تقارير

بين الردع والوساطة.. كيف حولت باكستان حرب إيران إلى فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي؟

كتبت: هدير البحيري

بينما كانت القوات الباكستانية ومنظوماتها الدفاعية ترسل إلى السعودية بموجب اتفاق دفاع مشترك، كانت الدبلوماسية الباكستانية تتحرك على مسار موازٍ بين واشنطن وطهران في محاولة لاحتواء التصعيد.

وبين الدورين، وجدت إسلام آباد نفسها في قلب واحدة من أكثر أزمات الشرق الأوسط تعقيدًا. ففي خضم المواجهة الإقليمية الأخيرة مع إيران، نشرت باكستان نحو 8 آلاف جندي، إلى جانب سرب من الطائرات المقاتلة ومنظومة دفاع جوي داخل السعودية، تنفيذًا لبنود اتفاق دفاعي جرى توقيعه بين البلدين العام الماضي، في خطوة عكست مستوى متقدمًا من التنسيق العسكري بين الرياض وإسلام آباد.

لكن أهمية هذا الانتشار لا تكمن في حجمه فقط، بل في توقيته أيضًا. ففي الوقت الذي عززت فيه باكستان حضورها العسكري إلى جانب السعودية، برزت كذلك كأحد أبرز الوسطاء بين الولايات المتحدة وإيران، وساهمت في جهود خفض التصعيد بين الطرفين.

وبحسب ما نقلته وكالة رويترز عن ثلاثة مسؤولين أمنيين ومصدرين حكوميين، فإن القوات الباكستانية المنتشرة داخل السعودية تمثل قوة كبيرة وقادرة على القتال، وتهدف إلى دعم الجيش السعودي في حال تعرض المملكة لهجمات إضافية.

ووفقًا للمصادر، أرسلت باكستان في أوائل أبريل سربًا كاملًا يضم نحو 16 طائرة مقاتلة، معظمها من طراز JF-17 Thunder المطور بالتعاون مع الصين، إلى جانب سربين من الطائرات المسيرة.

كما يشمل الانتشار العسكري منظومة الدفاع الجوي الصينية HQ-9، مع تعهد بإرسال مزيد من القوات إذا استدعت الظروف ذلك، فيما تتولى العناصر الباكستانية تشغيل هذه المعدات بينما تتحمل السعودية تكاليف تمويلها.

وتشير وثائق اطلع عليها مسؤولون أمنيون، بحسب رويترز، إلى أن القوات المنتشرة خلال الصراع تؤدي بصورة أساسية مهام استشارية وتدريبية، إلى جانب آلاف الجنود الباكستانيين الموجودين بالفعل داخل المملكة بموجب ترتيبات دفاعية سابقة.

لكن أحد المصادر الحكومية المطلعة على نص الميثاق الدفاعي كشف أن الاتفاق يسمح نظريًا بنشر ما يصل إلى 80 ألف جندي باكستاني داخل السعودية للمساعدة في تأمين حدود المملكة بالتنسيق مع القوات السعودية.

كما أشار مسؤولان أمنيان إلى أن الاتفاقية تتضمن إمكانية نشر سفن حربية باكستانية، رغم عدم وجود تأكيدات بشأن وصول أي قطع بحرية إلى السعودية حتى الآن.

وبالنسبة لعدد من المسؤولين الذين تحدثوا للوكالة، فإن حجم الانتشار الحالي، بما يشمله من مقاتلات ومنظومات دفاع جوي وآلاف الجنود، يتجاوز بكثير مفهوم “المهمة الرمزية” أو “الدور الاستشاري” الذي جرى الترويج له في بعض التصريحات.

وجاء هذا التحرك العسكري في وقت كانت فيه إسلام آباد تؤدي دورًا سياسيًا مختلفًا تمامًا. فخلال الأزمة الأخيرة، برزت باكستان كوسيط رئيسي بين الولايات المتحدة وإيران، وساهمت في التوصل إلى وقف إطلاق نار لا يزال قائمًا منذ ستة أسابيع، كما استضافت الجولة الوحيدة حتى الآن من المحادثات الأمريكية الإيرانية.

وتكشف هذه المعادلة عن واحدة من أبرز مفارقات المشهد الإقليمي؛ فالدولة التي عززت حضورها العسكري إلى جانب السعودية، حافظت في الوقت نفسه على خطوط اتصال مفتوحة مع طهران وواشنطن، وهو ما جعلها لاعبًا حاضرًا في مساري الأمن والدبلوماسية معًا.

ولا يمثل التعاون العسكري الحالي تطورًا مفاجئًا في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، إذ تمتد الشراكة الدفاعية بين البلدين لعقود، وشملت برامج تدريب وتعاونًا عسكريًا واسعًا، إلى جانب تنسيق سياسي وأمني في عدد من الملفات الإقليمية.

ورغم أهمية المعلومات التي كشفتها رويترز، لم يصدر أي تعليق رسمي من الجانبين بشأن تفاصيل الانتشار العسكري، فيما لا تزال البنود الكاملة لاتفاقية الدفاع الموقعة بين البلدين بعيدة عن الأضواء.

إلى أين تتجه الشراكة الدفاعية بين الرياض وإسلام آباد؟

وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، د. حسن سلامة أن الوجود العسكري الباكستاني داخل المملكة العربية السعودية، سواء عبر نشر آلاف الجنود أو منظومات الدفاع الجوي والطائرات المقاتلة، يأتي في إطار تنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين قبل اندلاع المواجهات الحالية بين إيران والولايات المتحدة.

ويقول سلامة، لـ”داي نيوز” إن هذا الانتشار لا يمثل تطورًا طارئًا فرضته الحرب، بل يعكس التزامات دفاعية قائمة سلفًا، في ظل علاقات استراتيجية واقتصادية وثيقة تجمع الرياض وإسلام آباد.

ويشير سلامة إلى أن باكستان تحاول الموازنة بين التزاماتها الدفاعية تجاه السعودية من جهة، وأداء دور الوسيط في الأزمة الإقليمية من جهة أخرى.

ويضيف سلامة أن هذه المعادلة ترتبط أيضًا بالمصالح الاقتصادية المشتركة، في ظل ما تتلقاه إسلام آباد من دعم مالي واستثمارات خليجية تساعدها على مواجهة تحدياتها الاقتصادية.

ويتابع أن الاتفاق الدفاعي بين البلدين يقوم على مبدأ اعتبار أي اعتداء على أحد الطرفين اعتداءً على الطرف الآخر.
ويلفت سلامة إلى أن التصريحات الباكستانية ذهبت أبعد من ذلك، مع الإشارة إلى استعداد إسلام آباد لتوفير مظلة ردع استراتيجية للمملكة حال تعرضها لأي تهديد، وهو ما يعزز موقع السعودية داخل منظومة الأمن الباكستانية.

وعن أسباب قدرة باكستان على لعب دور الوسيط، يوضح سلامة أن غياب العلاقات الرسمية مع إسرائيل يمنحها هامشًا أكبر من الثقة لدى الجانب الإيراني، مشيرًا إلى وجود شريحة شيعية داخل المجتمع الباكستاني، ما يدفع إسلام آباد إلى تجنب أي توتر قد ينعكس على استقرارها الداخلي أو علاقاتها مع طهران.

ويضيف سلامة أن باكستان تمتلك قنوات اتصال مؤثرة مع الولايات المتحدة، خصوصًا عبر علاقاتها بالمؤسسات العسكرية الأمريكية، وهو ما يعزز قدرتها على لعب دور الوسيط المقبول لدى مختلف الأطراف.

ويرى أن هذا الدور يتكامل مع الانفتاح السعودي على التعاون العسكري مع باكستان، في إطار توجه أوسع نحو تنويع الشراكات الدفاعية وتقليل الاعتماد الحصري على المظلة الأمنية الأمريكية. ويقول إن هذا التحول يندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ”التحوط الاستراتيجي”، الهادف إلى تعزيز معادلة الردع عبر توسيع قاعدة الشركاء الإقليميين والدوليين.

ويؤكد سلامة أن الاتفاق العسكري بين الرياض وإسلام آباد أبرم منذ البداية كإطار دفاعي لا يستهدف أي طرف بعينه، وهو ما شددت عليه التصريحات الرسمية الباكستانية عند توقيع الاتفاق وخلال نشر القوات ومنظومات الدفاع الجوي.

ويشير إلى أن السعودية، رغم تعرضها لهجمات بطائرات مسيرة إيرانية، حافظت على خطاب يركز على حقها في الدفاع عن نفسها دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، مضيفًا أن هذا يجعل من الوجود العسكري الباكستاني عامل ردع إضافيًا، أكثر منه مقدمة لعمل هجومي.

وفي ما يتعلق بالدور الصيني، يلفت سلامة إلى أن اعتماد جزء من المنظومات العسكرية الباكستانية على التكنولوجيا الصينية يعكس تقاطعًا في المصالح بين بكين وإسلام آباد.

ويؤكد أن الصين، وإن كانت تتحرك من خلف الكواليس، تملك مصلحة مباشرة في احتواء التصعيد، خصوصًا مع ارتباطه بمسارات الطاقة والتجارة عبر مضيق هرمز.

ويخلص سلامة إلى أن بكين تسعى إلى تعزيز حضورها الدولي عبر المساهمة في تسوية بؤر التوتر الإقليمية، بما يعزز صورتها كقوة قادرة على إدارة الأزمات وموازنة النفوذ الأمريكي، مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية المرتبطة بتدفق الطاقة واستقرار الممرات البحرية الحيوية.

التقارب العسكري مع الرياض وتحديات العلاقة مع إيران

وفي المقابل، تقول الباحثة في الشؤون الآسيوية، هدير الصاوي لـ”داي نيوز” إن توسيع الوجود العسكري الباكستاني داخل السعودية يعكس التزامًا دفاعيًا غير مسبوق من جانب إسلام آباد، ويضع قواتها في موقع قد يفرض عليها الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران حال اندلاع صراع إقليمي واسع.

وتشير الصاوي إلى أن هذا التحول يفرض ضغوطًا متزايدة على العلاقات الباكستانية-الإيرانية، خاصة في ظل تصريحات نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، التي دعا فيها طهران إلى مراعاة الاتفاقية الدفاعية الموقعة بين البلدين، وهو ما اعتبر في الأوساط الإيرانية مؤشرًا على تراجع سياسة التوازن التقليدية التي انتهجتها باكستان لعقود.

وتوضح الصاوي أن طول الحدود المشتركة بين باكستان وإيران، التي تتجاوز 900 كيلومتر، إلى جانب الإرث الطويل من التوترات الأمنية بين الجانبين، يجعل أي انحياز واضح في المعادلة الإقليمية عاملًا إضافيًا لتأزيم العلاقات بين البلدين.

كما أن طبيعة الاتفاقية الدفاعية الموقعة مع السعودية، والقائمة على مبدأ اعتبار أي اعتداء على أحد الأطراف اعتداءً على الجميع، تقلص من هامش الحياد الباكستاني وتدفع إسلام آباد تدريجيًا نحو موقع أقرب إلى التحالف الدفاعي الخليجي.

وتلفت إلى أن تنامي الشكوك الإيرانية بشأن الموقف الباكستاني قد يدفع طهران إلى إعادة النظر في طبيعة تعاملها مع إسلام آباد، خصوصًا مع وجود قوات باكستانية على الأراضي السعودية وتعهدات دفاعية معلنة تجاه المملكة.

وترى أن استمرار التقارب العسكري بين الرياض وإسلام آباد قد ينعكس سلبًا على العلاقات الباكستانية-الإيرانية مستقبلًا، إذ قد يزيد من الضغوط الأمنية على الحدود المشتركة، ويعيد تنشيط ملفات حساسة مرتبطة بإقليم بلوشستان.
وتلفت الصاوي إلى أن اتساع الشراكة العسكرية بين السعودية وباكستان لا يقتصر تأثيره على التوازنات الإقليمية فحسب، بل قد يفرض تحديات أمنية ودبلوماسية متزايدة على إسلام آباد، ويجعل إدارة علاقتها مع إيران أكثر تعقيدًا خلال المرحلة المقبلة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى