محلل سياسي: الخطر الصيني يدفع دول آسيا للتعايش مع سياسة “أمريكا أولًا”

منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، أعادت الإدارة الأمريكية إحياء شعار “أمريكا أولًا” باعتباره الأساس الذي تنطلق منه السياسة الخارجية والاقتصادية للولايات المتحدة.
ويقوم هذا النهج على إعطاء الأولوية للمصالح الأمريكية المباشرة، مع إعادة تقييم التحالفات الدولية والاتفاقيات الأمنية والتجارية وفقًا لما يخدم واشنطن، وهو ما أثار ردود فعل متباينة بين الحلفاء التقليديين في أوروبا وآسيا.
ويشير تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز للباحث جون لي، الزميل الأول في معهد هدسون والمستشار السابق للأمن القومي في الحكومة الأسترالية، إلى أن الفارق في ردود الفعل الأوروبية والآسيوية لا يرتبط بشخصية ترامب وحدها، بل بطبيعة البيئة الأمنية التي تواجهها كل منطقة، ومدى اعتمادها على الولايات المتحدة في مواجهة التهديدات الإقليمية.
أوروبا ترى تهديدًا للنظام الدولي
ترى العديد من الحكومات الأوروبية أن سياسة “أمريكا أولًا” تمثل تحديًا مباشرًا للنظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، والقائم على التعاون متعدد الأطراف، واحترام المؤسسات الدولية، وتعزيز التحالفات الأمنية، وفي مقدمتها حلف شمال الأطلسي (الناتو).
واعتبرت العواصم الأوروبية أن توجهات ترامب القائمة على تقليص الالتزامات الأمريكية الخارجية، والضغط على الحلفاء لزيادة إنفاقهم الدفاعي، وإعادة النظر في الاتفاقيات الدولية، قد تؤدي إلى إضعاف الاستقرار العالمي وإثارة مزيد من الاضطرابات الجيوسياسية.
كما ظهرت الخلافات بوضوح في الملف التجاري، حيث دخل الاتحاد الأوروبي في مفاوضات صعبة مع الولايات المتحدة بشأن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على عدد من السلع الأوروبية، ولوّح باتخاذ إجراءات مضادة قبل أن يتوصل الجانبان في يوليو/تموز 2025 إلى اتفاق لتجنب اندلاع حرب تجارية واسعة.
آسيا تتبنى نهجًا براغماتيًا
في المقابل، اختارت دول آسيوية حليفة للولايات المتحدة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وتايوان وتايلاند، التعامل مع سياسة “أمريكا أولًا” بواقعية أكبر، وفضلت التكيف معها بدلًا من الدخول في مواجهات سياسية أو اقتصادية مع واشنطن.
ويؤكد جون لي أن السبب الرئيسي لهذا الموقف هو إدراك هذه الدول أن الصين تمثل التحدي الأمني والاستراتيجي الأكبر في المنطقة، في ظل التوسع العسكري الصيني، وتصاعد النفوذ السياسي والاقتصادي لبكين، واستمرار النزاعات في بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان.
وبالنسبة لهذه الدول، فإن استمرار الوجود العسكري الأمريكي في آسيا يمثل الضامن الأساسي لمنع اختلال ميزان القوى، حتى وإن تطلب الأمر تقديم تنازلات في ملفات التجارة أو الدفاع.
التهديد الصيني يتصدر الأولويات
يرى التحليل أن الحلفاء الآسيويين ينظرون إلى الصين باعتبارها القوة العسكرية الأكبر في آسيا، والتي تعمل على توسيع نفوذها الإقليمي من خلال تعزيز قدراتها العسكرية، وتطوير أسطولها البحري، وبناء قواعد ومنشآت في المناطق البحرية المتنازع عليها.
ولهذا السبب، تعتبر الحكومات الآسيوية أن الاعتماد على الولايات المتحدة يبقى أقل تكلفة من مواجهة الصين بمفردها، حتى إذا فرضت واشنطن شروطًا اقتصادية أو تجارية أكثر صرامة.
غياب منظومة دفاع جماعية في آسيا
يشير التقرير إلى اختلاف جوهري بين أوروبا وآسيا يتمثل في طبيعة التحالفات الأمنية.
ففي أوروبا، تعتمد الدول على منظومة دفاع جماعي متكاملة يمثلها حلف الناتو، الذي يضمن الدفاع المشترك عن أي دولة عضو تتعرض لهجوم.
أما في آسيا، فلا توجد مؤسسة دفاعية مماثلة، بل تعتمد العلاقات الأمنية على تحالفات ثنائية منفصلة بين الولايات المتحدة وكل دولة على حدة، مثل تحالف واشنطن مع اليابان أو كوريا الجنوبية أو الفلبين.
ورغم وجود أطر للتنسيق مثل مجموعة “الرباعية” (Quad) التي تضم الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، فإنها لا توفر التزامات دفاعية ملزمة على غرار الناتو، مما يجعل الدول الآسيوية أكثر اعتمادًا على الحماية الأمريكية المباشرة.
القوة العسكرية تتقدم على الاعتبارات السياسية
بحسب التحليل، فإن العديد من الدول الآسيوية ترى أن قوة الولايات المتحدة العسكرية تمثل عنصر الردع الأساسي أمام التوسع الصيني، حتى وإن صاحبتها سياسات أكثر تشددًا أو استخدامًا للقوة.
ورغم القلق الذي أثارته العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران بسبب اعتماد الاقتصادات الآسيوية على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، فإن هذه الدول استحضرت أيضًا مواقف سابقة اعتبرتها دليلًا على تراجع الردع الأمريكي، ومنها:
إحجام إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عن تنفيذ تهديداتها للنظام السوري بعد استخدام الأسلحة الكيميائية.
عدم اتخاذ خطوات أكثر حزمًا لمنع عسكرة الصين للجزر الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي.
وترى هذه الدول أن أي تراجع في الحضور العسكري الأمريكي قد يشجع الصين على توسيع نفوذها بصورة أكبر.
التجارة مقابل الضمانات الأمنية
انعكس هذا التوجه كذلك على السياسة التجارية، حيث فضلت العديد من الحكومات الآسيوية التوصل إلى اتفاقيات ثنائية مع واشنطن تتضمن تنازلات اقتصادية، بدلاً من الدخول في نزاعات تجارية طويلة.
ويعتبر قادة هذه الدول أن تقديم بعض التنازلات التجارية يمثل ثمنًا مقبولًا للحفاظ على المظلة الأمنية الأمريكية، خاصة في ظل غياب أي بديل إقليمي قادر على توفير الحماية نفسها.
مقارنة بين الموقف الأوروبي والآسيوي
أوروبا
آسيا
تركز على حماية النظام الدولي والتحالفات متعددة الأطراف.
تركز على مواجهة التهديد الأمني الصيني.
تعارض نهج “أمريكا أولًا” وتخشى إضعاف المؤسسات الدولية.
تتكيف مع السياسة الأمريكية حفاظًا على الدعم الأمني.
دخلت في مفاوضات وصدامات تجارية مع واشنطن.
فضلت إبرام اتفاقيات ثنائية وتقديم تنازلات.
تعتمد على حلف الناتو كمنظومة دفاع جماعي.
تعتمد على تحالفات ثنائية مباشرة مع الولايات المتحدة.
يخلص الباحث جون لي إلى أن الحلفاء الآسيويين لا يؤيدون بالضرورة جميع سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكنهم ينظرون إلى استمرار الانخراط الأمريكي في آسيا باعتباره الخيار الأكثر أمانًا مقارنة باحتمال تراجع الدور الأمريكي وصعود الصين كقوة مهيمنة في المنطقة.
وبحسب التحليل، فإن دول آسيا ترى أن المفاضلة الحقيقية ليست بين سياسات ترامب وغيرها، بل بين استمرار قيادة الولايات المتحدة للنظام الإقليمي، أو ترك المجال أمام الصين لفرض نفوذها وقواعدها.
ولهذا، فإن الرسالة التي تتبناها العديد من العواصم الآسيوية هي أنها تستطيع التعايش مع سياسة “أمريكا أولًا”، طالما أنها لا تتحول إلى سياسة “أمريكا وحدها” التي تنسحب فيها واش



