
كتبت/ منار حجاج
أعادت التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة طرح تساؤلات حول طبيعة أولويات إيران الإقليمية، ومدى تأثير المتغيرات الميدانية على توزيع أدوار حلفائها في المنطقة خاصة بين الساحتين اللبنانية والفلسطينية.
وتبرز المقارنة بين لبنان وغزة باعتبارها واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل، مع استمرار حضور حزب الله في معادلة الردع مع اسرائيل، مقابل الضغوط العسكرية الكبيرة التي تعرضت لها الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة.
فهل منحت طهران لبنان موقعًا أكثر مركزية في استراتيجيتها الإقليمية، أم أن الأمر لا يتجاوز إعادة ترتيب للأدوار داخل منظومة النفوذ الإيرانية؟
لماذا يبدو لبنان أكثر أهمية من غزة؟
وفي هذا الإطار يقول معتز فخرالدين، الباحث في الشأن اللبناني: إن إيران لم تتخلَّ عن غزة، لكنها تميل إلى إعطاء وزن أكبر للبنان عبر حزب الله، باعتباره يمثل بنية أكثر اندماجًا واستقرارًا داخل منظومتها الإقليمية، ويؤدي وظيفة ردع مباشرة على الحدود مع إسرائيل.
في المقابل، حماس وحركة الجهاد الإسلامي تعرضتا بعد حرب 7 أكتوبر إلى استنزاف كبير في البنية العسكرية والتنظيمية داخل غزة، ما انعكس على مستوى الاستقرار والقدرة على العمل كأداة ضغط مستدامة مقارنة بالساحة اللبنانية.
يمكن القول إن فرضية تمسك إيران بلبنان أكثر من غزة تبدو راجحة إلى حد كبير في ضوء طبيعة العلاقة بين الأطراف، وذلك لعدة مؤشرات:
طبيعة الارتباط البنيوي بين إيران وحزب الله مقارنة بطبيعة العلاقة مع الفصائل الفلسطينية، والتي تتسم بقدر أعلى من الاستقلالية النسبية.
اختلاف مستوى التكامل العملياتي بين الساحتين.
تفاوت القدرة على الاستمرارية تحت الضغط العسكري.
لكن هذا لا يعني تراجع الدعم لغزة بقدر ما يعكس اختلافًا في طبيعة إدارة كل ساحة.
الأهمية الإستراتيجية لبيروت مقارنة بغزة
ويتابع معتز فخر الدين: أيضًا لبنان يمثل لإيران مجموعة وظائف استراتيجية مترابطة، فهو ساحة ردع متقدمة ضمن التوازن مع إسرائيل، وعمق عملياتي مرتبط مباشرة بمنظومة حزب الله، وقدرة أعلى على ضبط قواعد الاشتباك.
أما غزة فتمثل ساحة مقاومة محاصرة وعالية الكلفة، وهي ذات قيمة رمزية وسياسية كبيرة، لكنها أقل قدرة على إنتاج ردع مستدام على المدى الطويل.
تأثير التطورات العسكرية على أولويات إيران
ويواصل فخر الدين: أثرت التطورات العسكرية في المنطقة، ولا سيما حرب غزة، على طريقة إدارة إيران لساحاتها، بما يشير إلى: ميل أكبر إلى تركيز الجهد في الساحات الأكثر استقرارًا نسبيًا، وإعادة تقييم كلفة الانخراط المباشر في ساحات شديدة الاستنزاف، وزيادة أهمية ضبط التصعيد وتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة.
وهذا يعكس تحولًا في أسلوب إدارة النفوذ أكثر منه تغييرًا جذريًا في الاستراتيجية.
هل أعادت إيران ترتيب أوراقها؟
ويستكمل معتز: تشير المعطيات إلى أن إيران قامت بعملية إعادة تموضع وظيفي للأدوار داخل منظومتها الإقليمية، يتضمن:
•لبنان: ساحة ردع مركزية أكثر استقرارًا نسبيًا
•غزة: ساحة مقاومة عالية الكلفة ومتقلبة ميدانيًا
•ساحات أخرى مثل العراق واليمن: أدوات ضغط غير مباشر ضمن إدارة التوازن الإقليمي.
انعكاس الدعم على موازين القوى
ويوضح الباحث في الشأن اللبناني: في لبنان، بقي حزب الله عنصرًا مركزيًا في معادلة الردع، مع استمرار قدرته على التأثير رغم الضغوط المتزايدة، وإن ضمن بيئة إقليمية أكثر تقييدًا من السابق.
في غزة، حماس وحركة الجهاد الإسلامي واجهتا تراجعًا ملحوظًا في القدرة العسكرية والتنظيمية نتيجة الحرب، ما انعكس على هامش الحركة الميدانية والاعتماد المتزايد على الوساطات الخارجية.
هل ما زالت غزة أولوية؟
ويشير معتز إلى أن غزة ما زالت تحتفظ بأهمية سياسية ورمزية وأيديولوجية في الخطاب الإيراني، لكنها ليست الساحة الأكثر استقرارًا ميدانيًا، ولا القادرة على إنتاج ردع طويل الأمد مقارنة بلبنان، وفي المقابل، يحتفظ لبنان بدور أكثر مركزية في معادلة الردع المباشر.
تحول أم إعادة توزيع؟
المعطيات تميل إلى أن ما يجري هو إعادة توزيع للأدوار داخل استراتيجية واحدة، وليس تحولًا جذريًا كاملًا في العقيدة الإقليمية الإيرانية.
ويقوم هذا التوزيع على:
لبنان: ردع مباشر ومنظم ضمن بيئة أكثر استقرارًا نسبيًا
غزة: مقاومة عالية الكلفة ومتغيرة الظروف
ساحات أخرى: أدوات ضغط غير مباشر لإدارة التوازن الإقليمي.
ويختتم فخر الدين: في ضوء التطورات الإقليمية والضغوط العسكرية والاقتصادية، يمكن ملاحظة اتجاه إيران نحو إعادة تنظيم إدارة نفوذها الإقليمي بما يوازن بين الكلفة والقدرة على الاستمرار.
وفي هذا الإطار، يحتفظ لبنان عبر حزب الله بدور أكثر مركزية في معادلة الردع، بينما تبقى غزة مساحة مقاومة ذات أهمية رمزية وسياسية عالية، لكنها أكثر عرضة للاستنزاف وأقل استقرارًا على المستوى العملياتي.
وتبقى مفاوضات الستين يومًا اختبارًا عمليًا لقدرة إيران على الموازنة بين مسار التهدئة مع واشنطن والحفاظ على نفوذها الإقليمي، خصوصًا في لبنان عبر حزب الله، في ظل إعادة ضبط تدريجية لقواعد الاشتباك في المنطقة.



