من ساحات القتال إلى المخيمات: أزمة لاجئين تهزّ موريتانيا بسبب تصاعد القتال في مالي

منذ ما يقارب تسعة أشهر فرضت جماعات مسلحة حصاراً على وقود العاصمة باماكو. وفي أواخر أبريل 2026، تصاعد النزاع بشكل حاد، إذ شنّت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، جنباً إلى جنب مع حركات انفصالية طوارقية، هجوماً منسقاً على الجيش المالي وحلفائه الروس (Africa Corps)، أسفر عن مقتل وزير الدفاع المالي صادو كمارة. واستعاد المتمردون السيطرة على مواقع عسكرية وأكبر مدن الشمال كيدال، وشدّدوا الحصار على باماكو.
يتواجه الجيش المالي والمقاتلون الروس مع عدة جماعات مرتبطة بتنظيمَي القاعدة وداعش، فضلاً عن متمردي جبهة تحرير أزواد في الشمال. وقد أكد الطرفان معاً شنّ هجمات مشتركة على مواقع عسكرية مالية متعددة .
وبحسب هيني نسايبيا، كبير محللي غرب أفريقيا في مركز ACLED لرصد النزاعات، فإن الجيش المالي والمقاتلين الروس ألحقوا خلال العامين الماضيين أضراراً بالمدنيين تفوق ما تسببت فيه الجماعات المسلحة مجتمعةً. وقال: “لا يوجد طرف جيد في هذا الصراع، والعقاب الجماعي سمة رئيسية فيه” .
شهادات اللاجئين
تروي تقارير الجزيرة الإنجليزية من داخل قرية دوانكارا الحدودية شهادات صادمة:
موختار، رجل طاعن في السن من منطقة سونداجي شمال مالي، قال إن مجموعات مسلحة متعددة داهمت منازل القرية، واتهمت السكان بالتعاون مع الأعداء.
وأضاف: “جاء الرجال على نحو 30 دراجة نارية، وأدّوا معنا صلاة المغرب في المسجد، ثم أخبرونا بأن لدينا 72 ساعة لمغادرة القرية.” ثم وصف ما رآه بالقول: “رأينا أشياء مروّعة. كان الناس يُقطع رأسُهم ويُوضع على صدورهم. الخوف في عيونهم جعلنا نخاف أكثر”.
ومن معسكرات اللاجئين في فصالة، قالت امرأة تبلغ 49 عاماً من منطقة موبتي: “اغتصب عناصر فاغنر نساء في قرية قريبة منا، لكننا قررنا الفرار قبل أن يعودوا إلى قريتنا.” وأضافت أخرى من منطقة ليري: “جاؤوا إلى قريتنا وأخذوا كل ما يستطيعون: مجوهراتنا وبطاطيننا” .
ويدعم هذه الشهادات تقرير المركز العالمي لمسؤولية الحماية الذي أشار إلى أن لاجئين ماليين في موريتانيا أفادوا عمال الإغاثة بتعرّضهم لانتهاكات من قِبل Africa Corps، شملت القتل العشوائي والاختطاف والعنف الجنسي والتعذيب.
أرقام الأمم المتحدة
وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فرّ ما لا يقل عن 13,000 شخص من مالي إلى موريتانيا بين أكتوبر 2025 وأبريل 2026. وقد تجاوز عدد من عبروا الحدود منذ أواخر عام 2023 أكثر من 100,000 شخص، وإن كان العدد الفعلي أعلى على الأرجح .
وبحسب نشرة المفوضية، تجاوز إجمالي عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في موريتانيا 300,000 شخص، تستضيف منطقة الحوض الشرقي وحدها أكثر من 290,000 من الماليين، من بينهم نحو 120,000 في مخيم أمبره و170,000 آخرين في قرى الاستضافة المحيطة (African Security Analysis).
وقال عمر دوكالي، المتحدث باسم المفوضية في موريتانيا، إن المنظمة تتابع الوضع بقلق بالغ، مشيراً إلى ضغوط حادة في الموارد بسبب تراجع التمويل (Africanews).
مخيم أمبره
يعدّ مخيم أمبره أكبر مخيم في العالم لاستضافة اللاجئين الماليين منذ 2012. ويؤوي نحو 115,000 شخص، مع اكتظاظ يتجاوز طاقته بأكثر من 40,000 شخص، ما يجعله أكبر من العديد من المدن الموريتانية.
وقال محمد “مومو” أغ مالها، قائد مجتمع المخيم البالغ من العمر 84 عاماً، إنه محبط من موجات النزوح الجديدة بعد سنوات طويلة من اللجوء، مضيفاً: “نحن شعب مالي ضحايا الجميع. كل ما نريده هو السلام والعودة إلى بيوتنا.
الوضع الإنساني الأشمل في مالي
تواجه مالي أزمة إنسانية وأمنية متفاقمة، حيث تسيطر الجماعات المسلحة على مساحات واسعة من البلاد، ويتعرض المدنيون لعنف عشوائي.
تهدد مجاعة حادة 1.56 مليون شخص في 2026، بينما يعاني أكثر من 227,000 طفل من سوء التغذية الحاد، مع وجود مؤشرات على أوضاع مجاعة فعلية في الشمال (الاتحاد الأوروبي).
كما يواجه المهاجرون مخاطر جسيمة تشمل العنف الجنسي والاستغلال والتجنيد من قبل الجماعات المسلحة. وقد رُصدت أكثر من 500 حالة وفاة لأشخاص عبروا الصحراء الكبرى عبر مالي (IOM).
التداعيات الإقليمية وخطر الامتداد
يرى محللون أن الأزمة قد تؤدي إلى موجات هجرة أوسع نحو أوروبا وخارجها، مع احتمالات توسع نفوذ الجماعات المتطرفة في المنطقة.
وتشير تقارير تحليلية إلى أن الحدود الموريتانية-المالية باتت نقطة توتر متكرر، ليس كنزاع بين دولتين، بل كسلسلة من الحوادث الأمنية المحلية القابلة للتصعيد السياسي (African Security Analysis).
الموقف الدولي والدور الروسي
نشر ما يصل إلى 2000 مقاتل روسي في مالي، ضمن ما كان يعرف سابقاً بمجموعة فاغنر قبل أن تتحول إلى Africa Corps تحت إشراف وزارة الدفاع الروسية.
وفي مناطق الحدود، يروي لاجئون طوارق أن انتهاكات خطيرة ارتكبت خلال العمليات العسكرية، بما في ذلك القتل والخطف، ما دفع مزيداً من السكان إلى الفرار نحو موريتانيا.
وتواصل جهات دولية، من بينها الاتحاد الأوروبي، دعم الاستجابة الإنسانية في المناطق الأكثر تضرراً.
تكشف هذه التقارير الدولية أن الأزمة في مالي لم تعد مجرد صراع داخلي، بل تحولت إلى أزمة إقليمية مفتوحة على تدفقات نزوح واسعة وضغوط إنسانية هائلة. ومع استمرار انهيار الأمن وتعدد الفاعلين المسلحين، تجد موريتانيا نفسها أمام عبء إنساني متصاعد في منطقة هشّة تتجه نحو مزيد من عدم الاستقرار.


