أزمة الإسكان تتصدر الانتخابات المبكرة في إسبانيا مع اتساع الفجوة بين الأسعار ودخل الشباب

تتجه أزمة الإسكان إلى لعب دور محوري في الانتخابات المبكرة المرتقبة في إسبانيا، بعدما تصدرت القضية اهتمامات الناخبين لثلاث سنوات متتالية، متقدمة على الهجرة والاقتصاد، في وقت يواجه فيه الشباب صعوبات متزايدة في شراء أو استئجار المساكن.
وتغير المشهد السياسي بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة عقب محاولة إخلاء ماريكارمن أباسكال، البالغة من العمر 87 عامًا، من منزلها في وسط مدريد، بعد استحواذ شركة عقارية على المبنى الذي تقيم فيه.
وأثارت القضية احتجاجات واسعة في أنحاء البلاد، دفعت ملف الإسكان إلى مقدمة النقاش العام، متجاوزًا حتى قضية الهجرة التي تصدرت المشهد السياسي لأسابيع بعد عبور أعداد كبيرة من المهاجرين إلى سبتة.
وتعاني إسبانيا أزمة سكن تتشابه في جوانب عديدة مع الأزمات التي تواجهها دول أوروبية أخرى، إذ تؤدي الإجراءات البيروقراطية المعقدة ونقص العمالة إلى عرقلة زيادة المعروض، بينما يساهم انتشار الإيجارات قصيرة الأجل وارتفاع الطلب في المدن الكبرى في دفع الأسعار إلى مستويات أعلى، بالتزامن مع استمرار تراجع عدد السكان في المناطق الريفية.
وأصبحت أزمة السكن عاملًا مهمًا في تحركات الناخبين الشباب في عدد من الدول الأوروبية، بعدما اضطر كثيرون إلى تخصيص نسبة متزايدة من دخولهم لتغطية تكاليف الإيجار، وهو ما ظهر في انتخابات ومنافسات سياسية بعدة دول خلال السنوات الأخيرة.
لكن الخلاف السياسي في إسبانيا لا يدور حول وجود الأزمة، وإنما حول الطريقة الأنسب لمعالجتها.
ورفض نواب من اليمين خطط الإسكان التي طرحتها حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الاشتراكية في البرلمان، معتبرين أن إجراءات مثل تحديد سقف للإيجارات وفرض قيود على شراء الشركات للعقارات قد تؤدي إلى تقليص الاستثمارات والعرض المتاح من المساكن.
في المقابل، يتعهد ألبرتو نونيز فيخو، زعيم حزب الشعب المعارض المنتمي إلى يمين الوسط، ببناء 250 ألف منزل جديد سنويًا، ضمن مشروعات يقول إنها ستوفر نحو 600 ألف وظيفة إضافية.
وقال فيخو إن الإسكان سيكون على رأس أولوياته إذا حصل على ثقة الإسبان، بينما تشير استطلاعات سبتمبر التي أوردتها رويترز إلى حصول حزب الشعب على نحو 33% من نوايا التصويت، مقابل 26% للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني.
كما يدعو فيخو إلى تسريع إجراءات التخطيط العمراني لإتاحة المزيد من الأراضي أمام مشروعات البناء، إلى جانب توفير ضمانات أقوى للشباب فيما يتعلق بالحصول على قروض الرهن العقاري واستئجار المساكن.
في المقابل، يشكك بعض الناخبين في قدرة هذه الوعود على حل الأزمة. وقالت مارتا، وهي من سكان مدريد وتبلغ 28 عامًا، إن ترك ملف الإسكان في يد اليمين سيؤدي، من وجهة نظرها، إلى تفاقم المشكلة، معربة عن أملها في أن تؤدي الانتخابات إلى تعزيز قدرة اليسار على معالجة الأزمة.
وتشكل البنية الإدارية اللامركزية في إسبانيا أحد العوامل التي تعقد التعامل مع أزمة الإسكان، إذ تستطيع الحكومة المركزية وضع التشريعات والخطط الوطنية الخاصة بالحوافز والدعم، لكن تنفيذها، إلى جانب جزء كبير من سياسات التخطيط العمراني، يقع ضمن صلاحيات الحكومات الإقليمية والبلديات.
ومنذ وصول الاشتراكيين إلى السلطة عام 2018، تعثرت أو رُفضت أو لم تُنفذ مجموعة واسعة من الإجراءات المقترحة، سواء تلك التي تدعمها الحكومة الاشتراكية، مثل ضبط الإيجارات، أو المقترحات المحافظة التي تستهدف تسهيل إجراءات التخطيط والبناء.
وتأتي الأزمة الحالية بعد نحو عقدين من انفجار فقاعة الإسكان وانهيار السوق العقارية، وهي أزمة تركت آثارًا عميقة على الاقتصاد الإسباني. وبعد أن كانت البلاد تعاني في السابق فائضًا في المعروض من المساكن، تحولت إلى نقص كبير يقدره البنك المركزي الإسباني بنحو 750 ألف منزل، مع توقعات بارتفاع العجز إلى مليون مسكن بحلول عام 2028.
وعلى الرغم من تعافي الطلب تدريجيًا، مدفوعًا في جانب منه بانخفاض أسعار الفائدة وارتفاع معدلات الهجرة، فإن زيادة المعروض لم تواكب الاحتياجات في المناطق الأكثر طلبًا. كما أحجم مطورون ومقرضون عن العودة سريعًا إلى مستويات البناء السابقة، نتيجة آثار الأزمة السابقة ونقص العمالة في قطاع التشييد.
ويمتلك نحو 73% من الإسبان منازلهم، لكن أكثر من نصف الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا يعيشون حاليًا مع والديهم أو يعتمدون عليهم في تغطية تكاليف المعيشة. كما ارتفعت أسعار المنازل العام الماضي بمعدل يعادل ثلاثة أضعاف نمو الأجور، وفق البيانات الرسمية، ما دفع مزيدًا من المواطنين إلى سوق الإيجارات.
ولا تتجاوز حصة المساكن الاجتماعية في إسبانيا 1.7% من إجمالي المخزون السكني، وفق تقديرات المفوضية الأوروبية، لتكون من بين أدنى النسب في الاتحاد الأوروبي.
وقال أليكس دومينغيز، البالغ 40 عامًا والمقيم في مدريد، إن قضية ماريكارمن كشفت جانبًا من أزمة أوسع مستمرة منذ فترة طويلة، محملًا الحكومة المركزية والأقاليم مسؤولية عدم معالجة المشكلة بشكل فعال. ويعيش دومينغيز حاليًا مع شريكته السابقة مارتا، بعدما عجز الاثنان عن العثور على مسكن بديل بتكلفة مناسبة عقب انفصالهما.
وفي قلب الاحتجاجات، يطالب اتحاد المستأجرين باتخاذ إجراءات ضد ما يسميه «صناديق الانتهازيين»، في إشارة إلى المستثمرين والشركات العقارية التي يتهمها بالمساهمة في ارتفاع الأسعار وزيادة عمليات الإخلاء.
ونجح الاتحاد في التدخل في عدد من الحالات التي اشترى فيها مستثمرون مؤسسيون عقارات، وتمكن في بعض الأحيان من التفاوض على تعويضات أو منع عمليات إخلاء، كما حدث في قضية ماريكارمن.
لكن خورخي غاليندو، مدير مركز EsadeEcPol للسياسات الاقتصادية، يرى أن اتخاذ الحكومة إجراءات صارمة ضد المستثمرين من القطاع الخاص قد يؤدي إلى الحد من الحوافز اللازمة لتنفيذ مشروعات بناء جديدة.
وأوضح أن الإجراءات الحكومية تفرض معادلة صعبة بين حماية المستأجرين الحاليين وتوفير الظروف اللازمة لزيادة المعروض من المساكن للأشخاص الذين لم يتمكنوا بعد من العثور على منزل.
وتشير بيانات السجل العقاري إلى أن ملكية المؤسسات للعقارات خارج المدن ذات الكثافة السكانية العالية، مثل مدريد، محدودة. وتمتلك الشركات نحو 4.4% فقط من المساكن في إسبانيا، بينما لا تتجاوز نسبة ملاك العقارات الذين يمتلكون 11 مسكنًا أو أكثر 4.3%، وهي الفئة التي تخضع لمستويات أعلى من التنظيم.
ويعود نحو 40% من المساكن المعروضة للإيجار إلى ملاك أفراد يمتلك كل منهم عقارًا واحدًا فقط، ويعتمد بعض هؤلاء على عائدات الإيجار كمصدر إضافي للدخل، وفق بيانات بنك إسبانيا.
وترى المحللة السياسية كريستينا مونخي أن أي سياسة حكومية ناجحة في هذا الملف تحتاج إلى تحقيق توازن بين مصالح ملاك المنازل، الذين يمثلون نحو ثلاثة أرباع السكان، والمستأجرين الذين يشكلون شريحة أصغر لكنها تتزايد وتواجه أوضاعًا أكثر هشاشة.
وأشارت إلى أن تعقيد ملف الإسكان يعود جزئيًا إلى أن كثيرًا من ملاك العقارات يواجهون المشكلة من زاوية عائلية أيضًا، إذ يجدون أبناءهم غير قادرين على شراء مساكن أو حتى تحمل تكاليف الإيجار.
وفي المقابل، يطالب بعض المحتجين باتخاذ إجراءات أكثر جذرية لمعالجة الأزمة، مؤكدين أن الحصول على مسكن يجب أن يعامل باعتباره حقًا أساسيًا، وليس مجرد قضية اقتصادية أو عقارية.



