أخبار دوليةتقارير

بين "اتفاق النووي" و"اتفاق ما بعد الحرب".. كيف غيّرت الحرب قواعد اللعبة بين واشنطن وطهران؟

من اتفاق يقيّد اليورانيوم إلى تفاهم يحاول إطفاء الحرائق

كتبت: إسراء جبريل

حين وقّعت إيران والقوى الكبرى الاتفاق النووي عام 2015، كانت الفكرة الأساسية بسيطة من حيث المبدأ، وإن كانت شديدة التعقيد في التفاصيل: تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الاقتصادية.

لكن بعد سنوات من الانسحاب الأمريكي، والضغوط القصوى، والتصعيد الإقليمي، ثم جولات الحرب المتعددة والهجمات العسكرية المباشرة، يبدو أن المشهد الحالي مختلف جذرياً.

مذكرة التفاهم الأخيرة الموقعة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لا تشبه اتفاق عام 2015 إلا في عنوانها العريض المرتبط بالملف النووي. أما في الجوهر، فإن المقارنة تكشف أن الطرفين لم يعودا يتفاوضان حول الملف نفسه، ولا من موقع القوة نفسه، ولا حتى ضمن البيئة الجيوسياسية ذاتها.

ففي عام 2015 كانت المفاوضات تدور حول كيفية احتواء برنامج نووي يتوسع تدريجياً، أما اليوم فإن المفاوضات تدور حول كيفية إدارة نتائج حرب وأزمة أمنية وإقليمية معقدة، ومحاولة منع تحولها إلى مواجهة أكبر وأكثر تكلفة.

أولاً: اختلاف الطبيعة القانونية بين الاتفاقين

يكمن أحد أهم الفروق الجوهرية بين الاتفاقين في البنية القانونية ذاتها.

الاتفاق النووي لعام 2015 أو ما يعرف بخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) لم يكن مجرد إعلان سياسي أو تفاهم مؤقت؛ بل كان اتفاقاً متعدد الأطراف تضمن مئات الصفحات من البنود التفصيلية والجداول الزمنية وآليات التنفيذ والرقابة والتحقق.

الاتفاق حدد بدقة:

  • نسب تخصيب اليورانيوم المسموح بها.
  • حجم المخزون الإيراني من المواد المخصبة.
  • عدد وأنواع أجهزة الطرد المركزي.
  • أماكن التخزين والتشغيل.
  • نظام التفتيش والرقابة.

كما حصل الاتفاق على غطاء دولي بعد اعتماده بقرار من مجلس الأمن الدولي، وهو ما منحه وزناً قانونياً ودبلوماسياً كبيراً.

أما مذكرة التفاهم الأخيرة فتبدو أقرب إلى إطار سياسي مؤقت أو “خارطة طريق” للمفاوضات أكثر من كونها اتفاقاً نهائياً ملزماً.

فالوثيقة الحالية تؤجل كثيراً من القضايا الأساسية إلى مفاوضات لاحقة يفترض أن تمتد نحو ستين يوماً أو أكثر، بما في ذلك بعض المسائل المتعلقة بالتخصيب وآليات التنفيذ.

وهنا يظهر اختلاف مهم للغاية: ففي حين كان اتفاق 2015 مبنياً على قواعد تفصيلية، تعتمد مذكرة التفاهم الجديدة بدرجة أكبر على مبادئ عامة والتزامات سياسية قابلة للتعديل أو إعادة التفاوض.

ومن الناحية العملية فإن هذا يمنح الطرفين مرونة سياسية أكبر، لكنه يجعل الاتفاق أيضاً أكثر هشاشة من الناحية القانونية.

ثانياً: من برنامج نووي إلى أزمة أمن إقليمي

في عام 2015 كان الملف النووي هو مركز المفاوضات ومحورها الأساسي.

أما اليوم فقد أصبح الملف النووي مجرد عنصر داخل منظومة أوسع من الملفات المعقدة.

فالمفاوضات الحالية ترتبط بعدة قضايا متداخلة:

  • إنهاء حالة الحرب والتصعيد العسكري.
  • إعادة فتح مضيق هرمز.
  • استقرار أسواق الطاقة.
  • العقوبات الاقتصادية.
  • مستوى تخصيب اليورانيوم.
  • الرقابة الدولية.
  • التوازنات الإقليمية.

بعبارة أخرى، لم تعد واشنطن وطهران تتفاوضان على أجهزة الطرد المركزي فقط، بل تتفاوضان على شكل العلاقة بينهما بعد مرحلة من المواجهة المباشرة.

وهذا يمثل تحولاً جذرياً في طبيعة التفاوض.

ثالثاً: تغير موقع إيران التفاوضي

ربما يكون الفرق الأكبر بين المرحلتين هو تغير موقع إيران نفسه.

في عام 2015 دخلت طهران المفاوضات وهي تمتلك برنامجاً نووياً متطوراً لكنه لم يتعرض لضربات عسكرية واسعة.

أما اليوم فالوضع مختلف بصورة كبيرة.

فالهجمات الجوية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية خلال الحرب الأخيرة تسببت – وفق تقديرات متعددة – في إلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية النووية الإيرانية.

كما تعرض عدد من العلماء والمسؤولين المرتبطين بالبرنامج النووي لخسائر مباشرة أو غير مباشرة.

ورغم وجود خلافات حول حجم الأضرار الحقيقية، فإن المؤكد أن الوضع الحالي يختلف جذرياً عن ظروف عام 2015.

ويعني ذلك أن إيران تدخل المفاوضات من وضع أكثر تعقيداً، لأن عليها في الوقت نفسه:

  • إدارة آثار الحرب.
  • مواجهة الضغوط الاقتصادية.
  • الحفاظ على قدراتها النووية.
  • محاولة انتزاع تخفيف للعقوبات.

رابعاً: ملف التخصيب… من الأرقام الدقيقة إلى الصياغات العامة

تميّز اتفاق 2015 بدقة استثنائية في الجوانب الفنية.

فالاتفاق لم يكتف بالحديث عن منع إنتاج سلاح نووي، بل وضع أرقاماً محددة للغاية.

التخصيب كان مقيداً بمستويات منخفضة محددة، كما التزمت إيران بإخراج نسبة كبيرة من مخزونها المخصب وتقليص عدد أجهزة الطرد المركزي بشكل كبير.

أما في مذكرة التفاهم الأخيرة فإن الصورة تبدو أقل وضوحاً.

فالوثيقة تشير إلى التزام إيران بعدم السعي إلى امتلاك أو تطوير سلاح نووي، لكنها لا تتضمن – حتى الآن – التفاصيل الرقمية الدقيقة التي كانت موجودة في اتفاق 2015.

وقد يبدو هذا الأمر بسيطاً، لكنه في الواقع يمثل فارقاً أساسياً.

ففي القانون الدولي والأمن النووي لا يكفي الحديث عن النوايا السياسية؛ بل تحتاج الاتفاقات إلى أدوات قياس دقيقة يمكن التحقق منها.

ولهذا السبب فإن جزءاً كبيراً من التفاوض المقبل سيتركز على تحويل العبارات العامة إلى التزامات فنية قابلة للتنفيذ.

خامساً: العقوبات الاقتصادية… من رفع واسع إلى تخفيف مشروط

شكّل رفع العقوبات أحد أهم عناصر اتفاق 2015.

فبعد تنفيذ إيران التزاماتها وقيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتحقق منها، تم رفع جزء مهم من العقوبات الدولية، كما استعادت إيران إمكانية الوصول إلى أصول مالية ضخمة مجمدة في الخارج.

أما التفاهم الحالي فيتبنى مقاربة مختلفة.

فالحديث يدور عن:

رفع فوري لبعض العقوبات النفطية، مع ربط تخفيف العقوبات الأوسع بتنفيذ خطوات إيرانية لاحقة.

بمعنى آخر، فإن المبدأ السائد حالياً هو:

“التحقق أولاً ثم المكافأة.”

ويبدو أن هذا يعكس درساً مهماً استخلصته واشنطن من تجربة السنوات الماضية، حيث ترى دوائر أمريكية عديدة أن تقديم مكاسب اقتصادية واسعة مقدماً قد يقلل من القدرة على الضغط لاحقاً.

سادساً: أزمة الثقة بين الطرفين

عام 2015 ورغم التوترات الكبيرة، كان هناك حد أدنى من الثقة التفاوضية.

لكن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق في 2018 ثم التصعيد اللاحق أدى إلى تآكل هذه الثقة بصورة كبيرة.

إيران تنظر إلى تجربة الانسحاب الأمريكي باعتبارها دليلاً على هشاشة أي تعهد أمريكي.

في المقابل ترى واشنطن أن إيران وسعت برنامجها النووي لاحقاً وقلّصت التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ولذلك فإن المفاوضات الحالية لا تتعلق فقط بالتفاصيل الفنية، بل تتعلق أيضاً بإعادة بناء قدر من الثقة المفقودة بين الطرفين.

وهذه ربما تكون أصعب مهمة على الإطلاق.

سابعاً: اللاعبون الدوليون… من مفاوضات عالمية إلى تفاهم شبه ثنائي

لم يكن اتفاق 2015 اتفاقاً أمريكياً إيرانياً فقط.

روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا شاركت بصورة مباشرة في المفاوضات.

وكان وجود هذه الأطراف عاملاً مهماً في توفير الضمانات السياسية والدبلوماسية.

أما التفاهم الحالي فيبدو أكثر ميلاً إلى الثنائية بين واشنطن وطهران.

وقد يمنح ذلك سرعة أكبر في اتخاذ القرار، لكنه قد يقلل أيضاً من شبكة الضمانات الدولية التي كانت متوفرة في السابق.

كما أن تقليص دور القوى الأخرى قد يجعل أي اتفاق مستقبلي أكثر عرضة للتغيرات السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى