اقتصاد وتكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم حدود الموت.. إشارات خفية في الدماغ تثير أسئلة حول الوعي

لم يعد الموت، من الناحية الطبية والعلمية، بالبساطة التي كان يبدو عليها قبل قرن من الزمن. فالتطور الكبير في أجهزة الإنعاش والتقنيات الطبية كشف أن توقف القلب والتنفس لا يعني بالضرورة توقف جميع العمليات الحيوية في الجسم في اللحظة نفسها، كما أن بعض الخلايا قد تظل حية بعد حدوث الموت الدماغي.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى أبحاث الدماغ والوعي، بدأ العلماء في اكتشاف إشارات عصبية لم تكن واضحة بالوسائل التقليدية، الأمر الذي يفتح باباً جديداً لفهم الفرق بين فقدان الوعي والموت الدماغي، وإمكان اكتشاف نشاط دماغي خفي لدى بعض المرضى.

الموت ليس بالضرورة لحظة واحدة

كان تعريف الموت في الماضي أكثر وضوحاً؛ إذ كان توقف القلب والتنفس يُعد علامة أساسية على انتهاء الحياة.

لكن أجهزة الإنعاش الحديثة غيّرت هذه الصورة، فأصبح بالإمكان دعم التنفس والمحافظة على الدورة الدموية في بعض الحالات حتى بعد توقف وظائف معينة في الجسم.

وأصبح العلماء يميزون بين توقف وظائف الدماغ بشكل نهائي وبين استمرار حياة بعض الخلايا داخل الدماغ لفترة من الزمن.

وهذا يعني أن موت الجسم ليس بالضرورة عملية تحدث في جميع خلاياه في اللحظة نفسها، وإنما يمكن أن تتوقف الوظائف الحيوية تدريجياً، مع اختلاف قدرة الأنسجة والخلايا على البقاء.

الذكاء الاصطناعي يدخل أبحاث الوعي

أصبح الذكاء الاصطناعي أداة جديدة لدراسة النشاط الدماغي، خصوصاً في الحالات التي يصعب فيها تحديد ما إذا كان المريض واعياً أو غير واعٍ.

وفي مارس 2026، استخدم باحثون نموذجاً من الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحليل كميات ضخمة من بيانات النشاط الكهربائي للدماغ.

ودُرّب النموذج على أكثر من 680 ألف مقطع قصير من النشاط العصبي، ثم اختُبر باستخدام بيانات من 565 مريضاً ومتطوعاً وحيواناً.

ولم يكن الهدف أن يصنف الذكاء الاصطناعي الأشخاص إلى واعين وغير واعين بصورة مباشرة، بل البحث عن التغيرات التي تحدث داخل دوائر الدماغ عندما يختفي الوعي.

وأشارت نتائج النموذج إلى اضطرابات محتملة في دوائر عصبية محددة، من بينها مناطق في العقد القاعدية وشبكات التثبيط داخل القشرة الدماغية.

وعندما قارن الباحثون هذه التنبؤات ببيانات المرضى وصور أدمغتهم والأنسجة المتاحة، وجدوا أدلة تدعم بعض النتائج التي توصل إليها النموذج.

كما اقترح التحليل أن تحفيز منطقة محددة من الدماغ قد يمثل في المستقبل مساراً علاجياً محتملاً لبعض اضطرابات الوعي، وليس علاجاً للموت الدماغي.

مرضى لا يستجيبون.. لكن أدمغتهم قد تستجيب

تكشف أبحاث أخرى مدى صعوبة معرفة ما يحدث داخل دماغ المريض الذي لا يستطيع الحركة أو الكلام.

ففي دراسة نشرت عام 2024 في مجلة «نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين»، خضع 353 شخصاً يعانون اضطرابات شديدة في الوعي لفحوص دماغية متقدمة.

ومن بين 241 شخصاً لم يتمكنوا من الاستجابة للأوامر بشكل واضح، أظهرت الفحوص لدى 60 شخصاً نشاطاً دماغياً يشير إلى قدرتهم على تنفيذ أوامر ذهنية، أي ما يقارب شخصاً واحداً من كل أربعة.

واستخدم الباحثون تخطيط الدماغ الكهربائي والتصوير الوظيفي للدماغ للكشف عن هذه الإشارات، كما استعانت بعض أساليب تحليل البيانات بخوارزميات التعلم الآلي.

كيف يمكن أن يكون المريض واعياً من دون أن يتحرك؟

تخيل أن يطلب الطبيب من مريض غير قادر على الكلام أو الحركة أن يحرك يده، فلا تظهر أي استجابة جسدية.

لكن إذا طُلب منه بدلاً من ذلك أن يتخيل تحريك يده، فقد يظهر نمط معين من النشاط في دماغه يمكن للأجهزة التقاطه.

وهذا النشاط قد يشير إلى أن المريض فهم التعليمات ونفذها ذهنياً، رغم عدم قدرته على التعبير عن ذلك بحركة أو كلام.

ويُعرف هذا النوع من الحالات بوجود وعي خفي أو غير ظاهر سلوكياً، وهو ما يوضح أن عدم الاستجابة الجسدية لا يعني بالضرورة غياب الوعي.

الفرق بين اضطرابات الوعي والموت الدماغي

يشدد هذا النوع من الأبحاث على ضرورة عدم الخلط بين حالات الغيبوبة واضطرابات الوعي وبين الموت الدماغي.

فالشخص الذي يعاني اضطراباً شديداً في الوعي قد تكون لديه بعض الوظائف العصبية والنشاط الدماغي، حتى لو لم يتمكن من التواصل مع المحيطين به.

أما الموت الدماغي فهو حالة مختلفة تماماً من الناحية الطبية، إذ يعني فقدان وظائف الدماغ بصورة نهائية وفق المعايير الطبية المعتمدة.

لذلك فإن اكتشاف نشاط عصبي خفي لدى بعض المرضى الذين يعانون اضطرابات الوعي لا يعني أن العلم أعاد تعريف الموت الدماغي، وإنما يكشف أن تقييم الوعي لدى المرضى غير المستجيبين قد يكون أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد.

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اكتشاف الوعي؟

حتى الآن، لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحدد بشكل مطلق ما إذا كان شخص ما «واعياً» أو أن يجيب عن الأسئلة الفلسفية المتعلقة بطبيعة الوعي والروح.

لكن قدرته على تحليل كميات هائلة من البيانات العصبية قد تساعد الأطباء في العثور على أنماط دقيقة يصعب اكتشافها بالعين البشرية أو بالطرق التقليدية.

وهذا قد يؤدي مستقبلاً إلى تحسين تشخيص المرضى الذين لا يستطيعون التواصل، وتقليل احتمال اعتبار بعض حالات الوعي الخفي مجرد غياب كامل للوعي.

هل يمكن أن يعيد الذكاء الاصطناعي الموتى؟

لا تشير هذه الأبحاث إلى إمكانية إعادة الموتى إلى الحياة، ولا تقدم تفسيراً لمصير الروح أو لما يحدث بعد الموت.

إنما تكمن أهميتها في شيء أكثر واقعية: تحسين قدرتنا على معرفة ما إذا كان المريض الذي لا يستجيب لا يزال يمتلك نشاطاً دماغياً يمكن اكتشافه.

وقد يساعد ذلك في تحسين التشخيص، وتحديد فرص العلاج، وتطوير وسائل جديدة للتواصل مع بعض المرضى الذين لا يستطيعون الحركة أو الكلام.

مستقبل جديد لفهم الدماغ

تكشف هذه التطورات أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح أداة مهمة في دراسة الحدود بين الوعي وفقدانه.

فبدلاً من الاعتماد فقط على ما يستطيع المريض فعله ظاهرياً، يمكن للعلماء مستقبلاً تحليل النشاط العصبي بدقة أكبر للبحث عن علامات الوعي التي قد تكون مخفية داخل الدماغ.

ومع ذلك، لا تزال هذه التقنيات في مراحل البحث والتطوير، وتحتاج إلى مزيد من الدراسات قبل اعتمادها على نطاق واسع في تشخيص المرضى.

الذكاء الاصطناعي لا يغيّر حقيقة الموت، ولا يستطيع إعادة الموتى أو كشف مصير الروح، لكنه قد يغير طريقة تشخيص الوعي وفهم ما يحدث في الدماغ عند فقدان القدرة على التواصل.

وربما يكون أهم ما تكشفه هذه الأبحاث أن الإنسان الذي يبدو غير مستجيب قد لا يكون بالضرورة فاقداً لكل أشكال الوعي، وأن التكنولوجيا قد تساعد الأطباء مستقبلاً على اكتشاف تلك الإشارات الخفية والتعامل معها بصورة أدق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى