تقرير يشكك في رواية «الحرب الهجينة» الروسية بأوروبا

أثار تصاعد الاتهامات الغربية لروسيا بشن حرب هجينة ضد أوروبا جدلًا بشأن مدى قوة الأدلة التي تستند إليها هذه الرواية، في ظل تكرار حوادث الطائرات المسيرة والحرائق وانقطاع الكهرباء، التي تُنسب إلى موسكو رغم نفيها المتكرر أي تورط فيها.
وبحسب تقرير نشرته مجلة «ريسبونسبل ستيتكرافت»، فإن التباين الكبير بين بيانات مراكز الأبحاث والتقارير الدولية، إلى جانب ضعف الأدلة العلنية في عدد من الوقائع البارزة، يثير تساؤلات بشأن مدى دقة تصوير هذه الحوادث باعتبارها حملة روسية ممنهجة ومتواصلة ضد القارة الأوروبية.
تباين في أعداد الهجمات المزعومة
وأشار التقرير إلى أن تقديرات الهجمات الهجينة المنسوبة إلى روسيا منذ فبراير 2022 تتراوح بين 52 و255 حادثة، وفقًا للجهات التي جمعت البيانات، وهو تفاوت يعكس غياب تعريف موحد ومتفق عليه لمفهوم «الحرب الهجينة».
وأوضح أن بعض الدراسات تقتصر على أعمال التخريب المادي، بينما توسع دراسات أخرى نطاق التصنيف ليشمل أنشطة متنوعة، مثل الكتابات الجدارية والملصقات المؤيدة للكرملين والتظاهرات الداعية إلى السلام، بل وبعض التحركات البحرية الروسية.
واعتبر التقرير أن هذا التباين يجعل مقارنة الأرقام وتحديد حجم الحملة المزعومة أمرًا صعبًا، خصوصًا مع إقرار المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بأن مصطلح «الهجوم الهجين» فضفاض وغير محدد المعالم.
حوادث بارزة تثير تساؤلات
وتناول التقرير عددًا من الوقائع التي حظيت باهتمام إعلامي واسع، من بينها مزاعم التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي لطائرة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وحوادث تضرر كابلات في بحر البلطيق أواخر عام 2024، وتحطم طائرة شحن تابعة لشركة «DHL» في فيلنيوس، وحريق في مطار هيثرو عام 2025.
وبحسب التقرير، لم تثبت التحقيقات في هذه الوقائع، وفق عرضه، المسؤولية الروسية على النحو الذي طرحته الاتهامات الأولية؛ إذ أشار إلى أن إشارة الطائرة لم تنقطع، وأن أضرار كابلات البلطيق ارتبطت بأسباب أخرى، فيما عزا تحطم طائرة «DHL» إلى خطأ بشري من الطيار، وحريق هيثرو إلى عطل في محطة كهرباء فرعية سبق رصده ولم يُصلح.
ولفت التقرير إلى أن التصحيحات اللاحقة لهذه الاتهامات لا تحظى، في كثير من الأحيان، بالاهتمام الإعلامي نفسه الذي تحظى به الاتهامات عند إعلانها للمرة الأولى.
هل تثبت حوادث المسيرات وجود حملة روسية؟
وتطرق التقرير إلى موجة القلق التي شهدتها أوروبا خلال خريف 2025 بسبب رصد طائرات مسيرة، وهي حوادث أدت إلى إغلاق مطارات في عدد من الدول، وسط اتهامات سياسية لموسكو.
ونقل عن تحقيق هولندي تناول نحو 60 حادثة أن كثيرًا من المشاهدات لم تتوافر بشأنها أدلة كافية على وجود صلة بروسيا، وأن بعض الأجسام المرصودة اتضح أنها طائرات مسيرة ترفيهية أو طائرات مدنية أو مروحيات أو أقمار صناعية، بل وحتى نجوم في السماء.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى دخول طائرات مسيرة روسية المجال الجوي لدول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، من بينها بولندا ورومانيا، لكنه رأى أن عددًا من هذه الحوادث وقع بالقرب من الحدود الأوكرانية بالتزامن مع هجمات روسية على أهداف داخل أوكرانيا، ما يطرح احتمال أن تكون بعض الوقائع ناجمة عن انحراف المسيرات عن مساراتها، وليس عن توغلات متعمدة.
أما بشأن حادثة استهداف مطار لايبزيغ/هاله في ألمانيا بطائرة مسيرة، والتي نسبت برلين مسؤوليتها إلى روسيا، فأشار التقرير إلى أن السلطات لم تكشف علنًا عن الأدلة التي استندت إليها، رغم تأكيد الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، أن الأدلة واضحة.
قضايا تخريب مثبتة.. لكن حجمها محل خلاف
وذكر التقرير أن استبعاد الوقائع غير المثبتة يترك عددًا محدودًا من قضايا التخريب التي انتهت إلى إدانات قضائية، من بينها إحراق مستودع في لندن، وحرق حافلات في براغ، وإضرام النار في متجر تابع لشركة «إيكيا» في فيلنيوس، وإرسال طرود مزودة بأجهزة تتبع نظام تحديد المواقع باتجاه أوكرانيا.
وأضاف أن المحاكم أدانت أشخاصًا في بعض هذه القضايا، لكن إثبات وجود صلة مباشرة بالدولة الروسية أو بوكلائها ظل محدودًا، وفقًا للتقرير، الذي أشار إلى أن هذه الروابط ثبتت في عدد ضئيل من الملفات، أبرزها قضية مستودع لندن وطرود أجهزة التتبع.
واعتبرت المجلة أن هذه الوقائع، حتى مع افتراض ارتباطها جميعًا بروسيا، لا تكفي وحدها لإثبات وجود حملة واسعة النطاق بالحجم الذي توحي به بعض التصريحات السياسية الأوروبية.
توظيف المخاوف الأمنية في السياسات الأوروبية
وخلص التقرير إلى أن توصيف الحوادث المتفرقة باعتبارها جزءًا من حرب هجينة متصاعدة يخدم، وفق تحليله، مصالح سياسية متعددة، من بينها الحفاظ على الدعم الشعبي لاستمرار المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وتعزيز التأييد لخطط إعادة التسلح الأوروبية.
وأشار إلى أن هذه الخطط قد تتطلب تخصيص موارد مالية كبيرة على حساب قطاعات أخرى، ما يجعل المخاوف الأمنية عاملًا مؤثرًا في النقاش العام بشأن الإنفاق الدفاعي.
ومع ذلك، فإن التشكيك في الأدلة المتعلقة بحوادث بعينها لا ينفي بالضرورة احتمال وجود أنشطة روسية سرية أو تهديدات أمنية فعلية؛ لكنه يسلط الضوء على أهمية التمييز بين الوقائع المثبتة والاتهامات التي لم تكشف أدلتها علنًا، قبل اعتبارها جزءًا من حملة منظمة.



