هل يعيد مجتبى خامنئي تشكيل عقيدة الحرس الثوري؟

كتبت: إسراء جبريل
لم تعد المؤشرات على تغير دور الحرس الثوري الإيراني محصورة في أسماء القادة الذين عادوا إلى الواجهة. فبينما يعيد مجتبى خامنئي ترتيب هرم القيادة العسكرية والأمنية، يخرج أحد أبرز مستشاري الحرس، ليعلن صراحة أن العقيدة العسكرية والأمنية للجمهورية الإسلامية تنتقل من “الدفاع” إلى “الهجوم”.
ففي مقابلة مع التلفزيون الإيراني، قال محمدرضا نقدي، مستشار القائد العام للحرس الثوري، أن العقيدة العسكرية والأمنية للجمهورية الإسلامية تنتقل من الحالة “الدفاعية” إلى الحالة “الهجومية.
فقال نقدي: “يجب أن نكون مستعدين، إذا اقتضت الظروف وصدر الأمر، لنقل العمليات إلى أراضي العدو، وتنفيذ عمليات بعيدا عن أراضينا. وقد كُلّف الحرس الثوري بتطوير هذه الجاهزية والقدرة لديه، بحيث يتمكن في الوقت المناسب من شن هجمات على العدو بصورة ذكية وانتقائية ومدروسة”.
وأشار المسؤول الرفيع في الحرس الثوري في حديثه إلى دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة في مقر خاتم الأنبياء بهدف “زيادة المرونة والخروج من حالة العمل الإداري والهيكلي البحت”، وأضاف: “هناك مؤشر آخر على هذا التغيير في العقيدة يمكن أن نراه في القرار المتعلق بمنظمة الباسيج، إذ طُلب منها، للمرة الأولى، نشر ثقافة وفكر الباسيج على المستوى العالمي وتعزيز امتداده الدولي”.
وتابع قائًلا: “هذا التحول الكبير في القطاع الدفاعي لدينا تفرضه مقتضيات المرحلة الراهنة، بحيث لا تقتصر مهمتنا على مجرد الحفاظ على أنفسنا وقدراتنا، بل تتجاوز ذلك”.
الأهم في كلام نقدي ليس استخدام كلمة “هجومي” وحدها، وإنما التفاصيل التي رافقتها. فهو لم يتحدث عن حرب شاملة أو هجوم عشوائي، بل عن قدرة على تنفيذ عمليات “ذكية، انتقائية واختيارية” في الوقت المناسب. أي أن التصور المطروح يبدو أقرب إلى الردع الهجومي النشط منه إلى الانتقال التقليدي من الدفاع إلى الحرب المفتوحة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية لفهم التحول الجاري داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية.
فالردع الإيراني، في صورته التقليدية، قام على فكرة أساسية: تستطيع إيران امتصاص الضربة، ثم تجعل الخصم يدفع ثمنا مرتفعا عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة والقوى الحليفة والعمليات غير المباشرة.
أما الصيغة الجديدة التي يتحدث عنها نقدي فتضيف طبقة أخرى إلى هذه المعادلة: إيران تريد الاحتفاظ بخيار المبادرة، وليس فقط خيار الرد.
وهذا يتوافق مع سلسلة من التصريحات الصادرة عن شخصيات عسكرية وأمنية بارزة منذ الحرب الأخيرة. محمدرضا نقدي نفسه، الذي أصبح في أكتوبر 2025 مستشارا عاليا لقائد الحرس بعد أن شغل منصب نائب القائد المنسق للحرس، ظل حاضرًا في الخطاب العسكري المتشدد بعد الحرب، مؤكدًا أن الولايات المتحدة غير قادرة على فرض إرادتها عسكريا على إيران.
لكن أهمية تصريحه الأخير تأتي من كونه لا يكتفي بالتهديد بالرد، بل يتحدث عن تغيير في العقيدة نفسها.
وهنا يصبح السؤال: لماذا الآن؟
من الردع إلى المبادرة
الحرس الثوري لم يكن مؤسسة دفاعية بالمعنى التقليدي في أي وقت من تاريخه. فمنذ تأسيسه، جمع بين حماية النظام داخل إيران وبناء أدوات للعمل خارج الحدود، وصولًا إلى إنشاء شبكة واسعة من الشركاء والوكلاء والقوى الحليفة في الشرق الأوسط.
لكن العقيدة التي يجري الحديث عنها الآن تبدو أكثر وضوحا في الفصل بين مرحلتين: مرحلة كانت الأولوية فيها إلى منع تدمير إيران والحفاظ على القدرة الصاروخية والبنية العسكرية، ومرحلة جديدة تسعى إلى جعل هذه القدرات أدوات لإدارة المعركة في عمق المجال الاستراتيجي للخصم.
وهنا تظهر عبارة نقدي حول تنفيذ عمليات “بعيدًا عن أراضي” إيران باعتبارها أهم جزء في التصريح. فإذا تحولت إلى سياسة عملياتية فعلية، فقد نشهد توسعا في مفهوم الرد الإيراني، بحيث لا يكون الرد مرتبطا بالضرورة بموقع الضربة الأولى، بل بالمكان الذي ترى القيادة الإيرانية أنه أكثر ملاءمة لإلحاق تكلفة بالخصم.
وهذا يتسق مع إعادة بناء القيادة العسكرية بعد الضربات التي تعرضت لها إيران والحرس.
فقد عُين أحمد وحيدي في قيادة الحرس، وهو من أبرز الوجوه القديمة في المؤسسة، بينما عاد عدد من الشخصيات ذات الخبرة الطويلة إلى مواقع أمنية وعسكرية حساسة. وكان وحيدي قد شغل سابقًا مناصب قيادية داخل الحرس وقيادة قوة القدس ووزارة الدفاع، قبل أن ينتقل إلى العمل الحكومي. كما أن تعيينه جاء في سياق إعادة تنظيم القيادة بعد مقتل قيادات عسكرية بارزة.
لماذا يعود “الحرس القديم” الآن؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن إعادة شخصيات من الجيل القديم تعني العودة إلى الماضي، لكن القراءة الأكثر دقة هي العكس تماما.
يرى مراقبون أن مجتبى خامنئي، في بداية عهده، يحتاج إلى مؤسسة عسكرية قادرة على العمل في ظروف شديدة التعقيد: حرب حديثة، ضربات دقيقة، اختراقات استخباراتية، فقدان عدد من القيادات، واحتمال تجدد المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي مثل هذه البيئة، تصبح الخبرة والعلاقات داخل المؤسسة أهم من مجرد ضخ دماء شابة في القيادة.
ولهذا تكتسب عودة أحمد وحيدي أهمية خاصة؛ فالرجل ليس ضابطًا عملياتيًا فقط، وإنما شخصية تمتلك خبرة سياسية وأمنية وعسكرية متراكمة، وهو ما يجعله مناسبا لمرحلة تحتاج فيها القيادة إلى الربط بين الحرس، والجيش، والأجهزة الأمنية، ومؤسسات الدولة.
والأمر نفسه ينطبق على عودة حسين طائب إلى موقع رئيس منظمة الباسيج؛ فطائب كان رئيسًا لاستخبارات الحرس لسنوات طويلة، وبالتالي فإن وجوده في قيادة الباسيج يعني أن البعد الأمني الداخلي سيظل حاضرا بقوة في عملية إعادة تشكيل الحرس.
وفي المقابل، يمثل تعيين علي عظمايي على رأس القوة البحرية للحرس إشارة إلى الأهمية المتزايدة للمجال البحري والخليج ومضيق هرمز. وقد كان عظمايي قائدا للمنطقة البحرية الخامسة التي تشمل نطاقا استراتيجيا قريبا من المضيق والجزر الإيرانية في الخليج.
إذن نحن أمام توزيع للأدوار: وحيدي في قمة الحرس، طائب في التعبئة والأمن الداخلي، وعظمايي في الجبهة البحرية، مع حضور متزايد لرجال المؤسسة القديمة في دوائر الأمن القومي.

دمج القيادة العسكرية.. التغيير المؤسسي الأهم
لكن ربما يكون التطور الأكثر أهمية هو ما يتعلق بمقر خاتم الأنبياء.
ويعد مقر خاتم الأنبياء مركزًا رئيسيًا لتنسيق العمليات العسكرية المشتركة؛ وبالتالي فإن نقل مركز الثقل باتجاهه، بالتزامن مع دمج وظائف القيادة العسكرية العليا، يعكس رغبة في تقليل المسافة بين صنع القرار العسكري وتنفيذ العمليات.
وهذا يفسر بصورة أكبر تصريح نقدي عن “المرونة”.
فالقيادة الإيرانية، بعد تجربة الحرب الأخيرة، يبدو أنها ترى أن البنية البيروقراطية التقليدية قد لا تكون مناسبة لمواجهة حرب تعتمد على سرعة الاستهداف، وتعدد الجبهات، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والعمليات الدقيقة.
ومن هنا يمكن فهم التحول من نموذج: رصد التهديد ثم انتظار الضربة ثم الرد.
إلى نموذج: رصد التهديد ثم تحديد نقطة الضعف ثم اختيار التوقيت ثم المبادرة بالعمل العسكري.
وهذا لا يعني بالضرورة أن إيران ستبدأ حربا شاملة. بل على العكس؛ مصطلح “ذكي وانتقائي” الذي استخدمه نقدي يوحي بأن الهدف هو امتلاك قدرة هجومية يمكن استخدامها بجرعات محسوبة، وليس الدخول في مواجهة مفتوحة في كل مرة.
الباسيج يدخل المعادلة الدولية
التغيير لا يقتصر على الحرس في مفهومه العسكري.
نقدي أشار أيضًا إلى أن أحد مؤشرات التحول يتمثل في تكليف منظمة الباسيج، للمرة الأولى، بترويج “ثقافة وتفكير الباسيج” على المستوى العالمي وبناء امتداد دولي له.
هذه النقطة بالغة الأهمية لأنها توسع مفهوم “الجبهة” في العقل الأمني الإيراني.
فإذا كان الحرس يتجه إلى العمل العسكري خارج الحدود، فإن الباسيج يمكن أن يتحول إلى أداة لبناء امتداد اجتماعي وفكري وتنظيمي خارج إيران.
ويرى محللون أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الباسيج سيصبح نسخة خارجية من الحرس، وإنما أن طهران تريد على ما يبدو توسيع مفهوم التعبئة من نموذج محلي مرتبط بالمجتمع الإيراني إلى نموذج عابر للحدود.
وهنا تلتقي العقيدة العسكرية بالعقيدة الأيديولوجية: الحرس يوسع المجال العملياتي، والباسيج يوسع المجال التعبوي.
وهذا مهم للغاية بالنسبة لمجتبى خامنئي، لأنه يمنحه منظومة لا تعتمد فقط على الصواريخ والقوة العسكرية، وإنما على شبكة أوسع من الأدوات الأمنية والسياسية والاجتماعية.
هل تغيرت سياسة الحرس فعلا أم تغيرت اللغة فقط؟
لا يمكن اعتبار تصريحات نقدي وحدها دليلا على أن إيران انتقلت بالفعل إلى عقيدة هجومية مكتملة. العقائد العسكرية لا تتغير بمجرد التصريحات، بل تحتاج إلى تغييرات في هيكل القوات، وتوزيع الموارد، والتدريب، وقواعد الاشتباك، وأنماط الانتشار، والعمليات الفعلية.
لكن عندما تتزامن التصريحات مع إعادة هيكلة القيادة وتعيين قيادات ذات خلفية عملياتية وأمنية قوية، يصبح من الصعب اعتبارها مجرد خطاب دعائي.
الأهم أن أحمد وحيدي نفسه ليس شخصية مرتبطة فقط بإدارة الحرس، بل يمتلك تاريخا طويلا في الملفات الأمنية والعمليات الخارجية. وتعيينه في هذا التوقيت يجعل الرسالة أكثر وضوحا: القيادة الجديدة تريد رجلا قادرا على التعامل مع الحرس باعتباره مؤسسة عسكرية وأمنية واستراتيجية متكاملة، وليس مجرد قوة لحماية الداخل.
أما تعيين علي عظمايي، الذي جاء بعد مقتل قائد البحرية السابق عليرضا تنكسيري، فيحمل بعدا آخر. فالبحرية التابعة للحرس مسؤولة عن أحد أكثر مسارح العمليات حساسية في المنطقة، ومضيق هرمز يمثل ورقة ضغط استراتيجية لإيران في مواجهة الولايات المتحدة. وقد ارتبطت خبرة عظمايي السابقة مباشرة بالمنطقة البحرية الخامسة ومحيط المضيق.
الاختبار القادم.. هل يستطيع الحرس تنفيذ العقيدة الجديدة؟
في النهاية، التحدي الحقيقي أمام مجتبى ليس الإعلان عن عقيدة هجومية.
التحدي هو تحويل هذه العقيدة إلى قدرة قابلة للتنفيذ من دون دفع إيران إلى حرب لا تستطيع تحمل كلفتها.
وهنا توجد ثلاث مشكلات رئيسية.
الأولى هي الاستخبارات.
فأي عقيدة هجومية تحتاج إلى معلومات دقيقة عن أهداف الخصم. وإذا بقيت مشكلة الاختراق الاستخباراتي قائمة، فقد تتحول العقيدة الهجومية إلى مخاطرة.
الثانية هي الدفاع الجوي والسيطرة على المجال الجوي.
إيران تستطيع امتلاك صواريخ وطائرات مسيّرة كثيرة، لكن القدرة على تنفيذ حرب هجومية فعالة تعتمد أيضا على حماية قواعد الإطلاق ومراكز القيادة والمنشآت الصناعية.
الثالثة هي الاقتصاد.
العقيدة الهجومية تحتاج إلى تمويل مستمر للصواريخ والطائرات المسيّرة والاتصالات والاستخبارات والبحرية والحرب الإلكترونية. وفي ظل الضغوط الاقتصادية، ستصبح قدرة النظام على الحفاظ على هذا الإنفاق أحد محددات طموحه العسكري.
ولهذا فإن ما يحدث حاليا لا يمكن اختزاله في عبارة “إيران أصبحت أكثر عدوانية”.
الأدق هو القول إن الجمهورية الإسلامية في عهد مجتبى خامنئي تحاول بناء معادلة ردع جديدة بعد أن اكتشفت أن الردع القديم لم يعد كافيا.



