هوليوود تقلب الصورة.. عمالقة التكنولوجيا من رموز الابتكار إلى أبطال قصص الجشع والنفوذ

تعيد هوليوود تقديم كبار قادة شركات التكنولوجيا في أعمال سينمائية ووثائقية جديدة، ترصد التحولات في صورتهم أمام الجمهور، من رموز للابتكار والنجاح إلى شخصيات مثيرة للجدل بسبب نفوذها الاقتصادي والسياسي وتأثير منتجاتها على المجتمع.
وتشمل هذه الأعمال شخصيات بارزة، من بينها إيلون ماسك، ومارك زوكربيرغ، وسام ألتمان، إلى جانب إليزابيث هولمز، التي أُدينت بالاحتيال في قطاع التكنولوجيا الحيوية. وتعكس هذه الأعمال تزايد الاهتمام بمساءلة أصحاب الثروات الضخمة عن دورهم في تشكيل حياة الناس والأسواق والسياسات العامة.
من أبطال وادي السيليكون إلى شخصيات مثيرة للجدل
لطالما قدمت الثقافة الشعبية رواد الأعمال في وادي السيليكون باعتبارهم أشخاصًا استثنائيين استطاعوا بناء شركات عملاقة انطلاقًا من أفكار مبتكرة، وتحويل منتجاتهم إلى أدوات غيرت العالم.
لكن هذه الصورة بدأت تتراجع مع تصاعد المخاوف بشأن تركّز الثروة والسلطة في أيدي عدد محدود من الأفراد، وتزايد التساؤلات حول الأضرار الاجتماعية المحتملة لبعض المنتجات الرقمية.
وترى الناقدة السينمائية مونيكا كاستيو أن الجمهور أصبح أكثر استعدادًا لإعادة النظر في الشخصيات التي كانت تمثل مصدر إلهام، وطرح أسئلة أكثر صعوبة بشأن تأثيرها الحقيقي على المجتمع.
إيلون ماسك.. من عبقري التكنولوجيا إلى النفوذ السياسي
يتناول الفيلم الوثائقي «ماسك»، للمخرج أليكس غيبني، مسيرة إيلون ماسك، رئيس شركتي تسلا وسبيس إكس، عبر عمل يمتد لنحو أربع ساعات.
ويرصد الفيلم تحوله من شخصية ارتبطت بالابتكار والطموحات التكنولوجية إلى رجل أعمال يتمتع بنفوذ واسع، مع تسليط الضوء على علاقته بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحزب الجمهوري.
ويأتي العمل في وقت تتزايد فيه النقاشات حول تأثير الثروة والتكنولوجيا في القرارات السياسية، ومدى قدرة كبار رجال الأعمال على التأثير في توجهات الحكومات.
مارك زوكربيرغ وخوارزميات منصات التواصل
يعود الكاتب والمخرج آرون سوركين إلى عالم فيسبوك من خلال فيلم «الحساب الاجتماعي»، الذي يأتي امتدادًا لفيلمه الشهير «الشبكة الاجتماعية» الصادر عام 2010.
وبدلًا من التركيز على صعود مارك زوكربيرغ وبناء شركته، يتناول العمل قصة فرانسيس هاوغن، الموظفة السابقة التي كشفت ممارسات داخلية مثيرة للجدل في الشركة، وتجسد شخصيتها الممثلة ميكي ماديسون.
ويركز الفيلم على المخاوف المرتبطة بخوارزميات المنصة، والاتهامات بأنها قد تسهم في تعزيز خطاب الكراهية أو إبقاء المستخدمين لفترات أطول، بما يثير تساؤلات حول المسؤولية الاجتماعية لشركات التواصل الاجتماعي.
إليزابيث هولمز.. سقوط إمبراطورية ثيرانوس
تعود قصة إليزابيث هولمز، مؤسسة شركة ثيرانوس للتكنولوجيا الحيوية، إلى الواجهة من خلال الفيلم الوثائقي «يمكنك رؤية كل شيء».
وكانت هولمز قد روجت لتقنية قادرة على إجراء مجموعة واسعة من الفحوص الطبية باستخدام بضع قطرات من الدم، لكن الشركة لم تتمكن من الوفاء بوعودها، وانتهت إلى الانهيار.
وأُدينت هولمز بتهم تتعلق بالاحتيال والتآمر، وصدر بحقها حكم بالسجن لأكثر من 11 عامًا. ويرصد الفيلم الأيام الـ34 التي سبقت توجهها إلى السجن في ولاية تكساس، بعد أن فتحت منزلها أمام المخرجين المشاركين ناثان فيلدر ولانس أوبنهايم لسرد روايتها للأحداث.
ويمزج العمل بين الفيلم الوثائقي وتلفزيون الواقع، ويعيد طرح تساؤلات بشأن حدود الطموح التجاري والمسؤولية الأخلاقية في قطاع التكنولوجيا.
سام ألتمان والذكاء الاصطناعي في فيلم «أرتيفيشال»
يمتد الاهتمام السينمائي إلى الذكاء الاصطناعي من خلال فيلم «أرتيفيشال»، للمخرج الإيطالي لوكا غوادانيينو، الذي يؤدي فيه أندرو غارفيلد دور سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي».
ويتناول العمل قضايا السلطة والسيطرة والطموح والجشع في عالم الذكاء الاصطناعي، في ظل التحولات التي أحدثتها أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفي مقدمتها «تشات جي بي تي».
ويرى الناقد مات نيغليا أن الفيلم يجمع بين الجانب الإنساني والمخاوف المرتبطة بالواقع المعاصر، في إشارة إلى الجدل المتصاعد بشأن الجهة التي تتحكم في التقنيات الجديدة وكيفية توظيفها.
لماذا تتغير صورة عمالقة التكنولوجيا في السينما؟
يربط أستاذ السينما جاي إم تايري بين هذه الأعمال والمخاوف الاجتماعية المتزايدة من تركّز السلطة والثروة لدى عدد محدود من الأشخاص.
وبحسب رؤيته، لم يعد الجدل مقتصرًا على حجم ثروات كبار رجال الأعمال، بل امتد إلى التساؤل عما إذا كانت منتجات شركاتهم تحقق منفعة عامة تتناسب مع نفوذها وتأثيرها.
كما تشير هذه الأعمال إلى اختلاف الصورة العامة للجيل الحالي من أصحاب الثروات التكنولوجية عن رجال أعمال سابقين ارتبطت أسماؤهم بدعم المؤسسات الثقافية والمكتبات والمتاحف والأعمال الخيرية.
وترى كاستيو أن هذا الاتجاه السينمائي قد يمثل محاولة لمساءلة الشخصيات المؤثرة عن الأضرار التي يُعتقد أن بعض ممارساتها تسببت فيها.
وبذلك، تعكس موجة الأفلام الجديدة تحولًا في طريقة تناول هوليوود لعالم التكنولوجيا؛ فبدلًا من الاكتفاء بسرد قصص النجاح والابتكار، أصبحت تركز بصورة أكبر على التبعات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية للنفوذ التكنولوجي.



