أخبار دوليةتقارير

روبيو في سمرقند.. لماذا آسيا الوسطى الآن؟

كتبت: إسراء جبريل

بينما تنشغل واشنطن بحرب أوكرانيا وأزمات الشرق الأوسط، يفتح وزير الخارجية ماركو روبيو جبهة دبلوماسية جديدة تمتد من سمرقند إلى بحر قزوين، في منطقة تختزن معادن حيوية وتتحكم في ممرات تجارية تربط الصين بأوروبا. فهل يسعى إلى انتزاع آسيا الوسطى من روسيا والصين، أم إلى منعهما من احتكار مستقبلها؟ وهل تملك واشنطن من الأدوات ما يكفي لمنافسة نفوذ راسخ منذ عقود؟

في توقيت حساس، وضع وزير الخارجية الأمريكي آسيا الوسطى في صدارة تحرك دبلوماسي يجمع بين السياسة والاقتصاد والأمن، إذ التقى في سمرقند يوم 19 أكتوبر الجاري نظراءه من كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، ضمن صيغة “C5+1” التي تجمع الولايات المتحدة بالدول الخمس.

حملت الزيارة في ظاهرها رسائل عن توسيع التجارة والاستثمار وتنويع مصادر المعادن الحيوية، إلى جانب التأكيد على استمرار الجهود الأمريكية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.

غير أن توقيتها ومضمون تصريحات روبيو يشيران إلى تحرك أوسع من الملفات المعلنة، هدفه إعادة تثبيت الموقع الأمريكي في منطقة تتزايد أهميتها في حسابات القوى الكبرى؛ فالمنافسة في آسيا الوسطى لا تدور حول الأسواق وحدها، بل حول شكل النظام الاقتصادي والجيوسياسي الذي سيربط الصين بروسيا وأوروبا خلال العقود المقبلة.

من سمرقند إلى موسكو.. دبلوماسية أمريكية على أكثر من جبهة

جاء التحرك الأمريكي في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتعثر مساعي التسوية، وتصاعد المخاوف من اتساع الصراع خارج حدود البلدين. وفي سمرقند، قال روبيو إن واشنطن ستواصل البحث عن فرص للتفاوض، مقرّاً بمحدودية التقدم المحرز، ومؤكداً أن إنهاء الحرب يتوقف في النهاية على استعداد موسكو وكييف لتقديم تنازلات.

ودافع روبيو كذلك عن قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب تعليق حزمة جديدة من العقوبات على روسيا لمدة 60 يوماً، وفق ما نُقل عنه، معتبراً أن الخطوة تهيّئ الظروف أمام المفاوضات.

وتكشف هذه المواقف مفارقة لافتة: تضغط واشنطن من أجل تسوية الحرب، وتسعى في الوقت نفسه إلى بناء علاقات استراتيجية طويلة الأمد في منطقة ترتبط بروسيا تاريخياً واقتصادياً وأمنياً.

ولا تتوافر مؤشرات على أن التحرك في آسيا الوسطى جزء من صفقة مباشرة مع موسكو، أو على وجود اتفاق غير معلن بشأن مستقبل المنطقة. لكن تعدد المسارات الدبلوماسية يمنح واشنطن أوراقاً إضافية في التعامل مع روسيا، سواء تقدمت مفاوضات أوكرانيا أم بقيت متعثرة.

لماذا الآن؟ سباق على المعادن والممرات

لا يمكن تفسير الزيارة بأزمة طارئة واحدة، فالمصالح الأمريكية في آسيا الوسطى أقدم من الحرب الأوكرانية. لكن الحرب واشتداد المنافسة مع الصين وتحوّل طرق التجارة العالمية رفعت وزن المنطقة في الحسابات الأمريكية.

المعادن الحيوية

أول هذه العوامل أهمية المعادن الحيوية، التي باتت جزءاً من معادلة القوة الصناعية والعسكرية والتكنولوجية. فاليورانيوم والنحاس والكروم والتيتانيوم والأنتيمون، إضافة إلى الإمكانات المرتبطة بالمعادن الأرضية النادرة، تدخل في صناعات متقدمة وقطاعات الطاقة والدفاع والإلكترونيات.

ولأن أجزاءً مهمة من سلاسل معالجة المعادن عالمياً تعتمد على الصين، تسعى الولايات المتحدة إلى تنويع مصادر الإمداد وتقليل تعرّض صناعاتها لاضطرابات تجارية أو ضغوط سياسية. من هنا، لم يكن حديث روبيو عن ضرورة ألا يعتمد العالم على مصدر واحد مجرد ملاحظة اقتصادية، بل عكس أحد أبرز التحديات الاستراتيجية الأمريكية: كيف تؤمّن واشنطن المواد اللازمة لاقتصادها المتقدم دون أن تتركز مصادرها ومعالجتها في دولة منافسة؟

غير أن الوصول إلى المعادن لا يتحقق بتوقيع اتفاقات سياسية فقط، بل يتطلب استثمارات طويلة الأجل وتكنولوجيا معالجة وبنية تحتية للنقل وشراكات مع الحكومات المحلية. وفي هذه النقطة تحديداً تتضح أهمية آسيا الوسطى لواشنطن.

الممر الأوسط

العامل الثاني هو التنافس على طرق التجارة. فالممر الأوسط، الذي يربط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا عبر بحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وتركيا، يوفر بديلاً عن المسارات التي تعبر الأراضي الروسية.

وكلما ازدادت جدوى هذا الممر تجارياً، اتسع هامش الخيارات أمام دول المنطقة وتراجع خطر الاعتماد على مسار واحد. كما يمكن للشركات الأمريكية والأوروبية الوصول إلى الأسواق والموارد عبر شبكات نقل أكثر تنوعاً. وبهذا تصبح الاستثمارات في السكك الحديدية والموانئ والبنية التحتية والجمارك أدوات نفوذ جيوسياسي لا تقل أهمية عن الاتفاقات الأمنية التقليدية.

روسيا والصين.. منافسان لا يمكن تجاوزهما

تتحرك واشنطن في منطقة لا تبدأ فيها المنافسة من الصفر؛ فلروسيا إرث تاريخي ومؤسسات أمنية وروابط اقتصادية واجتماعية عميقة مع دول آسيا الوسطى، بينما أصبحت الصين شريكاً تجارياً رئيسياً للدول الخمس، وعززت حضورها عبر الاستثمار في الطاقة والمعادن والبنية التحتية.

وقد دفعت الحرب الروسية الأوكرانية دول المنطقة إلى إعادة تقييم بعض علاقاتها الخارجية وتوسيع خياراتها الاقتصادية والدبلوماسية، لكن ذلك لا يعني استعدادها للتخلي عن موسكو أو بكين. فالحكومات الخمس تبدو راغبة في الاستفادة من تنافس القوى الكبرى للحصول على استثمارات وأسواق وتقنيات إضافية، مع تجنب الانحياز الكامل لأي طرف.

وهذا ما يفسر تأكيد روبيو أن واشنطن لا تطلب من دول المنطقة قطع علاقاتها مع شركائها الآخرين، وإنما تريد توفير فرص أكثر تنافسية للشركات الأمريكية. وتنطوي هذه الرسالة على إقرار ضمني بحدود قدرة واشنطن على إقصاء الصين أو روسيا؛ فمطالبة دول المنطقة بالاختيار بين القوى الكبرى قد تدفعها إلى مقاومة الضغوط، بينما قد يحقق تقديم بدائل اقتصادية ملموسة نتائج أكثر استدامة.

فالمعركة الأمريكية هنا ليست بالضرورة معركة لإخراج الصين وروسيا، بل لمنع تحولهما إلى صاحبتي نفوذ شبه حصري في منطقة استراتيجية.

300 ممثل للشركات الأمريكية.. الاقتصاد في خدمة الجغرافيا السياسية

كان اصطحاب ماركو روبيو وفداً اقتصادياً أمريكياً كبيراً، ضمّ نحو 300 ممثل عن الشركات الأمريكية وفقاً لتقارير إذاعة أوروبا الحرة/راديو ليبرتي (RFE/RL) ووكالة أسوشيتد برس (AP)، مؤشراً واضحاً على أن الزيارة تجاوزت إطارها الدبلوماسي التقليدي. فقد عكست توجهاً أمريكياً نحو تعزيز حضور شركاتها في آسيا الوسطى، ولا سيما في قطاعات الموارد المعدنية والطاقة والنقل والتكنولوجيا، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتعاون التجاري، بما يخدم المصالح الاقتصادية الأمريكية ويعزز موقع واشنطن في منطقة تتنافس على النفوذ فيها قوى دولية كبرى.

وتكتسب أوزبكستان أهمية خاصة في هذا السياق، بحكم حجمها السكاني وموقعها الجغرافي وإمكاناتها الاقتصادية وسعي قيادتها إلى تنويع الشراكات الخارجية. كما تتيح علاقاتها ببقية دول المنطقة لواشنطن مدخلاً إلى فضاء إقليمي أوسع.

ولذلك ينبغي تقييم الحديث عن اتفاقات بمليارات الدولارات وفق طبيعتها: هل هي عقود ملزمة أم مذكرات تفاهم أم مشروعات مقترحة؟ وهل جرى تأمين تمويلها؟ ومتى ستدخل حيز التنفيذ؟ فهذه الأسئلة أهم من القيمة الإجمالية المعلنة، لأن النفوذ الاقتصادي لا يُبنى على حجم الوعود، بل على مشروعات تُنفَّذ فعلاً وتستمر سنوات.

ويحمل دعم روبيو إلغاء تعديل “جاكسون–فانيك” دلالة إضافية. فهذا التعديل، الذي يعود إلى حقبة الحرب الباردة ويقيّد العلاقات التجارية الأمريكية مع دول معينة، سيسهّل إلغاؤه، إذا أقره الكونغرس، توسيع التجارة مع بعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، ومنها طاجيكستان. لكن موقف الإدارة المؤيد للإلغاء لا يعني حسم القرار، إذ يظل الأمر خاضعاً للإجراءات التشريعية الأمريكية.

وبذلك تجمع واشنطن بين أدوات الدبلوماسية التقليدية والحوافز التجارية، لجعل التقارب مع آسيا الوسطى أكثر جاذبية للحكومات والشركات معاً.

العقوبات الروسية وأمن أوروبا.. ملف حاضر في الخلفية

ثمة ملف آخر لا ينفصل عن التحرك الأمريكي، هو استخدام بعض المسارات التجارية في آسيا الوسطى للالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة على روسيا. فمع استمرار الحرب ازدادت أهمية المنطقة في حركة السلع بين روسيا والأسواق الخارجية، وأثارت صادرات بعض السلع ذات الاستخدام المزدوج، ومنها مكونات إلكترونية وآلات، مخاوف غربية من وصولها إلى قطاعات روسية مرتبطة بالحرب.

وتواجه واشنطن هنا معادلة معقدة: تريد جذب استثمارات دول المنطقة، ولا تريد في الوقت نفسه أن تتحول هذه الدول إلى منافذ تساعد موسكو على تخفيف أثر العقوبات. ومن المرجح أن يبقى هذا الملف جزءاً من الحوار مع الحكومات الإقليمية، عبر الرقابة التجارية أو التعاون الجمركي أو الحوافز الاقتصادية.

لكن لا توجد أدلة كافية على أن الزيارة تضمنت اتفاقاً سرياً بشأن العقوبات، أو أن هذا الملف كان دافعها الرئيسي. والأدق اعتباره أحد الملفات التي تجعل آسيا الوسطى مهمة في الحسابات الأمريكية المتعلقة بالحرب الأوكرانية.

وتزداد أهمية المنطقة كذلك بسبب قربها من أفغانستان وإيران، وما يرتبط بذلك من تحديات الاستقرار الإقليمي. ومع ذلك، لا يعني تعزيز التعاون الأمني وجود خطة لإنشاء قواعد عسكرية أمريكية جديدة، فالمؤشرات المعلنة عن الزيارة تركز بوضوح أكبر على الاقتصاد والتجارة والشراكات طويلة الأمد.

ماذا تعني الزيارة للشرق الأوسط، وهل تتحول إلى نتائج؟

لا تقتصر دلالات الزيارة على آسيا الوسطى. فالمنطقة تقع بين الصين وأوروبا وعلى مقربة من إيران وأفغانستان، وأي تحول في مسارات التجارة والطاقة والموارد فيها قد تمتد آثاره إلى ما وراء حدودها.

ومن هذه الزاوية، قد يغيّر تطوير الممر الأوسط بعض أنماط النقل بين آسيا وأوروبا، غير أن أثره في قناة السويس والمصالح المصرية يبقى رهناً بحجم التدفقات التجارية وتكاليف الشحن وقدرة كل مسار على المنافسة.

وعلى الصعيد السياسي، قد يتيح توسيع الشراكة الأمريكية مع دول آسيا الوسطى فرصاً إضافية للتعاون الدبلوماسي والتقني مع دول ذات أغلبية مسلمة، بما في ذلك ملف التطبيع والتعاون مع إسرائيل. لكن ذلك لا يبدو هدفاً رئيسياً للزيارة، ولا يعني أن الدول الخمس ستتبنى موقفاً موحداً منه. وفي المقابل، لا تحتاج واشنطن إلى نقل ثقل سياستها الخارجية من الشرق الأوسط إلى آسيا الوسطى لتستفيد منها، إذ تستطيع إدارة مصالحها في المنطقتين بالتوازي، بحسب أولويات كل ملف.

تكشف الزيارة في المحصلة أن آسيا الوسطى لم تعد في الحسابات الأمريكية منطقة هامشية على تخوم روسيا والصين، بل ساحة تتقاطع فيها مصالح الأمن الاقتصادي والتجارة والطاقة والتنافس الاستراتيجي.

غير أن نجاح هذا التحرك يتوقف على قدرته على الانتقال من الإعلانات إلى التنفيذ. فالشركات الأمريكية تحتاج إلى بيئة استثمارية مستقرة، والدول الخمس تحتاج إلى تمويل وتكنولوجيا وأسواق، بينما ستواصل موسكو وبكين الدفاع عن مصالحهما القائمة. وفوق ذلك، لن تتخلى هذه الحكومات بسهولة عن سياسة تنويع الشراكات التي تمنحها هامش مناورة بين القوى الكبرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى