لماذا يواجه بعض الأطفال صعوبة في الاندماج مع زملائهم؟ خبيرة تجيب

تمثل المدرسة بالنسبة إلى الطفل أكثر من مجرد مكان للتعلم والدراسة، فهي مساحة أساسية لاكتساب المهارات الاجتماعية والتعامل مع الآخرين وتكوين الصداقات. لكن بعض الأطفال قد يواجهون صعوبة في الاندماج مع زملائهم، خاصة في المراحل الأولى من الحضانة أو المدرسة.
وقد تثير هذه الصعوبات قلق الأهل، خصوصًا إذا صاحبها عزلة أو خوف من التعامل مع الآخرين أو تعرض الطفل للمضايقات والتنمر. فما أسباب صعوبة اندماج بعض الأطفال مع أقرانهم؟ وكيف يمكن للأسرة مساعدتهم على بناء علاقات اجتماعية صحية؟
تجيب عن هذه التساؤلات الخبيرة التربوية الدكتورة بثينة عبد الرؤوف، في تصريحات خاصة لـ«الشروق».
الحضانة تساعد الطفل على اكتساب مهارات التفاعل
أوضحت الدكتورة بثينة عبد الرؤوف أن انتقال الطفل بشكل مفاجئ من البيئة الأسرية المحدودة إلى مجتمع المدرسة قد يمثل تحديًا اجتماعيًا، خاصة بالنسبة للطفل الوحيد أو الذي لم تتوافر له فرص كافية للتعامل مع أطفال من عمره.
وأشارت إلى أهمية إتاحة الفرصة أمام الطفل للالتحاق بالحضانة في سن مبكرة، موضحة أن دخول المدرسة للمرة الأولى دون المرور بتجربة اجتماعية سابقة قد يجعل عملية الاندماج أكثر صعوبة.
وأضافت أن بعض الحضانات توفر للطفل إمكانية الحضور لفترات قصيرة أو قضاء يوم أو أكثر، وهو ما يساعده تدريجيًا على الابتعاد عن البيئة المنزلية والتعامل مع مجتمع أوسع، واكتساب خبرة في التفاعل مع الأطفال الآخرين.
دور الأسرة في تدريب الطفل على التعامل مع الآخرين
وأكدت الخبيرة التربوية أن وجود الطفل وسط الأقارب يمكن أن يكون وسيلة مهمة لتطوير مهاراته الاجتماعية، خاصة في الأسر الكبيرة التي توفر له فرصًا للتفاعل واللعب مع أطفال من نفس عمره.
كما نصحت بعدم المبالغة في حماية الطفل من المواقف اليومية البسيطة، موضحة أن تدخل الأم بشكل سريع في كل موقف قد يواجهه الطفل، سواء عند سقوطه أو حدوث خلاف بسيط بينه وبين طفل آخر، يمكن أن يجعله أكثر اعتمادًا عليها في التعامل مع المشكلات الاجتماعية.
ومن الأفضل، وفقًا لها، منح الطفل مساحة مناسبة للتجربة والتعامل مع المواقف بنفسه، طالما أن الموقف لا يمثل خطرًا عليه أو يتطلب تدخل الكبار.
صعوبة اندماج الطفل في البداية ليست بالضرورة مشكلة
وأوضحت عبد الرؤوف أن مواجهة الطفل صعوبة في تكوين الصداقات أو تكرار بعض المشكلات خلال الأشهر الأولى من الحضانة أو المدرسة لا تعني بالضرورة وجود مشكلة لديه أو أن البيئة التعليمية غير مناسبة.
فالطفل الذي اعتاد التعامل مع دائرة أسرية محدودة يحتاج إلى وقت حتى يعتاد مجتمعًا أكبر ويتعلم كيفية التواصل مع الآخرين.
ولذلك، نصحت بمنح الطفل فرصة خلال عامه الدراسي الأول، مع متابعة تطوره بصورة تدريجية، موضحة أن مؤشرات التكيف قد تظهر مع مرور الوقت، مثل بدء الطفل في تكوين صداقات، والتحدث عن زملائه، وانخفاض نوبات البكاء أو المشكلات التي ظهرت في بداية التحاقه بالحضانة أو المدرسة.
أما إذا استمرت صعوبة الاندماج لفترة طويلة، فيمكن للأسرة محاولة معرفة أسبابها، سواء كانت مرتبطة بطبيعة الطفل أو بالبيئة المدرسية أو بوجود مشكلة مع أحد زملائه.
متى تحتاج مشكلة الطفل إلى تدخل المدرسة؟
وأكدت الخبيرة التربوية أن تدخل المدرسة يصبح ضروريًا عندما يتحول الخلاف بين الأطفال إلى عنف بدني أو إيذاء نفسي شديد.
وفي هذه الحالات، يجب التعامل مع المشكلة من خلال المدرسة، بالتعاون مع الأخصائي الاجتماعي والنفسي، بدلًا من ترك الطفل يواجهها بمفرده.
كما شددت على أهمية عدم تعليم الطفل مواجهة العنف بالعنف، داعية المدارس إلى الاهتمام بوجود أخصائيين اجتماعيين ونفسيين مؤهلين، يمكنهم مساعدة الأطفال على التعامل مع المشكلات الاجتماعية وتجاوزها.
لا تعلموا الطفل استخدام العنف لحل الخلافات
وحذرت عبد الرؤوف من مطالبة الطفل بالرد على زميله بالطريقة نفسها التي تعرض بها للأذى، مثل توجيهه إلى ضرب الطفل الآخر أو دفعه.
وأكدت أن استخدام العنف لا يمثل وسيلة مناسبة لحل الخلافات بين الأطفال، وأن الأفضل تعليم الطفل كيفية التعبير عن مشاعره والتعامل مع المواقف المختلفة بطريقة مناسبة.
كما نصحت الأهل بعدم إجبار الطفل على تكوين علاقة مع طفل بعينه، مثل مطالبته بالجلوس إلى جواره أو اعتباره صديقًا له.
وترى أن الأفضل منح الطفل حرية التعامل مع زملائه واختيار أصدقائه وفقًا لشخصيته واهتماماته، مع متابعة الأسرة لسلوكه بهدوء وتشجيعه على التعامل مع مشكلاته بنفسه عندما تكون بسيطة ولا تستدعي تدخل الكبار.
بناء شخصية الطفل أولوية في السنوات الأولى
وترى الخبيرة التربوية أن العامين الأولين من الحضانة والمدرسة لا ينبغي أن ينصب التركيز خلالهما فقط على الواجبات الدراسية وسرعة اكتساب المهارات التعليمية.
وأوضحت أن التعلم يظل عنصرًا أساسيًا، لكنه يجب أن يتوازن مع الاهتمام ببناء شخصية الطفل وتنمية قدرته على التواصل مع الآخرين، وتكوين العلاقات والتعامل مع المجتمع بصورة سليمة.
هدوء الطفل لا يعني وجود مشكلة
ولفتت عبد الرؤوف إلى أن بعض الأطفال يتمتعون بطبيعة هادئة ويفضلون قضاء وقتهم في الرسم أو اللعب بمفردهم، وهو أمر لا يعني بالضرورة وجود مشكلة في شخصية الطفل.
لكنها أوضحت أن الأمر يستحق مزيدًا من الانتباه عندما تمنع طبيعة الطفل الهادئة من تكوين أي علاقات مع الآخرين، أو عندما يكون الخوف شديدًا لدرجة تحول دون مشاركته في المواقف والتجارب الاجتماعية.
وبشكل عام، يحتاج الطفل إلى وقت مناسب للتكيف مع البيئة الجديدة، إلى جانب دعم الأسرة وتشجيعها له على خوض التجارب الاجتماعية تدريجيًا، مع التدخل عند ظهور مشكلات حقيقية تتطلب مساعدة المدرسة أو المتخصصين.



