تقارير

أزمة سبتة بين الواقع والتأويل… لماذا يندفع عشرات الآلاف من المغاربة نحو الهجرة؟

تحولت مدينة الفنيدق شمال المغرب، القريبة من الحدود مع مدينة سبتة الإسبانية، خلال أيام قليلة إلى مركز لأكبر موجة هجرة جماعية تشهدها الحدود المغربية الإسبانية في التاريخ الحديث، بعدما تدفق إليها آلاف الأشخاص من مناطق مختلفة داخل المغرب، مدفوعين بأمل الوصول إلى الأراضي الإسبانية عبر المعبر الحدودي أو سباحةً عبر البحر.

ولم يقتصر القادمون على مدن الشمال، إذ قطع أشخاص من الدار البيضاء وطنجة ومدن أخرى مئات الكيلومترات بعدما انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي أخبار ومقاطع مصورة توحي بأن الحدود باتت مفتوحة أو أن الوصول إلى سبتة أصبح أسهل من المعتاد.

فرصة استثنائية دفعت الآلاف إلى الحدود

بحلول الخميس، بدا للكثيرين أن فرصة دخول سبتة أصبحت حقيقية، لكن المشهد تغير في اليوم التالي، عندما دفعت السلطات المغربية بأعداد كبيرة من قوات الأمن إلى المنطقة، مزودة بمعدات مكافحة الشغب والغاز المسيل للدموع وشاحنات المياه، بهدف تفريق التجمعات وإبعاد الأشخاص عن الحدود.

وامتدت العمليات الأمنية إلى الطرق الرئيسية ومنافذ العبور والمناطق الجبلية والتلال المحيطة، حيث كان بعض الراغبين في العبور يختبئون بانتظار فرصة جديدة. وفي الوقت الذي كانت فيه القوات تدفع المتجمعين إلى داخل الأراضي المغربية، كان آلاف آخرون يعودون من سبتة بعدما تمكنوا من الوصول إليها.

وبقيت آثار المواجهات واضحة على الطرق المؤدية إلى المدينة، مع سيارات محترقة وحجارة متناثرة وأضرار لحقت بالطريق وبقايا مواد استخدمت خلال الاضطرابات.

ويروي عدد من الموجودين في الفنيدق أن مقاطع مواقع التواصل لعبت دوراً أساسياً في قرارهم التوجه إلى الحدود. فقد شاهدوا أشخاصاً يعبرون إلى سبتة، فترسخ لديهم اعتقاد بأن هناك فرصة استثنائية، حتى لو كانت محدودة.

لكن الصورة تغيرت بالنسبة إلى كثيرين بعد وصولهم إلى الجانب الإسباني، حيث تحدث بعض العائدين عن نقص الطعام، والنوم في العراء، وصعوبة الظروف، بل وعن تعرضهم لما وصفوه بالعنصرية من بعض الأشخاص. وقال أحدهم إنه لم يجد حتى الطعام.

عودة مؤقتة لا تعني التخلي عن حلم الهجرة

دفع سوء الظروف عدداً كبيراً من المهاجرين إلى العودة طوعاً إلى المغرب بعد ساعات قليلة من وصولهم إلى سبتة، إلا أن بعضهم لم يعتبر العودة نهاية للمحاولة، بل تراجعاً مؤقتاً، مع احتفاظه بفكرة العبور مرة أخرى.

وفي الفنيدق، تزامنت ثلاثة مشاهد في وقت واحد: قوات الأمن المغربية التي تعمل على إخلاء المنطقة، وآلاف الأشخاص الذين عادوا من سبتة، وعشرات الآلاف المتجمعين في المدينة أملاً في فرصة جديدة.

وفي الطرقات ومداخل الفنيدق، حاول العائدون العثور على وسائل نقل تعيدهم إلى مدنهم وقراهم. وانتظر كثير منهم لساعات وهم يلوّحون للسيارات، بينما حاول آخرون الصعود إلى الشاحنات المتجهة إلى مناطق مختلفة.

وبدا الإرهاق واضحاً على النساء والأطفال والشباب الذين حملوا القليل من أمتعتهم، فيما انقسمت مشاعرهم بين من لا يزال ينتظر فرصة أخرى، ومن قرر العودة إلى منزله.

بالنسبة إلى كثيرين، لم تعد سبتة مجرد وجهة للهجرة، بل تحولت إلى منفذ للخروج من واقع يعتبرونه خالياً من الفرص، حتى لو كان الطريق محفوفاً بالمخاطر.

علي.. من «الفردوس الموعود» إلى محاولة البقاء

من بين هؤلاء الشاب علي، الذي غادر مدينة الجديدة قرب الدار البيضاء هرباً من الفقر، واتجه إلى الفنيدق أملاً في الوصول إلى إسبانيا.

وفي الخميس نفسه، نجح للمرة الأولى في عبور الحدود والوصول إلى سبتة، لكنه كان ضمن نحو 60 ألف شخص دخلوا المدينة خلال فترة قصيرة، وفق الأرقام التي أوردتها السلطات الإسبانية، قبل أن تتم إعادته إلى المغرب في إطار عمليات «العودة السريعة» أو «العودة الساخنة».

أعادته السلطات المغربية إلى الجديدة، لكنه قرر عدم التوقف. وسافر مجدداً بالقطار إلى طنجة، ثم قطع الطريق سيراً على الأقدام من طنجة إلى سبتة في رحلة قال إنها استغرقت 16 ساعة.

ونجح مرة أخرى في الوصول إلى الأراضي الإسبانية، مؤكداً أنه يريد البقاء والعمل وعدم العودة إلى المغرب.

وفي مالقة، ينتظر شقيقه حسن أخباره، بعدما فقد علي هاتفه أثناء عبور الحدود، ليبقى شقيقه مترقباً اتصالاً من رقم مجهول على أمل أن يكون علي هو المتصل.

حسن.. سبع ساعات في البحر

حسن نفسه يعرف جيداً خطورة طريق البحر. فقد غادر المغرب قبل سنوات بعدما كان يعتقد أن الحياة في أوروبا ستكون أسهل.

عندما وصل إلى الفنيدق، نزل إلى البحر ليلاً برفقة شاب تعرف إليه هناك، وكان الاثنان يرتديان بدلات غوص ويحاولان الوصول إلى سبتة، التي تفصلها عن الفنيدق مسافة تقارب 5 كيلومترات في خط مستقيم.

لكن الصديق انحرف عن المسار وأوقفه الحرس المدني الإسباني وأعاده إلى المغرب، بينما واصل حسن السباحة.

ويقول حسن إنه شاهد أشخاصاً في البحر يستغيثون ويطلبون النجدة، لكنه كان وحيداً ولم يكن قادراً على مساعدتهم، وكان عمره آنذاك أقل من 18 عاماً.

وبسبب تيارات مضيق جبل طارق، امتدت الرحلة التي كان يفترض أن تكون أقصر بكثير إلى نحو 14 كيلومتراً، واستغرقت 7 ساعات في البحر قبل وصوله إلى سبتة.

بعد ذلك، أمضى أسابيع في مركز لإيواء القاصرين، ثم عاش ظروفاً صعبة في مزرعة بمدينة هويلفا حيث عمل في جني الفواكه الحمراء، قبل أن يساعده أحد المشرفين الاجتماعيين والمنظمات الحقوقية على الانتقال إلى شقة في مالقة.

وينتظر حسن حالياً تسوية وضعه القانوني، تمهيداً للعمل في شركة لتركيب ألواح الطاقة الشمسية، بعدما حصل على تدريب مهني في هذا المجال.

ويقول إن تجربته خالفت الصورة التي كان يتخيلها عن أوروبا، مشيراً إلى صعوبة بناء حياة مستقرة دون مساعدة المؤسسات الاجتماعية والمنظمات الحقوقية، إضافة إلى ما وصفه بالتعرض للعنصرية.

أزمة إنسانية على جانبي الحدود

اعتبرت الناشطة الحقوقية نور العمارتي أن ما يحدث يمثل أزمة إنسانية خطيرة، مشيرة إلى أن آلاف الأشخاص بقوا من دون طعام أو رعاية طبية بعد ساعات طويلة من السير، مع تسجيل حالات إغماء وإصابات وإرهاق.

وترى العمارتي أن غياب المساعدة على جانبي الحدود يزيد من حجم المأساة، التي لا تتوقف عند لحظة الوصول، بل تمتد إلى رحلة العودة أيضاً.

سبتة تستعيد هدوءها بحذر

أكد رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس أن المدينة لم تعد بعد إلى حياتها الطبيعية، مشيراً إلى بقاء آلاف الأشخاص الذين يتعين التعامل مع أوضاعهم وإعادتهم.

وكانت الأولوية، بحسب المصادر التي تحدثت إليها «درج»، لإعادة من بقي من المهاجرين، بعدما عاد كثيرون منهم طوعاً إلى المغرب، فيما أشارت تقديرات رسمية إلى بقاء نحو 5 آلاف شخص في مناطق مختلفة من المدينة.

وتجمع عدد كبير من المهاجرين، ومعظمهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء، بالقرب من مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين CETI، الذي وصل إلى طاقته الاستيعابية ولم يعد قادراً على استقبال وافدين جدد.

كما أصبح الشاطئ والتلال المحيطة بالمركز مأوى لمئات الأشخاص، في ظل انتشار أمني مشدد، خصوصاً بعد محاولة عشرات المهاجرين اقتحام المركز بالقوة خلال ليلة الجمعة-السبت.

ومع إعادة فتح المتاجر وعودة المقاهي والشوارع إلى الحركة، بقي الانتشار العسكري واضحاً، إذ واصل الجنود حراسة المتاجر الكبرى وتطويق أجزاء من وسط المدينة.

في المقابل، استمر سكان المدينة في مناقشة ما حدث، وسط مقارنات مع أزمة مايو/أيار 2021.

أكثر من 60 ألف شخص دخلوا سبتة

أشار رئيس حكومة سبتة إلى أن تدفق المهاجرين تحول إلى ما وصفه بـ«الغزو»، بعدما دخل أكثر من 60 ألف شخص إلى مدينة لا يتجاوز عدد سكانها 80 ألف نسمة.

لكن وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا قال إن السلطات تمكنت من احتواء الأزمة خلال 24 ساعة، مؤكداً التعاون مع المغرب، بينما انتقد بعض سكان سبتة تأخر الانتشار الأمني والعسكري.

من جانبه، طالب رئيس الحزب الشعبي الإسباني ألبرتو نونييث فييخو بتوضيح سبب عدم تحرك السلطات في وقت مبكر، قائلاً إن من الصعب، بحسب رأيه، ألا تكون السلطات قد علمت مسبقاً بتجمع آلاف الأشخاص في الفنيدق.

لكن مارلاسكا نفى وجود معلومات مسبقة بهذا الشكل، مؤكداً عدم وجود تقرير بشأن ما حدث.

وأعرب الملك فيليبي السادس عن قلقه واستيائه من التطورات في سبتة ومليلية، وأجرى اتصالات مع رئيس الحكومة بيدرو سانشيز وقادة سياسيين ورئيسي المدينتين، داعياً إلى ضمان أمنهما ومنع تكرار الأحداث.

كما أصبح المعبر الحدودي بين الفنيدق وسبتة مزوداً بحاجز هوائي يبلغ طوله 500 متر، بينما استمر الحرس المدني والصليب الأحمر في تقديم المساعدة للمصابين والمنهكين.

سانشيز في سبتة وسط غضب السكان

وصل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى سبتة يوم الجمعة وسط أجواء غاضبة، حيث هتف عشرات السكان ضده ووجّهوا إليه عبارات استهجان وشتائم، منتقدين طريقة تعامل حكومته مع الأزمة.

وفي خطابه، أكد سانشيز أن حكومته تسيطر على الوضع، ووصف ما جرى بأنه مساس بالسلامة الإقليمية لإسبانيا، محملاً شبكات الاتجار بالبشر جانباً من المسؤولية.

وفي الوقت نفسه، حرص على التأكيد أن المغرب حليف وشريك لإسبانيا، وأن قنوات الاتصال مع الرباط بقيت، بحسب وصفه، مستمرة وسلسة.

ودعا سانشيز المغرب إلى تسريع عمليات استعادة المهاجرين واتخاذ إجراءات أكثر صرامة لوقف التدفق، معلناً أن السلطات الإسبانية أعادت حتى عصر الجمعة أكثر من 37 ألف شخص إلى الجانب المغربي.

وربط رئيس الحكومة الإسبانية تصاعد الأزمة بحكم حديث للمحكمة العليا الإسبانية يتعلق بعمليات «العودة الفورية»، مشيراً إلى أن الحكم لا يسمح بالإعادة المباشرة للأشخاص الذين يصلون إلى سبتة أو مليلية سباحة، وإنما يطبق على محاولات عبور وسائل الحماية الحدودية.

كما أعلن أن حكومته تدرس إقامة عوّامات أو حواجز بحرية بين سبتة والفنيدق، إلى جانب إمكانية إجراء تعديلات قانونية لتسهيل عمليات الترحيل والإعادة.

في المقابل، انتقد فيفاس ما اعتبره استجابة متأخرة وغير كافية من الحكومة المركزية، وطالب بإجراءات هيكلية لمنع تكرار الأزمة، بل دعا إلى إعلان حالة الطوارئ الوطنية، وهو طلب رفضته وزارة الداخلية الإسبانية.

ماذا وراء موجة الهجرة؟

تعددت التفسيرات بشأن أسباب الأزمة. ومن أبرزها تأثير حكم المحكمة العليا الإسبانية الذي قيد الإعادة الفورية لمن يصلون إلى سبتة أو مليلية عبر البحر.

وبحسب الحكم، يتعين تسجيل هوية الوافدين، وتمكينهم عند الحاجة من محام ومترجم، ودراسة أوضاعهم بشكل فردي، بما في ذلك تحديد ما إذا كان الشخص قاصراً أو يرغب في طلب اللجوء أو يحتاج إلى حماية دولية.

ولا يعني القرار منح حق الإقامة في إسبانيا، وإنما يفرض احترام الإجراءات والضمانات القانونية قبل اتخاذ قرار الإبعاد.

ويرى بعض المراقبين أن انتشار معلومات على مواقع التواصل الاجتماعي حول الحكم جعل بعض الشباب يعتقدون أن الوصول إلى سبتة سباحة يعني عدم إعادتهم مباشرة إلى المغرب، وهو ما قد يكون ساهم في زيادة محاولات العبور.

وفي قراءة أخرى، ربط محللون بين الأزمة والتطورات السياسية في المنطقة، وبينها زيارة سانشيز إلى الجزائر، وكذلك أوجه التشابه مع أزمة مايو/أيار 2021، عندما دخل نحو 10 آلاف مهاجر، معظمهم من المغاربة، إلى سبتة خلال يومين.

لكن المادة تشير إلى عدم وجود أدلة أو معطيات رسمية تثبت وجود تنسيق مباشر من دولة ما بهدف دفع المهاجرين إلى سبتة أو توظيف الأزمة سياسياً.

اتهامات سياسية متبادلة

دخلت أطراف سياسية أوروبية وأميركية على خط الأزمة. فقد حمّلت النائبة الأوروبية عن حزب «بوديموس» إيرين مونتيرو إسبانيا والاتحاد الأوروبي مسؤولية سياسات الهجرة، وطالبت بفتح مسارات قانونية وآمنة أمام المهاجرين.

كما وصف غابرييل روفيان، المتحدث باسم حزب اليسار الجمهوري الكتالوني، الأزمة بأنها ابتزاز سياسي، بينما نشر تصريحات حادة ضد المغرب.

وفي المقابل، هاجم مسؤولون من اليمين الإسباني الحكومة المركزية، فيما وصف زعيم حزب «فوكس» سانتياغو أباسكال ما جرى بأنه «غزو»، ووجه اتهامات مباشرة إلى حكومة سانشيز.

كما علق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مشاهد سبتة، مستخدماً الأزمة في انتقاد سياسات الهجرة الأوروبية، فيما شبّه إيلون ماسك مشاهد التدفق الجماعي بفيلم World War Z، واعتبر أن وجود أعداد كبيرة من الرجال في سن الخدمة العسكرية يمثل، بحسب وصفه، مؤشراً على «غزو».

وتدخلت إيطاليا أيضاً في الأزمة، إذ أعلنت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني استعداد بلادها لاتخاذ إجراءات استثنائية لحماية الحدود، بما في ذلك تعليق العمل باتفاقية شنغن مع إسبانيا، قبل إعلان وزير الخارجية الإيطالي بدء تنفيذ الإجراء.

وأعلنت فنلندا والدنمارك دعمهما للمقترح الإيطالي، معتبرتين أن الأزمة تثير مخاوف بشأن حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن.

أزمة تتزامن مع ذكرى عيد العرش

تزامنت موجة الهجرة مع الذكرى 27 لعيد العرش في المغرب، وهو ما أعطى الأزمة بعداً سياسياً ورمزياً إضافياً.

وفي خطابه بهذه المناسبة، تحدث الملك محمد السادس عن هدف توفير شروط العيش الكريم للمغاربة، وأشاد بالأمن والاستقرار وفعالية مؤسسات الدولة.

وفي المقابل، رأى عدد من الأكاديميين والناشطين الحقوقيين أن مشاهد آلاف المغاربة وهم يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا تطرح أسئلة حول الفجوة بين الخطاب الرسمي عن التنمية والواقع الذي يدفع بعض المواطنين إلى البحث عن مستقبل خارج البلاد.

وقال أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية أحمد البوز إن المشهد لا يمكن اختزاله في مجرد موجة هجرة غير نظامية أو حادث أمني، معتبراً أنه يحمل أبعاداً اجتماعية وسياسية.

أما خالد البكاري، الأستاذ الجامعي والناشط الحقوقي، فرفض اختزال الأزمة في تفسير واحد يتعلق بإسبانيا أو الجزائر أو المغرب، وركز على أن الأرقام والمشاهد الميدانية تؤكد وجود رغبة واسعة في الهجرة داخل المجتمع المغربي.

حقوقيون: الهجرة تحولت إلى ورقة ضغط

قالت منظمة «مقاومة الحدود» إن الهجرة تحولت إلى أداة ضغط سياسي في العلاقات بين المغرب وإسبانيا، وربطت الأزمة الحالية بما حدث في 2021.

كما اعتبرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن ما يحدث يعكس استخدام ملف الهجرة في التجاذبات السياسية، إلى جانب الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب والعائلات إلى محاولة مغادرة المغرب.

وطالبت الجمعية بإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في الوفيات وحالات الاختفاء والانتهاكات، واحترام حق المهاجرين في طلب اللجوء، وكشف مصير المفقودين وتمكين عائلات الضحايا من معرفة الحقيقة.

في المقابل، قالت وزارة الداخلية المغربية في أول تعليق رسمي إن الأزمة لم تكن نتيجة عامل واحد، وإنما تداخلت فيها عدة عوامل، بينها ما وصفته باستغلال الفضاء الرقمي، ونشر معلومات مضللة، ونشاط عصابات الاتجار بالبشر، وسوء تفسير المعطيات القانونية والإدارية.

وأعلنت الوزارة أن 11 شخصاً لقوا حتفهم حتى ذلك الوقت، بينهم شخص توفي بعد سقوطه من منطقة صخرية قرب سبتة و10 غرقوا، مشيرة إلى أن المسافة القصيرة بين الضفتين، التي تقل عن 70 متراً في بعض المناطق، وعمق المياه المحدود نسبياً، أعطيا بعض الأشخاص انطباعاً مضللاً بسهولة العبور.

مأساة فاتن.. حلم انتهى قبل الوصول

من بين الضحايا الشابة التطوانية فاتن بن عمر العزيزي، البالغة 20 عاماً، ولاعبة كرة قدم كانت تعد من المواهب الصاعدة في كرة القدم النسوية بالمغرب.

توفيت فاتن أثناء محاولتها السباحة من الفنيدق إلى سبتة بعدما جرفتها التيارات البحرية، وفق ما أوردته وسائل إعلام مغربية، قبل أن يؤكد نادي المغرب التطواني وفاتها رسمياً.

وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، كان الحرس المدني الإسباني قد أحصى 72 وفاة، بينما تحدث رئيس حكومة سبتة عن 88 ضحية في الجانب الإسباني، فيما أعلنت وزارة الداخلية المغربية انتشال 11 جثة ونقلها إلى مستودع الأموات في تطوان.

وقالت والدة فاتن إن ابنتها كانت تعمل في مقبرة منذ سن 13 عاماً، رغم أن السن القانونية للعمل في المغرب هي 14 عاماً.

وتحدثت الأم عن الظروف الاقتصادية الصعبة التي عاشتها الأسرة، وربطت ذلك أيضاً بإنهاء المغرب عام 2019 نشاط «التهريب المعيشي»، الذي كان يوفر دخلاً لآلاف الأسر في المناطق المحيطة بسبتة، خصوصاً الأسر التي تعتمد على النساء في إعالتها.

وأضافت أن ابنتها كانت قد تقدمت للحصول على تأشيرة إسبانية، وأن القنصلية الإسبانية في طنجة أبلغتها بالموافقة قبل ساعات فقط من وفاتها أثناء السباحة، وفق رواية والدتها.

الأرقام تفسر جانباً من أسباب الهجرة

بعيداً عن التفسيرات السياسية، تظهر البيانات الاقتصادية والاجتماعية سبباً آخر وراء الرغبة في الهجرة.

وتشير المندوبية السامية للتخطيط في المغرب إلى أن معدل البطالة بلغ 13% خلال 2025، بينما تجاوزت بطالة الشباب 37%.

وفي الربع الأول من 2026، انخفض معدل البطالة العام إلى 10.8%، لكن البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً بقيت عند 29.2%.

كما تشير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى استمرار تحديات البطالة، ولا سيما بين الشباب، إلى جانب انتشار العمل غير المهيكل وضعف مشاركة النساء في سوق العمل، وهي عوامل تحد من قدرة الاقتصاد على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.

أما «البارومتر العربي»، فأظهر أن 35% من المغاربة يرغبون في الهجرة، وترتفع النسبة إلى 55% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً.

وقال أكثر من نصف الراغبين في الهجرة إنهم مستعدون للمغادرة بطرق غير نظامية إذا سنحت لهم الفرصة، فيما جاءت الأسباب الاقتصادية والرغبة في الحصول على وظائف أفضل في مقدمة دوافعهم.

وتشير بيانات «أفروبارومتر» كذلك إلى أن البطالة وتوفير فرص العمل تأتي في مقدمة اهتمامات الشباب المغربي.

وهكذا، فإن مشاهد الآلاف المتجهين نحو سبتة لا تبدو، وفق هذه الأرقام، مجرد استجابة لحظة عابرة، بل تتقاطع مع أزمة أوسع تتعلق بالبطالة وتوقعات الشباب ورغبتهم في تحسين ظروفهم.

وبالنسبة إلى علي، الذي يرفض العودة إلى المغرب ويتمسك بالبقاء في أوروبا، فإن الإجابة تبدو أبسط من كل التفسيرات السياسية: البحث عن فرصة لحياة يعتقد أنها لم تعد متاحة له في وطنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى