حرب السودان تدمر القطاع الصحي.. مستشفيات خارج الخدمة وملايين بلا علاج

تواصل الحرب في السودان إلحاق أضرار واسعة بالقطاع الصحي، بعدما تحولت المستشفيات والمراكز الطبية إلى أهداف للهجمات أو منشآت عاجزة عن تقديم خدماتها بسبب نقص الأطباء والأدوية والكهرباء والمياه.
وتزامن ذلك مع تصاعد الاعتداءات على الرعاية الصحية في مناطق النزاعات حول العالم، إذ أعلنت منظمة الصحة العالمية تسجيل أكثر من 900 هجوم على مرافق صحية وعاملين في المجال الطبي منذ بداية عام 2026، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 900 شخص وإصابة أكثر من 1400 آخرين.
وشملت الاعتداءات قصف المستشفيات والمراكز الطبية وسيارات الإسعاف، إلى جانب احتجاز واختطاف عاملين في القطاع الصحي، حيث سجلت المنظمة احتجاز 94 من العاملين الطبيين منذ بداية العام.
أكثر من ثلث المرافق الصحية في السودان خارج الخدمة
ويعد السودان من أكثر الدول تضررًا جراء استمرار الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، حيث تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى خروج 37% من المرافق الصحية في الولايات السودانية الـ18 عن الخدمة.
ويرتفع حجم الضرر في المناطق التي تشهد معارك مستمرة، خصوصًا دارفور وكردفان، حيث أغلقت مستشفيات أبوابها بشكل كامل، بينما تعمل منشآت أخرى بصورة جزئية وسط ظروف أمنية صعبة ونقص حاد في الموارد.
ومنذ اندلاع الحرب، وثقت منظمة الصحة العالمية 217 اعتداءً على مرافق الرعاية الصحية والعاملين فيها داخل السودان، أسفرت عن مقتل 2052 شخصًا وإصابة 810 آخرين، مع الإشارة إلى أن صعوبة الوصول إلى مناطق القتال تعرقل عملية توثيق جميع الهجمات.
ملايين السودانيين محرومون من الرعاية الصحية
وتقدر منظمة الصحة العالمية أن نحو 21 مليون شخص في السودان لا يحصلون على الخدمات الصحية التي يحتاجون إليها، من إجمالي 34 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية.
وتتزامن أزمة القطاع الصحي مع تدهور الأوضاع الغذائية وانتشار الأمراض، إذ يواجه أكثر من 4 ملايين شخص خطر سوء التغذية الحاد خلال عام 2026.
كما سجلت مناطق سودانية عدة تفشي أمراض، بينها الملاريا وحمى الضنك والحصبة وشلل الأطفال والتهاب الكبد الوبائي والتهاب السحايا والدفتيريا، بالتزامن مع تراجع قدرة المستشفيات والمختبرات على تشخيص الأمراض وعلاج المصابين.
ويزيد نقص المياه النظيفة وتدهور شبكات الصرف الصحي والاكتظاظ في مخيمات النزوح من مخاطر انتشار العدوى، خصوصًا مرض الكوليرا بين الأطفال والنساء وكبار السن.
المستشفيات في مرمى الهجمات
وأظهرت الهجمات التي تعرضت لها مستشفيات في دارفور وكردفان حجم الخطر الذي يواجه القطاع الطبي، إذ أدى قصف مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور خلال مارس الماضي إلى سقوط عشرات القتلى، بينهم أطفال وعاملون صحيون، وخروج المستشفى من الخدمة.
وكان المستشفى يقدم خدمات طبية أساسية لمئات الآلاف من السكان في شرق دارفور والمناطق المجاورة، ما جعل توقفه يحرم أعدادًا كبيرة من خدمات الطوارئ والجراحة ورعاية النساء والأطفال.
كما تعرضت منشآت صحية في كردفان لأضرار وسط تصاعد القتال والهجمات بالطائرات المسيرة، فيما توقفت مرافق أخرى بسبب نقص الأدوية أو انسحاب الجهات التي كانت تتولى تمويل وتشغيل الخدمات الطبية.
وفي مناطق أخرى، أدت الحرب والنزوح إلى تراجع خدمات الولادة والصيدليات والمختبرات، في وقت تواجه فيه المرافق الصحية نقصًا في الأدوية والمستلزمات الأساسية.
انهيار منظومة الرعاية الصحية
ولا تقتصر تداعيات الحرب على تدمير المباني الطبية، بل امتدت إلى مختلف عناصر المنظومة الصحية، مع مغادرة أعداد كبيرة من الأطباء والممرضين، وتعطل سلاسل إمداد الأدوية واللقاحات والوقود.
كما تسبب انقطاع الكهرباء في تعطيل أجهزة العناية المركزة والمختبرات ومرافق حفظ الدم واللقاحات، بينما أدى نقص الوقود إلى تقليص قدرة سيارات الإسعاف والمولدات على العمل.
وفي المناطق المحاصرة أو المعزولة، باتت المنشآت الطبية تعتمد بدرجة كبيرة على المتطوعين وغرف الطوارئ، رغم محدودية الإمكانات والمخاطر الأمنية ونقص الإمدادات.
ورغم إيصال منظمة الصحة العالمية وشركائها أكثر من 3300 طن من الأدوية والمستلزمات الطبية منذ بداية الحرب وتوفير خدمات أساسية لأكثر من 4.1 مليون شخص، فإن حجم الاحتياجات لا يزال يتجاوز القدرات المتاحة.
هجمات على القطاع الصحي دون محاسبة
ويحظر القانون الدولي الإنساني استهداف المستشفيات والعاملين الصحيين والمرضى وسيارات الإسعاف، كما يفرض حماية المنشآت الطبية وتسهيل وصول العاملين والإمدادات إليها.
لكن منظمة الصحة العالمية تشير إلى استمرار الاعتداءات على الرعاية الصحية في مناطق النزاعات، مع محدودية إجراءات المحاسبة مقارنة بحجم الانتهاكات المسجلة.
وتحذر المنظمة من أن آثار تدمير المنشآت الصحية لا تتوقف عند ضحايا الهجمات المباشرة، بل تمتد إلى وفيات أخرى نتيجة توقف علاج الأمراض المزمنة وتعطل خدمات الولادة والتطعيم والجراحة ومكافحة الأوبئة.
الحرب في السودان تضاعف معاناة المدنيين
وتكشف الأزمة الصحية المتفاقمة أن الحرب في السودان لا تقتصر خسائرها على القتلى والجرحى جراء المعارك، بل تمتد إلى ملايين المدنيين الذين يفقدون إمكانية الحصول على العلاج والدواء والخدمات الصحية الأساسية.
ومع استمرار القتال منذ أبريل 2023، يتزايد الضغط على النظام الصحي، وتتسع المناطق المحرومة من الرعاية، بينما تتفاقم مخاطر الجوع والأوبئة والوفيات التي يمكن تجنبها.
وبذلك أصبح انهيار القطاع الصحي أحد أخطر تداعيات الحرب السودانية، في ظل استمرار المعارك والنزوح وتراجع قدرة المؤسسات الطبية على تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان.



