذلك يبدو أن الرسالة الرسمية تقول للإيرانيين: “نحن لا نكرر أخطاء الماضي، ولسنا ساذجين تجاه واشنطن”.

لكن داخل المعسكر المؤيد للنظام نفسه لا يوجد إجماع كامل حول الاتفاق.

الحرب داخل البيت المحافظ… لماذا يخشى المتشددون الاتفاق أكثر من خصومهم؟

لقد بدأت التيارات المحافظة ومتشددة سريعًا في إظهار تحفظاتها واعتراضاتها.

فصحيفة كيهان المقربة من التيار المحافظ المتشدد شنت هجومًا واضحًا على الاتفاق وعلى من وصفتهم بـ”المرعوبين داخليًا والمفتونين بالغرب”. كما حذرت من تكرار ما تعتبره أخطاء حدثت خلال الاتفاق النووي السابق.

المثير للاهتمام أن كيهان لم تكتف بانتقاد مضمون التفاهم، بل أثارت أيضًا قضية قانونية وسياسية تتعلق بضرورة عرض الاتفاق على البرلمان. الصحيفة تحدثت عن مواد دستورية تنص على ضرورة مصادقة البرلمان على الاتفاقات الدولية، محذرة مما اعتبرته محاولة للالتفاف على المؤسسات الرسمية.

هذا الموقف يكشف جانبًا مهمًا من الأزمة الداخلية الإيرانية الحالية. فالخلاف لا يدور فقط حول الاتفاق نفسه، وإنما حول سؤال أكبر: من يملك حق رسم السياسة الكبرى للدولة؟ وهل يجب أن تُدار مثل هذه الملفات داخل دوائر مغلقة أم عبر مؤسسات الدولة المختلفة؟

كما أن الانتقادات لم تتوقف عند كيهان، فشخصيات مرتبطة بجبهة بايداري (التيار السياسي المتشدد الذي تأسس داخل إيران بعد احتجاجات وأزمات سياسية شهدتها البلاد في أواخر العقد الأول من الألفية)، وشخصيات قريبة من سعيد جليلي (المرشح الرئاسي المحافظ السابق) عبّرت عن مواقف أكثر حدة.

إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي، انتقد محاولات تبرير الاتفاق وحذر من استخدام اسم المرشد الإيراني لتغطية قرارات سياسية مثيرة للجدل. كما طالب بعض النواب بمحاسبة وزير الخارجية عباس عراقجي.

لكن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام لا يتعلق بالتيارات المحافظة أو مؤسسات الدولة، وإنما بالمواقف داخل المعارضة الإيرانية نفسها.

على مدى الأشهر الماضية كانت هناك شريحة من الإيرانيين، خصوصًا في أوساط المعارضة خارج البلاد، تبني آمالًا كبيرة على دونالد ترامب. بعض هؤلاء رأى في تصريحاته وتصعيده ضد إيران مؤشرات على احتمال دعم تغيير النظام الإيراني أو الضغط باتجاه تحولات داخلية كبرى.

هذه الشريحة تلقت صدمة سياسية ونفسية كبيرة بعد توقيع مذكرة التفاهم؛ فبالنسبة لها بدا الأمر وكأنه تحول مفاجئ من خطاب التصعيد والمواجهة إلى خطاب التفاهم والتفاوض. ولذلك ظهرت موجة انتقادات حادة ضد ترامب في أوساط معارضة كانت تعتبره حليفًا سياسيًا أو على الأقل أداة ضغط على النظام الإيراني.

الإيراني العادي لا يبحث عن النصر السياسي.. بل عن حياة قابلة للعيش

لكن في المقابل توجد فئة أخرى ربما تكون الأوسع اجتماعيًا داخل إيران. هذه الفئة لا ترى الاتفاق من منظور الانتصار أو الهزيمة ولا تهتم كثيرًا بالجدل الأيديولوجي. هي فئة مرهقة اقتصاديًا ونفسيًا وتبحث عن استقرار يسمح لها باستعادة شيء من الحياة الطبيعية.

داخل هذه الشريحة يمكن العثور على أطياف واسعة جدًا: إصلاحيون، محافظون معتدلون، مستقلون سياسيًا، وحتى أشخاص كانوا يأملون في تغييرات جذرية ثم فقدوا ثقتهم بإمكانية حدوثها في المستقبل القريب.

هؤلاء لا ينظرون إلى الاتفاق باعتباره نهاية للصراع مع الولايات المتحدة ولا كبداية عصر جديد، وإنما باعتباره فرصة قد تسمح بتخفيف الضغوط وتحسين الظروف المعيشية وربما فتح الباب أمام تغييرات تدريجية في السياسات الداخلية والخارجية.

وهنا تظهر المفارقة الأكثر أهمية: فبينما ينشغل السياسيون بالنقاش حول السيادة والتنازلات والمكاسب الاستراتيجية، ينشغل جزء كبير من الإيرانيين بأسئلة مختلفة تمامًا. بالنسبة لهم قد يكون نجاح الاتفاق مرتبطًا بأمور صغيرة جدًا لكنها حاسمة: فاتورة الغذاء، إيجار المنزل، القدرة على السفر، أو مجرد الشعور بأن المستقبل لم يعد مغلقًا بالكامل.

ولهذا السبب تحديدًا يبدو المزاج الإيراني الحالي معقدًا إلى درجة يصعب اختصارها في موقف واحد. فالمجتمع الإيراني لا يعيش لحظة حماس سياسي، بل يعيش لحظة اختبار نفسي وسياسي واجتماعي؛ اختبار تحكمه الذاكرة أكثر مما تحكمه الوعود، وتؤثر فيه التجارب السابقة أكثر مما تؤثر فيه البيانات الرسمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى