أخبار دوليةتقارير

ما بعد المصافحة... لماذا لا يزال الاتفاق الأمريكي–الإيراني المستدام بعيدًا رغم فتح أبواب التفاوض؟

كتبت: إسراء جبريل

“قد لا تكون المشكلة الحقيقية بين واشنطن وطهران في كيفية الوصول إلى اتفاق، بل في كيفية منعه من الانهيار بعد توقيعه.”

في عالم العلاقات الدولية، ليست كل الاتفاقات تُقاس بلحظة التوقيع، فالتاريخ مليء باتفاقيات وُقّعت وسط الاحتفالات ثم تحولت لاحقًا إلى أوراق أرشيفية فقدت قيمتها السياسية.

وفي حالة العلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا من أي حالة أخرى. فالقضية لم تعد تتعلق بمجرد عودة الأطراف إلى طاولة التفاوض أو صياغة تفاهمات مؤقتة، بل بالسؤال الأكثر تعقيدًا: ما الذي يمنع تحويل التفاهمات الحالية إلى اتفاق مستدام قادر على البقاء لعقد أو أكثر؟

خلال السنوات الماضية، مرت العلاقة الأمريكية الإيرانية بمراحل من التصعيد والتهدئة، من العقوبات القصوى إلى الاتفاق النووي ثم الانسحاب الأمريكي منه، وصولًا إلى موجات متلاحقة من المواجهات غير المباشرة.

واليوم، وبينما تتحدث تقارير سياسية عن تفاهمات جديدة وخارطة طريق وجولات تقنية ومفاوضات متعددة المستويات، لا يبدو أن العقبات الجوهرية قد اختفت، بل ربما أصبحت أكثر تعقيدًا واتساعًا.

إن ما يحدث حاليًا يمكن وصفه بمحاولة لإدارة الأزمة أكثر من كونه محاولة لحلها جذريًا. فإدارة الأزمة تعني منع الانفجار وتأجيل المواجهة، بينما حل الأزمة يعني إزالة الأسباب البنيوية التي أنتجتها. وحتى الآن، تبدو المؤشرات أقرب إلى السيناريو الأول.

الملف النووي.. من أزمة تخصيب اليورانيوم إلى معضلة القدرة النووية الكامنة

أولى العقد وأكثرها حساسية تبقى الملف النووي الإيراني. ففي جولات التفاوض السابقة، كان التركيز ينصب بصورة كبيرة على عدد أجهزة الطرد المركزي، ومستويات تخصيب اليورانيوم، وآليات التفتيش والرقابة. لكن التطورات اللاحقة جعلت المسألة أكثر تعقيدًا.

من وجهة النظر الإيرانية، تمتلك طهران حقًا قانونيًا في تطوير برنامج نووي سلمي، وترى أن التخصيب في حد ذاته ليس محل تفاوض، بل يمكن التفاوض فقط حول مستوياته وآليات الإشراف عليه.

وقد عبر مسؤولون إيرانيون مرارًا عن هذه الرؤية بوضوح: “يمكن التفاوض حول مقدار التخصيب، لكن لا يمكن التفاوض حول مبدأ التخصيب نفسه”.

اقرأ أيضًا: بين “اتفاق النووي” و”اتفاق ما بعد الحرب”.. كيف غيّرت الحرب قواعد اللعبة بين واشنطن وطهران؟

أما الولايات المتحدة، فلا تنظر إلى القضية من زاوية التخصيب فقط، بل من زاوية “القدرة النووية الكامنة”، أي المدة التي تحتاجها إيران للوصول إلى قدرة تصنيع سلاح نووي إذا قررت ذلك سياسيًا. لذلك فالمشكلة بالنسبة لواشنطن ليست امتلاك اليورانيوم المخصب فقط، بل سرعة التحول من برنامج مدني إلى قدرة عسكرية محتملة.

وهذا يفسر سبب إصرار الولايات المتحدة على عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعلى أنظمة رقابة موسعة.

لكن هذا الإصرار يصطدم بحساسية سيادية لدى إيران ترى أن الرقابة المفرطة قد تتحول إلى وسيلة لاختراق منظومتها الأمنية.

العقوبات والضمانات.. لماذا لا تثق طهران في توقيع واشنطن؟

إلى جانب الملف النووي، تظهر قضية العقوبات باعتبارها ربما أكبر عقبة أمام بناء اتفاق طويل الأمد.

المشكلة هنا ليست في رفع العقوبات بحد ذاته، بل في ضمان استمرارية رفعها. فالتجربة السابقة للاتفاق النووي لعام 2015 تركت أثرًا عميقًا في العقل السياسي الإيراني.

من وجهة نظر طهران، وقّعت إيران اتفاقًا دوليًا وقدمت تنازلات والتزامات واضحة، ثم جاء تغيير في الإدارة الأمريكية أدى إلى انسحاب واشنطن من الاتفاق بصورة أحادية.

السؤال الإيراني الحالي يبدو بسيطًا لكنه شديد التعقيد سياسيًا وقانونيًا: ما الضمانة بأن إدارة أمريكية جديدة لن تتخذ القرار نفسه مرة أخرى؟

هنا تظهر مشكلة مرتبطة بطبيعة النظام السياسي الأمريكي نفسه. فالرئيس الأمريكي لا يمتلك وحده سلطة دائمة لإلغاء كل العقوبات، لأن جزءًا منها مرتبط بقوانين صادرة عن الكونغرس.

بمعنى آخر، حتى لو أرادت الإدارة الأمريكية تقديم ضمانات واسعة، فإن البناء الدستوري الأمريكي يضع حدودًا لهذه الضمانات.

من هنا تتحول أزمة الثقة إلى عنصر بنيوي في التفاوض.

إيران لا تطالب فقط برفع العقوبات، بل تريد ضمانات ضد عودتها. والولايات المتحدة من جهتها لا تستطيع تقديم ضمانات مطلقة حتى لو أرادت ذلك.

لكن العقبات لا تقف عند الملف النووي والعقوبات.

فخلال المراحل السابقة كانت القضايا الإقليمية تُترك غالبًا خارج الإطار الرئيسي للتفاوض. أما اليوم، فإن الملفات الإقليمية تبدو وكأنها دخلت قلب المعادلة.

من نطنز إلى بيروت.. كيف دخلت الملفات الإقليمية قلب المفاوضات؟

برز لبنان وحزب الله بصورة لافتة كجزء من النقاشات الجارية، وهو تطور مهم يكشف تغير طبيعة المفاوضات الحالية.

في السابق، كانت المفاوضات تتمحور حول أجهزة الطرد المركزي والمنشآت النووية مثل نطنز وفوردو، أما اليوم فثمة تحول نحو قضايا النفوذ الإقليمي وأدوات الردع غير التقليدية.

بالنسبة لإيران، لا يمثل حزب الله مجرد حليف سياسي أو عسكري، بل عنصرًا ضمن منظومة الردع الإقليمية التي بنتها خلال عقود.

أما بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة، فإن استمرار امتلاك حزب الله قدرات عسكرية كبيرة يعني استمرار وجود تهديد استراتيجي دائم.

وهنا تظهر مشكلة معقدة للغاية: نجاح أي اتفاق قد يصبح مرتبطًا بأطراف ليست جزءًا مباشرًا من الاتفاق نفسه.

فإسرائيل ليست طرفًا موقعًا في أي اتفاق أمريكي إيراني، لكنها لاعب شديد التأثير في البيئة السياسية والأمنية المحيطة بالاتفاق.

كما أن حزب الله أيضًا ليس طرفًا مباشرًا في المفاوضات، لكنه قادر على التأثير على نتائجها عبر التطورات الميدانية.

وهذه معضلة خطيرة؛ لأن الاتفاقات التقليدية تفترض أن الأطراف الموقعة هي من تتحكم في مصيرها، بينما في الحالة الأمريكية الإيرانية توجد أطراف خارجية تستطيع التأثير في مسار الاتفاق أو حتى تعطيله.

العامل الإسرائيلي بدوره يمثل نقطة محورية أخرى.

إسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا طويل المدى، ولذلك فهي تدفع عادة نحو قيود أشد صرامة على البرنامج النووي الإيراني، وتضغط سياسيًا داخل الولايات المتحدة عبر جماعات ضغط وشبكات سياسية متعددة.

ولا يقتصر الأمر على المؤسسات المؤيدة لإسرائيل وحدها، بل يمتد أيضًا إلى تيارات سياسية ودينية داخل الولايات المتحدة تملك تأثيرًا في صناعة القرار الأمريكي.

هذا يعني أن أي إدارة أمريكية لا تتحرك في فراغ، بل تواجه ضغوطًا داخلية تجعل تقديم تنازلات كبيرة لإيران أمرًا سياسيًا معقدًا.

إلى جانب ذلك، توجد حسابات مرتبطة بالدول العربية في الخليج؛ فأي اتفاق جديد سيعيد تشكيل توازنات القوة الإقليمية بصورة مباشرة.

هذا يجعل أي تفاهم أمريكي إيراني لا يتعلق فقط بالعلاقة الثنائية، بل بمستقبل النظام الأمني الإقليمي بأكمله.

أزمة الثقة التاريخية.. هل تستطيع المصالح المشتركة هزيمة إرث الصراع؟

ثمة تيار يرى أن المشكلة الأساسية ليست تقنية أو أمنية، بل سياسية وهيكلية.

هذا الاتجاه يعتبر أن الاتفاقات المؤقتة لن تكون كافية طالما بقيت العلاقة بين البلدين قائمة على منطق الخصومة المزمنة.

وفق هذا التصور، فإن تقليل التوتر يتطلب إدماج إيران تدريجيًا في الاقتصاد العالمي وخلق مصالح اقتصادية متبادلة تجعل تكلفة العودة إلى الصراع مرتفعة على الطرفين.

فالاعتماد الاقتصادي المتبادل في العلاقات الدولية كثيرًا ما يتحول إلى وسيلة لخفض احتمالات المواجهة.

لكن هذا التصور يصطدم أيضًا برؤية مقابلة ترى أن أي اتفاق مستدام يتطلب تغيرًا أوسع في سلوك إيران الإقليمي والسياسي، وليس مجرد ترتيبات اقتصادية أو نووية.

وهكذا تبدو المشكلة الحقيقية في أن واشنطن وطهران لا تختلفان فقط حول بنود الاتفاق، بل تختلفان أيضًا حول تعريف الاتفاق نفسه.

إيران تبحث عن اتفاق يخفف الضغط الاقتصادي دون المساس بعناصر ردعها الاستراتيجية.

أما الولايات المتحدة فتبحث عن اتفاق يغير البيئة الأمنية التي تعتبرها مصدرًا لعدم الاستقرار في المنطقة.

بين هذين التصورين تتحرك المفاوضات في مساحة ضيقة جدًا، حيث يصبح كل تقدم صغير قابلًا للتراجع عند أول أزمة أو تغير سياسي.

ولهذا يبدو أن التحدي الحقيقي أمام أي اتفاق مستقبلي ليس الوصول إلى لحظة المصافحة، بل بناء منظومة قانونية وسياسية وأمنية تجعل تلك المصافحة قادرة على الاستمرار بعد انتهاء الصور التذكارية وانطفاء أضواء قاعات التفاوض.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى