لماذا يخرج أردوغان أقوى كلما اهتز الناتو؟

كتبت/ منار حجاج
بينما تتصدع جدران النظام الأمني الذي حمى أوروبا لعقود، وتتردد أصداء الأزمة داخل أروقة حلف شمال الأطلسي، تقف أنقرة في قلب العاصفة لا لتنجو فحسب، بل لتعيد صياغة قواعد اللعبة الجيوسياسية برمتها.
هكذا يبدو المشهد اليوم، فكلما اهتزت عواصم الناتو تحت وطأة التنافس العالمى الجديد، يخرج رجب طيب أردوغان أكثر قوة وتأثيرًا.
لم تعد تركيا مجرد مستهلك لخط الدفاع الغربية أو حارس لأطراف الحلف، بل تحولت في حقبة أردوغان إلي ركيزة صناعية وعسكرية صاعدة، تفرض نفسها كجزء لا يتجزأ من منظومة الدفاع الأوروبية، وشريك رئيسي في صياغة النظام الدولي الجديد، مستغلة موقعها الاستراتيجي في البحر الأسود وموازين القوى المعقدة مع روسيا.
تداعي منظومة الأمن الأوروبي القديم
وفي هذا السياق، يفكك ضيفنا أبعاد هذا التحول البنيوي، حيث يقول محمود علوش، الباحث في العلاقات الدولية: “إن الحرب أظهرت أن الهيكل الأمني الأوروبي الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة لم يعد صالحًا، وهناك حاجة لهيكل أمني جديد.
تركيا أصبح دولة ينظر إليها غربيًا وأوروبيًا على أنها جزء من إنتاج المنظومة الدفاعية الأوروبية، وليست مجرد مستهلك لها لأنها أصبحت قوة عسكرية صاعدة ولديها قاعدة صناعية دفاعية كبيرة”.
ويضيف علوش حول الرؤية الاستباقية للقيادة التركية “التحولات التي طرأت على تركيا خلال حقبة أردوغان من تطور الصناعات الدفاعية إلى الدور الخارجي والتحولات التي طرأت على بيئة الناتو من العوامل الحاسمة في دفع الناتو إلى إعادة تشكيل نظرته لتركيا. أردوغان عمل منذ سنوات على هذه المرحلة”
تركيا توازن القوى بالبحر الأسود
ويشير علوش إلى أن “الغرب غيرت بالفعل هذه النظرة، حيث أظهرت أهمية تركيا الدفاعية والجيوسياسية بالنسبة للغرب كما أظهرت أهمية دورها في توازن القوى مع روسيا في البحر الأسود”.
ويتابع الباحث موضحًا العوائد الاقتصادية والدفاعية المتوقعة “تركيا تطمح إلى أن تكون شريكًا رئيسيًا لأوروبا في إنتاج الأسلحة.
لديها قاعدة صناعية دفاعية كبيرة وقربها الجغرافي من العوامل التي تساعدها في لعب هذا الدور؛ لذا فإن اهتمام أوروبا بالإنفاق سيرجع بفوائد على تركيا”.
تبدل حسابات صفقة S-400
ويفند علوش جذور الأزمة وتغيير توازناتها بالقول: ” الأسباب التي دفعت تركيا إلى شراء S400 ارتبطت بالدرجة الأولى بالمرحلة المضطربة التي مرت بها العلاقات التركية الأمريكية بعد منتصف العقد الماضي.
وكان ملف سوريا، والدعم الأمريكي لقسد، أحد أبرز أسباب ذلك التوتر، إلى جانب تعثر صفقة “باتريوت” وتداعيات محاولة الانقلاب عام 2016″.
ويستطرد محمود علوش مبينًا الفارق الجوهري بين الأمس واليوم: “بدا شراء تركيا للمنظومة في تلك الفترة أداة سياسية لتعزيز التقارب مع موسكو التي كانت تمتلك آنذاك نفوذًا قويًا في سوريا.
أما اليوم، فالمشهد مختلفًا جذريًا، حيث أن التوازنات التي أفرزت صفقة S400 تبدّلت، ولم تعد روسيا بوابة لتركيا لتعزيز مصالحها في سوريا بل العكس، بينما تعززت مكانة تركيا داخل الناتو، وازدادت أهميتها بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا”.
فرصة تاريخية لصعود القوى المتوسطة
وينتهى الباحث في العلاقات الدولية إلى خلاصة بالغة الأهمية، ترسم ملامح المستقبل: “هذا تحول كبير في علاقة تركيا بالناتو وليس تحولًا ظرفيًا، نحن في حقبة من المنافسة الجيوسياسية العالمية، على اعادة تشكيل النظام الدولي وهذه الحقبة فرصة القوى المتوسطة مثل تركيا”.
ختامًا.. لم تعد العلاقة بين أنقرة وحلف شمال الأطلسي مجرد تحالف ظرفي أملته أزمة عابرة، بل نحن أمام تحول بنيوى عميق فرضته حقبة جديدة من المنافسة الجيوسياسية العالمية.
فبينما يعاد تشكيل النظام الدولي من جديد، تثبت تركيا عبر الاستثمار الذكي في صناعتها الدفاعية وموقعها الفريد أن قوة الدول المتوسطة لم تعد تقاس بالتبعية، بل بالقدرة على فرض التوازن وتحويل أزمات الحلفاء إلى مكاسب استراتيجية تدوم طويلًا.



