اقتصاد وتكنولوجيا

لماذا يلجأ عمالقة الذكاء الاصطناعي الأمريكي إلى النماذج الصينية مفتوحة المصدر؟

في تطور يقلب موازين النقاش التقني رأساً على عقب، بدأ عدد متزايد من قادة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة بوصف النماذج الصينية مفتوحة المصدر بأنها أكثر أماناً وشفافية من نظيراتها الأمريكية المغلقة، في تحدٍ صريح للسردية التي روّجت لها شركات كبرى مثل Anthropic لسنوات.

هذا التحول، الذي كشف عنه رائد القطاع أندرو نج خلال قمة الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic) في بيركلي بكاليفورنيا، يعيد فتح ملف شائك حول مستقبل تنظيم النماذج مفتوحة المصدر، في وقت تستعد فيه إدارة ترامب لإصدار إطار تنظيمي جديد للقطاع.

أندرو نج: “نماذج الوزن المفتوح تبدو أكثر أماناً”

خلال كلمته في قمة بيركلي يوم السبت، لم يتردد أندرو نج، الرئيس السابق لمختبر Google Brain وكبير العلماء الأسبق في شركة Baidu الصينية، في الإدلاء بشهادة لافتة قلبت الجدل التقليدي حول السلامة الرقمية.

وقال نج بوضوح إن نماذج الوزن المفتوح تبدو له أكثر أماناً مقارنة بنظيراتها ذات الوزن المغلق، مستنداً في ذلك إلى تجربة عملية خاضها بنفسه مؤخراً.

تجربة عملية: عندما رفضت النماذج الأمريكية المساعدة

كشف نج أنه وزميله لجآ إلى نموذجين صينيين، هما Kimi K3 من شركة Moonshot AI، وGLM-5.2 من شركة Zhipu AI، لإجراء مراجعة أمنية لأداتهما الجديدة “OpenWorker”، وهي أداة وكيل ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر صدرت الشهر الماضي.

اقرأ أيضًا: مايكروسوفت تؤكد إطلاق Copilot الخارق.. تطبيق واحد يجمع جميع خدمات الذكاء الاصطناعي

والمثير أن هذا اللجوء لم يكن خياراً أولياً، بل جاء بعد أن رفضت النماذج الرائدة من كل من OpenAI وAnthropic المساعدة في هذه المهمة تحديداً.

سلسلة سوابق: الصين تنقذ أمن الذكاء الاصطناعي الأمريكي

لم تكن واقعة “OpenWorker” الحادثة الأولى من نوعها، بل جاءت لتضاف إلى سلسلة متصاعدة من الوقائع المشابهة التي تُظهر اعتماد الصناعة الأمريكية على الحلول الصينية في لحظات حرجة:

الشهر الماضي، استعان مستودع أكواد مفتوحة المصدر مقره نيويورك بنموذج GLM-5.2 الصيني للدفاع عن نفسه.
تحولت منصة Hugging Face بدورها إلى النموذج ذاته للتصدي لهجوم إلكتروني منسوب إلى نماذج OpenAI.

وبحسب المتابعين، فإن السبب الجوهري وراء هذا التوجه يكمن في أن أحدث الإصدارات الأمريكية، مثل GPT-5.6 من OpenAI وFable 5 من Anthropic، باتت مزوّدة بـ”ضمانات” مشددة ترفض تلقائياً المساعدة في أي نشاط قد يُصنّف كضار.

شكوى المستخدمين: حين تتحول الحماية إلى عائق

في المقابل، لم يخلُ هذا التشديد الأمني من انتقادات واسعة داخل المجتمع التقني. فقد اشتكى عدد من المستخدمين من أن هذه الضمانات المفرطة لا تكتفي بمنع الاستخدامات الضارة، بل تطال أيضاً طلبات مشروعة تماماً، من بينها تلك التي تهدف إلى تعزيز أنظمة الأمن السيبراني ذاتها.

اقرأ أيضًا: الذكاء الاصطناعي يعزز أمن «كروم».. غوغل تصلح آلاف الثغرات في وقت قياسي

وقد ساهم هذا الاحتكاك في توسيع الفجوة بين شركتي OpenAI وAnthropic، ومجتمع الذكاء الاصطناعي الأوسع، خاصة بعد إعلان الشركتين مؤخراً عن تعرضهما لاختراقات نفذتها جهات معادية.

دفاع عن الانفتاح: تحذير من احتكار “حفنة من المختبرات”

انضم مات وايت، الرئيس التنفيذي السابق للتكنولوجيا في مؤسسة لينكس، إلى موجة الدعم لنماذج الوزن المفتوح، محذراً من المخاطر الكامنة في الاعتماد الحصري على الأنظمة المغلقة.

وأوضح وايت أن الذكاء الاصطناعي المغلق المصدر قادر على تركيز القدرات والبنية التحتية وصناعة القرار في عدد محدود جداً من المؤسسات، محذراً من أن هذا المسار قد يحوّل التقنية من أداة متاحة للجميع إلى امتياز حصري يُستأجر من مختبرات قليلة فقط.

ومع ذلك، لم ينكر وايت وجود مخاوف مشروعة، مقراً بأن الهواجس المتعلقة بالسلامة والأمن القومي المحيطة بنماذج الوزن المفتوح “حقيقية ومشروعة” ولا يمكن تجاهلها.

مخاطر حقيقية لا يمكن التقليل من شأنها

يحذّر الخبراء من أن سهولة إزالة الضمانات المدمجة في النماذج مفتوحة المصدر، مقارنة بنظيراتها المغلقة، تفتح باباً لسوء الاستخدام، بما في ذلك احتمال استغلالها من قبل جماعات إرهابية في:

شن هجمات إلكترونية متطورة.
المساعدة في تطوير أسلحة بيولوجية خطيرة.
Anthropic في مرمى الانتقادات: اتهامات بـ”الاستحواذ التنظيمي”

اقرأ أيضًا: طفرة الذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل الشحن الجوي في آسيا.. الرقائق الإلكترونية تتصدر المشهد

تبرز شركة Anthropic، الجهة المطورة لبرنامج Claude، بوصفها الصوت الأكثر تشدداً في معارضة النماذج مفتوحة المصدر داخل الصناعة الأمريكية. وفي الأسبوع الماضي، نشر الرئيس التنفيذي للشركة داريو أمودي تدوينة أوضح فيها موقفه، مؤكداً أنه رغم عدم تأييده حظر النماذج الصينية مفتوحة المصدر في الولايات المتحدة، فإنه لا يزال يعتقد أن هذه النماذج قد تُسرّع تطوير ما وصفه بـ”فيروسات على مستوى الأوبئة”.

وجاء هذا المنشور رداً على رسالة عامة صدرت أواخر الشهر الماضي دعماً للذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر، وقّعت عليها تقريباً كل الشركات التقنية الأمريكية الكبرى، بما فيها OpenAI وNvidia، باستثناء Anthropic التي غابت عن قائمة الموقّعين.

اتهامات نغ لأنثروبيك بـ”الاستحواذ التنظيمي”

لم يتوقف نج عند حدود المقارنة التقنية، بل ذهب أبعد من ذلك متهماً معارضة أنثروبيك للذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر بأنها شكل من أشكال “الاستحواذ التنظيمي”، يهدف في جوهره إلى حماية مكانتها الريادية في السوق من المنافسة.

واستحضر نج، الذي كان قد وظّف أمودي عام 2014 للعمل في شركة Baidu، تجربة شخصية سابقة، قائلاً إنه شهد قبل عامين أو ثلاثة أعوام مديرين تنفيذيين من عدة شركات يقدمون معلومات مضللة ومبالغاً فيها للهيئات التنظيمية الحكومية بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي، سعياً لفرض سيطرة تنظيمية مواتية لمصالحهم.

وأضاف أن هناك اليوم وعياً متنامياً في واشنطن العاصمة بهذه التحركات المرتبطة بالاستحواذ التنظيمي. ولم ترد شركة Anthropic حتى الآن على طلب التعليق بشأن هذه الاتهامات.

نحو تنظيم متوازن: مشروع “غلاسوينغ” كنموذج محتمل

مع تصاعد الجدل، تتجه الأنظار إلى صياغة أطر تنظيمية أكثر توازناً. ويأتي في هذا السياق مقترح شركة Thinking Machines، إحدى الشركات الأمريكية الرائدة في تطوير نماذج الوزن المفتوح، والذي نشرته في مدونتها الأسبوع الماضي.

يستند المقترح إلى نموذج مستوحى من مشروع غلاسوينغ الخاص بشركة Anthropic، والذي يقوم على إصدار نماذج الوزن المفتوح بشكل تدريجي، بدءاً بمجموعة محدودة من المستخدمين الموثوقين، ثم توسيع دائرة الوصول تدريجياً لتشمل شرائح أوسع.

اقرأ أيضًا: الذكاء الاصطناعي يحدد مرضى سرطان المستقيم الأكثر استفادة من علاج إضافي

وفي هذا الإطار، لخّص وايت الفكرة بعبارة دالة: “الانفتاح لا يعني غياب الحوكمة، ولا يعني الإهمال أو انعدام الأمان أو الفوضى”.

خلفية الأزمة: صعود مفاجئ للنماذج الصينية

يتزامن هذا الجدل مع بروز نماذج صينية جديدة مثل Kimi K3 من Moonshot AI، والتي أظهرت بحسب تقارير قدرة على شن هجمات إلكترونية بشكل مستقل، وهو ما أعاد تسليط الضوء على النقاش الأمني المحيط بهذه التقنيات.

كما تفيد تقارير بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب أوشكت على الانتهاء من صياغة إطار تنظيمي جديد للذكاء الاصطناعي، مع عقد اجتماعات هذا الأسبوع في واشنطن تجمع مسؤولين حكوميين بعمالقة الصناعة مثل جوجل وOpenAI لمناقشة تفاصيل هذا الإطار.

خلاصة: صراع الرؤى حول مستقبل الذكاء الاصطناعي المفتوح

يكشف هذا الجدل المتصاعد عن انقسام عميق داخل صناعة الذكاء الاصطناعي الأمريكية، بين معسكر يرى في النماذج مفتوحة المصدر ضمانة للشفافية وتوزيع القوة التقنية، وآخر يحذّر من مخاطرها الأمنية المحتملة.

وبينما لا يزال الإطار التنظيمي النهائي غير واضح المعالم، وما إذا كان سيفرض قيوداً على النماذج مفتوحة المصدر أم لا، يبقى المؤكد أن التنافس بين النماذج الأمريكية والصينية سيظل عاملاً حاسماً في تشكيل مستقبل هذه التقنية على المدى القريب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى