تقارير

كيف تبني إسرائيل موطئ قدم جديدًا في القرن الأفريقي؟

كتبت: هدير البحيري

لم يكن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم “أرض الصومال” في ديسمبر الماضي مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل بدا مؤشرًا على مسار متصاعد من التقارب بين الجانبين تتكشف ملامحه تدريجيًا.

فوفقًا لتقارير الإذاعة الرسمية الإسرائيلية وصحيفة “التلجراف” البريطانية، انتقلت العلاقات بين تل أبيب وهرجيسا من الاتصالات السياسية إلى مستوى أمني أكثر وضوحًا، مع عودة 50 عنصرًا من القوات الخاصة التابعة للإقليم بعد تلقيهم برامج تدريب وتأهيل عسكرية داخل إسرائيل، في تطور يسلط الضوء على التحولات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة القرن الأفريقي.

وتتحرك إسرائيل في هذا المسار انطلاقًا من اعتبارات أمنية واستراتيجية ترتبط بموقع الإقليم المطل على البحر الأحمر والقريب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.

فالإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال عام 1991 وما زال يسعى إلى توسيع دائرة الاعتراف الدولي به، يمثل بالنسبة لتل أبيب موقعًا متقدمًا يتيح تعزيز حضورها الأمني في منطقة تشهد تنافسًا إقليميًا ودوليًا متزايدًا، خاصة في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بأمن الملاحة في البحر الأحمر.

كما تعكس المساعي المتبادلة بين الطرفين رغبة في تحويل هذا التقارب إلى شراكة أكثر رسوخًا.

فقد أبدى رئيس الإقليم، عبد الرحمن عبد الله، اهتمامًا بزيارة تل أبيب، قبل أن يتم إرجاء الزيارة بسبب التوترات العسكرية المرتبطة بالحرب بين إسرائيل وإيران.

ويعكس ذلك حرص هرجيسا على الاستفادة من العلاقة مع إسرائيل في إطار سعيها المستمر للحصول على اعترافات دولية أوسع وتعزيز موقعها السياسي على الساحة الدولية.

وفي المقابل، تنظر الحكومة الفيدرالية في مقديشو إلى أي انخراط خارجي مباشر مع الإقليم باعتباره مساسًا بوحدة الأراضي الصومالية، وهو ما يضيف بعدًا سياسيًا وقانونيًا معقدًا إلى هذه العلاقة الناشئة. كما تثير التحركات الإسرائيلية في المنطقة تساؤلات لدى عدد من الدول العربية والأفريقية بشأن تداعياتها على توازنات القوى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي منطقة باتت تمثل ساحة تنافس متزايدة بين قوى إقليمية ودولية متعددة.

وتشير معطيات عدة إلى أن التعاون بين الجانبين لا يقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل يمتد إلى مجالات سياسية وأمنية أخرى، في ظل حديث مسؤولين في الإقليم عن مسارات تعاون متعددة، بعضها يجري بعيدًا عن الأضواء بسبب طبيعة المصالح والتحديات المشتركة.

تداعيات التمدد الإسرائيلي في القرن الأفريقي

وفي هذا السياق، أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الدكتور حسن سلامة، في حديث خاص لـ “داي نيوز” أن الإعلان الإسرائيلي عن تدريب عناصر من “أرض الصومال” يأتي امتدادًا لسياسة التبجح السياسي واستعراض النفوذ الذي تمارسه سلطات الاحتلال في منطقة القرن الأفريقي.

وأوضح سلامة أن هذه الخطوة تعد رسالة واضحة تسعى إسرائيل من خلالها للتأكيد على أن يدها الطولى قادرة على الوصول إلى أي مكان، في ظل غياب أي رادع حقيقي يقف أمام إجراءاتها وتصرفاتها الرامية لفرض الهيمنة والتوسع الإقليمي.

وربط سلامة هذا التطور بالخطوات الإسرائيلية السابقة، لاسيما الاعتراف باستقلال جمهورية أرض الصومال؛ وهو الإجراء الذي أثار آنذاك موجة عارمة من الجدل والرفض والاستنكار في الدول العربية والإسلامية.

وبين أن خطورة هذا الاعتراف تكمن في كونه ينتقص مباشرة من سيادة جمهورية الصومال، ويقوض السيطرة الجغرافية للدولة المركزية في مقديشو، فضلًا عما يشكله من تهديد جسيم للأمن القومي في المنطقة بأسرها.

وشدد أستاذ العلوم السياسية على الأهمية الجيواستراتيجية البالغة التي تمثلها منطقة أرض الصومال بإطلالتها المباشرة على البحر الأحمر، مؤكدًا أن تل أبيب تسعى جاهدة للتواجد في هذه النقطة الحيوية القريبة من اليمن ومضيق باب المندب.

وأضاف سلامة أن إسرائيل تنظر إلى التأسيس لموطئ قدم لها هناك كـ “رأس جسر” استراتيجي يضمن أمنها، ويمكنها من مواجهة التحديات المتصاعدة في المنطقة، وعلى رأسها التهديدات القادمة من جماعة الحوثي.

وفي معرض تحليله لطبيعة العلاقات بين الطرفين، أشار سلامة إلى وجود مصالح متبادلة؛ ففي حين تسعى إسرائيل للتغلغل في المنطقة، تبحث “أرض الصومال” المعزولة دوليًا عن بناء علاقات أوسع مع الغرب، معتبرةً تل أبيب بوابتها الرئيسية وجسرها العابر نحو بناء شراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وحذر من أن هذا التعاون لن يقتصر على الشق الأمني فحسب، بل سيمتد ليشمل مجالات التكنولوجيا، والاستخبارات، وتبادل المعلومات، مما سينعكس سلبًا على الأمن القومي الإقليمي ويشكل تهديدًا مباشرًا لدول المنطقة.

كما لفت سلامة الانتباه إلى التداعيات المستقبلية لهذا التقارب، محذرًا من أن استمرار التمدد الإسرائيلي وفتح آفاق جديدة للتعاون المتصاعد يومًا بعد يوم مع أرض الصومال—والذي بدأ بالإعلان عن تدريب مجموعات صغيرة وقد يصل غدًا إلى تدريب جيش كامل—سيؤدي حتمًا إلى تفتيت الوحدة الجغرافية للصومال وظهور كيانات مناوئة للدولة المركزية.

ووصف الأجندة الإسرائيلية في المنطقة بأنها مغايرة تمامًا لمتطلبات الأمن القومي العربي والإفريقي، وتعد عبثًا بالأمن المائي، وتهديدًا مباشرًا لحرية الملاحة وسلامة المضائق البحرية.

واختتم سلامة حديثه بالتشديد على ضرورة التحرك المبكر لمواجهة هذا التمدد، مؤكداً أن انشغال القوى الإقليمية والدولية بملفات غزة ولبنان والتوترات مع إيران أتاح لإسرائيل مساحة أوسع للتحرك وتعزيز نفوذها في المنطقة دون رادع.

حسابات النفوذ والاعتراف.. ماذا يربح كل طرف من التقارب؟

وعلى صعيد آخر، قال الباحث في العلوم السياسية والشؤون الأفريقية، محمود سامح همام لـ”داي نيوز” إن أهمية التقارب بين إسرائيل وأرض الصومال لا تقتصر على البعد الدبلوماسي أو العسكري المباشر، بل ترتبط بإعادة تشكيل موازين النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في ظل التنافس الإقليمي والدولي المتزايد على الممرات البحرية الاستراتيجية.

وأوضح همام أن أرض الصومال تنظر إلى الانفتاح على إسرائيل باعتباره فرصة لكسر حالة العزلة الدبلوماسية التي تعيشها منذ إعلان انفصالها قبل أكثر من 30 عامًا، مستفيدة من النفوذ الذي تتمتع به تل أبيب داخل دوائر صنع القرار الغربية، ولا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب سعيها لتقديم نفسها كشريك أمني محتمل في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن.

وأضاف همام أن الحسابات الإسرائيلية تبدو مرتبطة بدرجة كبيرة بالاعتبارات الأمنية المتصلة بمضيق باب المندب، خاصة في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالمواجهة مع إيران وجماعة الحوثي في اليمن.

ويرى همام أن موقع أرض الصومال يمنح إسرائيل فرصة لتعزيز حضورها على الضفة الغربية لخليج عدن، بما يوفر لها عمقًا استراتيجيًا إضافيًا في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة في محيط البحر الأحمر.

وأشار همام إلى أن هذا التقارب، رغم ما يمنحه لأرض الصومال من مكاسب سياسية ورمزية، لا يعني بالضرورة اقتراب حصولها على اعترافات دولية واسعة، في ظل استمرار تمسك الاتحاد الأفريقي بمبدأ وحدة الدول ورفض الاعتراف بالكيانات الانفصالية، فضلًا عن غياب أي تحول جوهري في مواقف القوى الدولية الكبرى تجاه وضع الإقليم.

واعتبر همام أن العلاقة المتنامية بين الجانبين ستظل محكومة بتوازنات إقليمية معقدة، تتداخل فيها اعتبارات الأمن البحري مع حسابات الاستقرار السياسي في القرن الأفريقي، ما يجعل مستقبل هذا التقارب وتأثيره الفعلي على الوضع القانوني والسياسي لأرض الصومال رهنًا بالتطورات الإقليمية والدولية خلال المرحلة المقبلة.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى