بين السياسة والملعب..لماذا فشلت إيطاليا في العودة إلى كأس العالم؟

لم يسبق في تاريخ كرة القدم أن غابت دولة فائزة بكأس العالم عن ثلاث نسخ متتالية — وإيطاليا باتت الأولى في هذا السجل المحزن، بعد غيابها عن روسيا 2018 وقطر 2022 وأمريكا 2026.
وصفت صحيفة كورييري ديلا سيرا الأمر بـ”لعنة كأس العالم”، وطالبت بإعادة بناء شاملة، في بلد أنجب أعظم لاعبي كرة القدم عبر التاريخ لكنه لم يفز بمباراة إقصائية واحدة في كأس العالم منذ رفع الكأس عام 2006.
أما صحيفة غازيتا ديلو سبورت فقد لجأت إلى تعبير أكثر حدة: “Terza Apocalisse” — الأبوكاليبس الثالث — فيما اكتفى كورييري ديلو سبورت بعبارة مباشرة: “الجميع إلى البيت”.
ردود الفعل الفورية — استقالات متتالية
استقال غابرييل غرافينا، رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم، بعد يوم واحد من مطالبة وزير الرياضة أندريا أبودي بذلك صراحةً، كما أعلن الحارس الأسطوري جيانلويجي بوفون استقالته من منصب رئيس الوفد عبر إنستغرام.
وفُصل المدرب جينارو غاتوسو فور تأكيد الهزيمة أمام البوسنة، في حين كانت المشاركة الأخيرة لإيطاليا في كأس العالم عام 2014، ولم يصل المنتخب إلى دور الإقصاء منذ نهائي 2006.
التداعيات الاقتصادية
تواجه حكومة ميلوني أزمة رياضية وعواقب اقتصادية موجعة في آنٍ واحد؛ إذ تُشير التقديرات إلى أن غياب إيطاليا عن كأس العالم قد يكلف الاقتصاد الإيطالي نحو ملياري يورو.
الصراع السياسي على قيادة الاتحاد
سارعت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أوضاع كرة القدم الإيطالية وتمويلها، لكن سرعان ما تحول الأمر إلى صراع نفوذ بين الحكومة والمؤسسة الكروية.
مشهد الانتخابات: حصل المرشح جيوفاني مالاجو، الرئيس السابق للجنة الأولمبية الإيطالية، على تأييد الدوري الإيطالي الممتاز، ورابطة اللاعبين، ورابطة المدربين، ليقترب من نسبة 50%+1 اللازمة للفوز بانتخابات 22 يونيو.
تشير التقارير إلى احتمال الاستعانة بأسماء لامعة كجيانفرانكو زولا أو باولو مالديني في الهيكل الجديد للمنتخب بعد انتخاب الرئيس الجديد.
الجذور الهيكلية للأزمة
أزمة تطوير الشباب: يُشير المحللون إلى تضخم الاهتمام بالنتائج والتكتيك على حساب التطوير التقني في الأكاديميات، فضلاً عن إحجام أندية السيري آ عن الثقة بالمواهب المحلية الشابة مما أوجد “انسداداً في الأنبوب” نحو كرة القدم الاحترافية.
وفي المقارنة مع المنافسين، تُعدّ أكاديميات كرة القدم الإيطالية متأخرة عن نظيراتها الإسبانية والفرنسية؛ إذ تميل أندية السيري آ إلى التمسك باللاعبين المخضرمين بدلاً من المجازفة بالمواهب الشابة.
الأزمة الاقتصادية للأندية: كشف تقرير الاتحاد الإيطالي الرسمي عن منظومة اقتصادية غير مستدامة، تعجز إيراداتها عن تغطية تكاليفها، مما دفع الأندية إلى تفضيل التعاقد مع لاعبين أجانب على حساب تطوير الكفاءات الوطنية.
وكاستجابة للأزمة، بدأ الحديث عن خطة إصلاح شاملة تتضمن معايير تُكافئ الأندية على الاستثمار في الشباب الإيطالي، والاستدامة المالية، وتوظيف لاعبين مُدرَّبين محلياً، وتحسين البنية التحتية.
صوت الشارع والمختصين
وصف الكاتب المناهض للمافيا روبيرتو سافيانو الأزمة بأنها انعكاس لفساد بنيوي عميق: “الأندية فاسدة ورهينة لمنظمات إجرامية. لا استثمار في الشباب، ولا اهتمام بالمواهب من الجيل الثاني. أصبح شراء لاعبين أجانب أسهل من تطوير رياضيين جدد”.
وحذّرت الصحفية إليزابيتا إسبوزيتو من غازيتا ديلو سبورت من أن الفشل الثالث المتتالي سيُعمّق عزوف الجيل الشاب عن دعم المنتخب الوطني، والخطر الحقيقي أن جيلاً بأكمله لم يعد يعرف معنى التشجيع لبلاده.
تكشف الأزمة الإيطالية عن طبقات متداخلة من الإخفاق: رياضياً في تطوير المواهب والبنية التحتية، مؤسسياً في الحوكمة والإدارة المتقدمة في السن، وسياسياً في الصراع بين الحكومة ومؤسسات مستقلة.
وما لم تُعالَج هذه الجذور بعيداً عن حسابات النفوذ، فإن الغياب عن المحافل الكبرى قد يمتد لسنوات أخرى.



