أخبار دولية

باكستان تواجه 4 أزمات متشابكة.. دبلوماسية سابقة تحذر من تصاعد الانقسامات السياسية

حذرت مليحة لودهي، السفيرة الباكستانية السابقة لدى الولايات المتحدة وبريطانيا والأمم المتحدة، من استمرار الانقسامات السياسية والمؤسسية في باكستان، معتبرة أنها تعمّق حالة عدم الاستقرار وتعرقل قدرة البلاد على تجاوز أزماتها المتراكمة.

وفي مقال نشرته صحيفة «داون» الباكستانية، رأت لودهي أن المشهد السياسي لا يزال أسيرًا لصراعات قديمة، في ظل نخبة حاكمة لم تنجح في معالجة جذور الخلافات، مشيرة إلى أن التطورات الأخيرة زادت حدة أربعة تصدعات رئيسية تؤثر في استقرار البلاد ومسارها السياسي.

وتتمثل هذه التصدعات في المواجهة المستمرة بين الحكومة والمعارضة، والتوتر بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، وتراجع الدور الرقابي والتشريعي للبرلمان، فضلًا عن ضعف المؤسسات وتآكل استقلاليتها.

1- صراع الحكومة والمعارضة يعمّق الانقسام السياسي

تتصدر المواجهة بين الحكومة التي يقودها حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (جناح نواز) وحركة «إنصاف» قائمة التحديات التي تناولتها لودهي، إذ ترى أن العلاقة بين القوى السياسية تقوم على صراع مستمر، بدلًا من التنافس الذي يسمح بتبادل السلطة والحوار والتسوية.

وأوضحت أن غياب ثقافة التسامح السياسي وضبط النفس أسهم في إبقاء الحكومة والمعارضة في حالة مواجهة متواصلة، مع ميل بعض الأطراف إلى التعامل مع خصومها باعتبارهم تهديدًا ينبغي إقصاؤه من المشهد، وليس منافسين سياسيين.

وبحسب تحليلها، وفرت هذه الانقسامات بيئة تسمح بتدخل المؤسسة العسكرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الحياة السياسية، خصوصًا عندما تسعى أطراف سياسية إلى الاستعانة بها لتقوية مواقعها وإضعاف منافسيها.

كما أشارت إلى أن الخلاف بشأن شرعية الانتخابات العامة التي أُجريت عام 2024 لا يزال من أبرز مصادر التوتر؛ إذ حصلت حركة «إنصاف» على أكبر عدد من المقاعد بين الأحزاب، لكنها لم تتمكن من تشكيل الحكومة الاتحادية، التي تشكلت لاحقًا عبر تحالف قوى سياسية منافسة، وفقًا لما تناولته لودهي في مقالها.

2- توتر العلاقة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم

يمثل الخلاف بين الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم التصدع الثاني، وهو خلاف تعود جذوره إلى مراحل مبكرة من تاريخ الدولة الباكستانية، بحسب الدبلوماسية السابقة.

وأشارت لودهي إلى أن الحكومات الاتحادية لجأت في مراحل مختلفة إلى إقالة حكومات إقليمية منتخبة عندما كانت تسيطر عليها أحزاب منافسة، الأمر الذي يعكس استمرار التوتر بشأن توزيع السلطة وحدود صلاحيات المركز والأقاليم.

وحذرت من أن التركيز المفرط للسلطة على المستوى الاتحادي وإضعاف الحكم الفيدرالي قد يقوضان وحدة البلاد، مستشهدة بتجربة انفصال باكستان الشرقية عام 1971، التي سبقتها توترات قومية وسياسية وإخفاقات في إدارة العلاقة بين المركز والقيادات البنغالية.

وترى لودهي أن التجارب التاريخية لم تؤدِ إلى معالجة الخلافات الأساسية بصورة كافية، إذ لا تزال الحاجة قائمة إلى تعاون فعلي بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم، والتزام متبادل بالمسؤوليات التي يحددها الدستور.

3- البرلمان يفقد جزءًا من دوره الرقابي والتشريعي

أما التصدع الثالث، فيتعلق بتراجع قدرة البرلمان على أداء وظائفه الأساسية في مناقشة التشريعات ومراقبة السلطة التنفيذية ومساءلة الحكومة عن قراراتها.

وبحسب لودهي، تعاملت حكومات متعاقبة مع البرلمان باعتباره وسيلة لتثبيت بقائها في السلطة، بدلًا من أن يكون مساحة للنقاش السياسي والتشريعي ومراجعة السياسات العامة.

وأشارت إلى اللجوء إلى المراسيم، أو الاستفادة من الأغلبية البرلمانية لتمرير قوانين بسرعة ومن دون نقاش كافٍ، معتبرة أن هذه الممارسات تقلص الدور الفعلي للمؤسسة التشريعية وتحولها إلى جهة تصادق على القرارات بدلًا من إخضاعها للمراجعة.

واستشهدت بالتعديلين الدستوريين السادس والعشرين والسابع والعشرين، اللذين أُقرا في عامي 2024 و2025، وقالت إن تمريرهما لم يشهد نقاشًا برلمانيًا حقيقيًا بالقدر المطلوب، وفق تقييمها.

وترى الدبلوماسية السابقة أن إضعاف الرقابة البرلمانية ينعكس على المساءلة الديمقراطية، ويحد من قدرة النواب على مراجعة قرارات السلطة التنفيذية ومناقشة آثارها.

4- تراجع استقلال المؤسسات والقضاء

يتمثل التصدع الرابع في ضعف المؤسسات العامة وتراجع استقلاليتها، وهي مشكلة تربطها لودهي بثقافة سياسية تمنح النفوذ الشخصي ومصالح النخب أولوية على بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على فرض الضوابط والتوازنات.

واعتبرت أن استمرار هذه الثقافة يحد من قدرة المؤسسات على أداء وظائفها باستقلالية، ويجعلها أكثر عرضة للتأثر بتوازنات القوى السياسية ومصالح الأطراف الحاكمة.

وبرزت السلطة القضائية مثالًا رئيسيًا في تحليلها؛ إذ ترى لودهي أن استقلال القضاء تراجع تدريجيًا خلال فترات الحكم المدني والعسكري المتعاقبة، وأن التعديلات الدستورية الأخيرة زادت المخاوف بشأن مدى استقلال القضاء الأعلى عن السلطة التنفيذية.

ويثير هذا الملف، بحسب طرحها، تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات القضائية على أداء دورها في تطبيق الدستور والفصل في النزاعات السياسية بصورة مستقلة.

أزمات مترابطة تعرقل الاستقرار

تخلص لودهي إلى أن التحديات الأربعة لا تعمل بمعزل بعضها عن بعض، بل تتداخل لتغذي حالة عدم الاستقرار في باكستان. فالصراع بين الحكومة والمعارضة يضعف فرص التوافق السياسي، بينما يزيد التوتر بين المركز والأقاليم صعوبة إدارة الدولة، ويحد تراجع الرقابة البرلمانية من المساءلة، في حين يؤدي ضعف استقلال المؤسسات إلى تقليص الضوابط على ممارسة السلطة.

ويطرح هذا التشخيص تساؤلات حول قدرة القوى السياسية الباكستانية على الانتقال من المواجهة المستمرة إلى تسويات تحترم المؤسسات الدستورية، وتعزز التعاون بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، وتعيد للبرلمان والقضاء أدوارهما الرقابية.

وبينما تعكس هذه القراءة وجهة نظر دبلوماسية باكستانية سابقة بشأن أسباب الأزمة، فإن معالجة التصدعات التي حددتها تتطلب، وفق هذا التحليل، خطوات تتجاوز تغيير الحكومات والتحالفات، لتشمل قواعد العمل السياسي، والعلاقة بين مؤسسات الدولة، وضمان استقلالها ومساءلتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى