تقارير

بين التصعيد والدبلوماسية.. ما دوافع واشنطن وطهران للعودة إلى طاولة المفاوضات؟

أعاد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق تنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران، لإفساح المجال أمام الدبلوماسية، خلط الأوراق في المشهد الإقليمي، وأثار نقاشًا واسعًا داخل إيران بشأن الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول المفاجئ في الموقف الأمريكي، وما إذا كان يمثل تغييرًا في الاستراتيجية الأمريكية أم مجرد خطوة تكتيكية لإدارة الأزمة.

وجاء القرار في وقت تشهد فيه المنطقة توترات غير مسبوقة، وسط تحركات إقليمية ودولية لاحتواء التصعيد، الأمر الذي دفع العديد من الأوساط السياسية الإيرانية إلى تقديم قراءات مختلفة لأسباب التراجع الأمريكي.

تفسيرات متباينة داخل إيران

انقسمت الآراء داخل إيران بشأن خلفيات قرار واشنطن، حيث يرى فريق أن الولايات المتحدة تراجعت عن خيار المواجهة العسكرية نتيجة إدراكها لحجم الخسائر المحتملة، خاصة مع التخوف من رد إيراني واسع إذا أقدمت واشنطن على خطوات تصعيدية جديدة، مثل فرض حصار بري أو توسيع نطاق العمليات العسكرية.

في المقابل، يعتقد فريق آخر أن القرار جاء نتيجة نجاح الوساطات الإقليمية والدولية، التي تمكنت من إقناع الطرفين بمنح الدبلوماسية فرصة جديدة، تمهيدًا للتوصل إلى تفاهمات تخفف من حدة الأزمة وتمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية شاملة.

أقرأ أيضا:بلا هاتف ولا بصمة صوتية.. لماذا فشلت أمريكا وإسرائيل في تعقب مجتبى خامنئي؟

منوتشهر متكي: واشنطن تستخدم التفاوض كوسيلة ضغط

حذر وزير الخارجية الإيراني الأسبق منوتشهر متكي من النظر إلى المفاوضات باعتبارها مؤشرًا على رغبة أمريكية حقيقية في إنهاء الأزمة، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تعتمد سياسة تقوم على إبقاء إيران تحت ضغوط مستمرة، سواء عبر العقوبات أو التهديد العسكري أو المفاوضات.

وأوضح أن صناع القرار في واشنطن يراقبون التطورات الإقليمية والدولية بشكل دائم، ويستخدمون أدوات متعددة لتحقيق أهدافهم، مشيرًا إلى أن إحدى الاستراتيجيات الأمريكية تتمثل في إبقاء إيران منشغلة حتى شهر نوفمبر، من خلال الجمع بين الضغوط السياسية، والوساطات، والتحركات العسكرية عند الحاجة.

وأضاف أن بعض المحللين يعتقدون أن واشنطن قد تلجأ إلى المفاوضات لإظهار نفسها أمام المجتمع الدولي والرأي العام الداخلي على أنها نجحت في احتواء الأزمة مع إيران، لكنه شدد على أن السياسة الأمريكية، من وجهة نظره، لا تستهدف تحقيق السلام بقدر ما تسعى إلى توظيف التفاوض لخدمة مصالحها الاستراتيجية.

أقرأ أيضا:قاليباف يكشف تفاصيل إعلان مقتل علي خامنئي لأول مرة

قاليباف: يجب تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب دائمة

في المقابل، دعا رئيس البرلمان الإيراني ورئيس فريق التفاوض محمد باقر قاليباف إلى استثمار ما حققته إيران خلال المواجهة الأخيرة وتحويله إلى مكاسب سياسية واقتصادية عبر المفاوضات.

وأكد أن المهمة الأساسية لأي مفاوضات مقبلة تتمثل في تثبيت نتائج الحرب، وتحويل الإنجازات العسكرية إلى مكتسبات مستدامة على المستويات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، بما يعزز مكانة إيران في المرحلة المقبلة.

 الدبلوماسية هي الضامن الحقيقي لنتائج الحروب

بدوره، أوضح أستاذ العلوم السياسية والخبير في الشؤون السياسية إيمان بابازاده أن الأدبيات الاستراتيجية تؤكد أن أي انتصار عسكري لا يكتمل بمجرد تحقيق نتائج ميدانية، وإنما يحتاج إلى مسار سياسي قادر على تثبيت تلك النتائج وتحويلها إلى واقع دائم.

وأشار إلى أن الحروب قد تغير موازين القوى، إلا أن الاتفاقات السياسية هي التي تمنح هذه التغيرات صفة الاستمرارية، وتنعكس على الاقتصاد والعلاقات الدولية والاستقرار الداخلي.

وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب قدرًا كبيرًا من العقلانية السياسية، بحيث يتم تقديم المصلحة الوطنية على الاعتبارات السياسية الضيقة، لافتًا إلى أن الشعب الإيراني، الذي تحمل أعباء الحرب والعقوبات، ينتظر أن تؤدي أي مفاوضات إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية وتحسين الأوضاع المعيشية، إلى جانب تعزيز العلاقات الخارجية وفتح آفاق جديدة للتعاون الدولي.

حسابات واشنطن وطهران

يرى مراقبون أن الولايات المتحدة تنظر إلى المفاوضات باعتبارها وسيلة لإدارة الأزمة مع إيران، وتقليل احتمالات الانزلاق إلى حرب مفتوحة، مع الحفاظ على أدوات الضغط السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وفي المقابل، تسعى إيران إلى استثمار موقعها التفاوضي بعد المواجهة الأخيرة، بهدف تثبيت مكاسبها، والحصول على نتائج ملموسة تخفف العقوبات، وتعزز الاقتصاد، وتوسع هامش تحركها السياسي والدبلوماسي.

مفاوضات تحكمها المصالح لا التنازلات

تشير التطورات إلى أن العودة المحتملة للمفاوضات بين واشنطن وطهران لا تعكس انتهاء الخلافات بين الجانبين، بل تمثل محاولة لإدارة الصراع عبر القنوات السياسية بدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة.

وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة من خلال مزيج من الضغوط والتفاوض، تراهن إيران على توظيف نتائج المواجهة الأخيرة لتعزيز موقفها السياسي والاقتصادي، في وقت تستمر فيه الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد ومنع اندلاع أزمة أوسع قد تمتد آثارها إلى المنطقة والعالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى